بغداد ـ «القدس العربي»: جدد الرئيس العراقي، برهم صالح، تشديده على ضرورة تشريع قانون “استرداد عائدات الفساد”، المقدم من الرئاسة، بهدف إعادة الأموال العراقية المهربة إلى خارج البلاد، فيما دعا إلى تشكيل “تحالف دولي”، على غرار التحالف المناهض لتنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) لمكافحة الفساد.
جاء ذلك خلال استقبال رئيس الجمهورية، في قصر السلام الرئاسي في بغداد، أمس، رئيس هيئة النزاهة القاضي، علاء جواد الساعدي.
وشدد صالح، حسب بيان صحافي، “على الدور المهم للهيئة في مكافحة الفساد”، مشيرا إلى أن “الحفاظ على المال العام وغلق منافذ الفساد واسترداد الأموال المنهوبة يعتبر حاجة وطنية ملحة”، منوها إلى “مخاطر استمرار الفساد في إضعاف المؤسسات بالاستجابة لمتطلبات المواطنين والتأثير سلبا على فرص الاستثمار والإعمار في البلد”.
آفة خطيرة
وأكد أيضا على أهمية “إقرار مشروع قانون استرداد عائدات الفساد المقدم من رئاسة الجمهورية، ليكون إلى جانب الجهد القائم من المنظومة القانونية، خطوة في طريق مكافحة هذه الآفة الخطيرة، إلى جانب الحاجة لتشكيل تحالف دولي لمكافحة الفساد على غرار التحالف الدولي لمحاربة داعش”.
وذكر بضرورة “تفعيل كافة الإجراءات القانونية والعملية في مكافحة الفساد وعبر إجراءات غير تقليدية بخطوات استباقية رادعة وأخرى لاحقة لاستعادة أموال الفساد، والاستفادة من الخبرات الدولية الناجحة في هذا الخصوص”.
الساعدي، قدم، حسب البيان، “إيجازا بشأن سير عمل الهيئة والتحديات التي تواجهها وخططها المستقبلية، حيث أبدى صالح دعمه لكل الجهود التي تصب في “تحقيق أهداف استئصال الفساد، ووقف هدر المال العام”.
يتزامن ذلك مع إعلان هيئة النزاهة الاتحادية أن 4 تريليونات دينار (أكثر من مليارين و500 مليون دولار) مقدار الضرر بالخزينة العامة جراء “فساد نافذة بيع العملة”، مشيرة إلى أنها حث وزارة المالية على متابعة الهيئة العامة للضرائب لتلافي تفاقم مشاكلها.
ووفق بيان للهيئة أمس، فإنها “كشفت عن وجود فساد واضح في نافذة بيع العملة نتج عنه ضرر بالخزينة العامة بلغ مقداره (3,919,218,099,521) تريليونات دينار”، مشيرة إلى أن “فقدان الأضابير في دائرة ضريبة الأعظمية كشف عن ذلك الضرر الذي لحق بالخزينة”.
وأضافت أن “دائرة الوقاية في الهيئة وفي تقرير لها، أرْسِلت نسخةٌ منه إلى مكتب رئيس مجلس الوزراء ولجنتي المالية والنزاهة النيابيتين ووزير المالية ووكيل وزير الداخلية لشؤون الشرطة، وقالت إنها في إطار متابعتها نتائج تحليل استبانة قطاع الضرائب الواردة في تقريرها الشامل الصادر في شهر حزيران /يونيو 2021، قام فريق الدائرة بزيارات ميدانية إلى (مقر وفروع الهيئة العامة للضرائب وهيئة الجمارك والبنك المركزي العراقي ودائرة مسجل الشركات في وزارة التجارة)”.
وأوضح التقرير أن “المصارف الأهلية كانت المستفيد من عمليات التحويل في نافذة بيع العملة، حيث إن غالبية المستمسكات المقدمة من قبل تلك المصارف كانت مزورة”، لافتة إلى “مصادقة المدير العام للهيئة العامة للضرائب على إحالة موضوع المصارف الأهلية المتلكئة والمكلفين إلى هيئة النزاهة، حققت ضرر بقرابة (4) تريليونات دينار في الخزين نتيجة فقدان الأضابير في دائرة ضريبة الأعظمية (في بغداد)”.
ودعا إلى “توجيه فروع الهيئة للالتزام بمبدأ الحيادية في احتساب الضرائب، واختيار مديرين للفروع ممن لديهم خبرة في مجال العمل الضريبي، وإنهاء ملف النقص الحاصل في أعداد الموظفين والمخمنين، واستقطاب الاختصاصات المحاسبية والمالية والاقتصادية، للنهوض بمستوى الأداء الوظيفي في الهيئة العامة للضرائب”. واقترح التقرير، “تأليف لجنة مشتركة من الدائرة القانونية في وزارة المالية والهيئة العامة لكل من الجمارك والضرائب، لتدقيق الأسماء التي تكون معلوماتها غير كاملة في برنامج حاسبة الهيئة العامة للضرائب وإلزام قسم الحاسبة بعدم تغذية برنامج الحاسبة بأي ملف أو اسم مكلف أو شركة غير مكتملة المعلومات، مبينا أن تشابه الأسماء، نتيجة قلة المعلومات في الحاسبة أدى إلى بروز ظاهرة الابتزاز والرشوة في فروع الهيئة”.
