الرباط ـ «القدس العربي»: الجدل حول المعرض الدولي للكتاب والنشر في المغرب لم يقتصر على نقله من الدار البيضاء إلى الرباط، بل تعداه إلى البرنامج الثقافي، حيث اشتكى كثيرون من إقصائهم من الندوات والمحاضرات وحفلات التوقيع.
في هذا الصدد، تلقت «القدس العربي» ورقة من الشاعر صالح لبريني، ينتقد فيها ما سماه «ضيق الأفق» و»ثقافة القبيلة» لدى واضعي برنامج المعرض. وصحيفتنا إذ تنشر هذه الرسالة المفتوحة الموجهة من الكاتب المذكور إلى وزير الثقافة المغربي، فليس معنى ذلك أنها تتبنى محتواها، وإنما تفعل ذلك من باب إثراء النقاش البناء حول هذه التظاهرة الثقافية المهمة، مرحبة بكل الردود في هذا الصدد.
سيدي الوزير
تحية وتقديرا، وبعد،
أود في البداية أن أتقدم إليكم بخالص الاحترام والتقدير على الجهود الجبارة التي بذلتموها من أجل تنظيم المعرض الدولي للكتاب في دورته 27 في الرباط ، بعد توقفه لمدة سنتين، معيدين للمثقفين والمثقفات المغاربة عيدهم السنوي، وكذا للقراء والقارئات، وفيه أيضا تجسيد لفرح الكِتاب