وأوصى التقرير، “الهيئة العامة للجمارك بتحديد الفروع الجمركـية التي لا تدرج المعلومات الكاملة للمكلفين والشركات والرقم الضريبي للمستوردين والشركات وإحالتهم إلى الدائرة القانونية في وزارة المالية، فضلا عن تضمين الرقم الضريبي للمكلف في التصريحة الجمركية، لتجنيب المواطنين تحمل أعباء إضافية”.
ورصد “عدم نشر ضوابط ضريبة المهنة والعقار للمكلفين والسماحات القانونية، الأمر الذي يؤدي إلى إيهام بعض المكلفين بوجود مبالغ ضريبة عالية مترتبة عليهم، ومساومتهم من قبل بعض المخمنين بتنزيل مبلغ الضريبة، لقاء مبلغ محدد، فضلا عن عدم الإعلان عن الوثائق المطلوبة لإنجاز المعاملات، لضمان عدم تعرض المواطن للاستغلال أو الابتزار”.
ولاحظ “عدم قيام الهيئة العامة للضرائب بالعمل بفقرة اندثار العقار التي تكون بنسبة (2 %) سنويا ولمدة (10) سنوات تحتسب بعد مرور (5) سنوات على إنشاء العقار، وعدم إدراج أي معلومة عن تاريخ إنشاء العقار، مما يتسبب بإلحاق الضرر بالمواطنين، فضلا عن قيام بعض الموظفين والمخمنين بنقل أضابير المكلفين إلى منازلهم لإنجازها، والحفظ السيء وغير المنظم للأضابير في بعض الفروع، وانتشار المعقبين، وغياب دور الاستعلامات وعناصر حماية المنشآت في منعهم من الدخول، بل وتعاون عناصر الحماية مع الموظفين والمعقبين في بعض الفروع”.
وسبق للهيئة أن أوصت في حزيران/ يونيو 2021 بإخضاع عملية تعيين وتغيير مديري فروع الضريبة لضوابط أكثر صرامة، والإعلان عن الضوابط والتعليمات الخاصة بإنجاز المعاملات في مداخل دوائر الضريبة، واعتماد مبدأ النافذة الواحدة، لتقليل احتكاك الموظفين بالمراجعين، إضافة إلى تفعيل نظام الرقابة الداخلية، والتقليل من عملية تعقيب المعاملات عبر وضع التعليمات اللازمة للتعقيب واقتصارها على المحامين، لتجنب عمليات الابتزاز، وفق بيان الهيئة.
ويعاني العراق تفشيا للفساد في أغلب مؤسساته، في أزمة جديدة تضاف لسلسلة الأزمات التي تعصف بهذا البلد.
دعوة للتحقيق
في السياق، أكدت النائبة عن ائتلاف “دولة القانون”، عالية نصيف، أنها من خلال متابعتها لقضية عقد الجوازات الالكترونية الذي حذرت منه سابقا، حصلت على معلومات بأن العقد الذي تحوم حوله شبهات فساد قد تم توقيعه مع شركة “أفق السماء”، مبينة أن الضغوط السياسية أجبرت بعض الجهات على السكوت عن هذا العقد، مجددة مطالبتها هيئة النزاهة والادعاء العام، بالتدخل وفتح تحقيق حوله، واعتبار هذا البيان بلاغا رسميا.
وقالت في بيان صحافي إنه “لطالما أصدرنا عدة بيانات حذرنا فيها من مغبة توقيع هذا العقد الذي بلغت قيمة الفساد فيه 70 مليون دولار (الفرق بين قيمته الحقيقية والظاهرية)، واليوم هناك أنباء وللأسف تفيد بأن العقد تم تمريره بشكل سري بعيدا عن وسائل الإعلام، وهناك وفد عراقي حاليا في فرنسا لإتمام متعلقات العقد”.
وتابعت أن “الشركة السابقة (الألمانية) لديها عقد مع العراق مدته 10 سنوات، وبالتالي فإن الفاسدين لا يكترثون فيما إذا قامت الشركة السابقة بتغريم الدولة مبالغ طائلة بسبب التعاقد مع شركة جديدة”.
وجددت، مطالبتها لهيئة النزاهة والادعاء العام بـ”التدخل والتحقيق في هذا العقد، واعتبار هذا البيان بلاغا رسميا منذ تاريخ نشره في وسائل الإعلام.
وفي سياق ذي صلة، بحث رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي فائق زيدان، أمس، مع السفير الفرنسي لدى العراق، إيريك شوفاليه، التعاون بين البلدين لمكافحة الفساد.
وذكر إعلام القضاء في بيان صحافي، بأن زيدان استقبل شوفاليه، و”بحث معه إجراءات توقيع مذكرة تفاهم بين مجلس القضاء الأعلى في العراق والقضاء الفرنسي”. وأضاف أن اللقاء بحث أيضا، “التعاون بين البلدين في مجال مكافحة الفساد”.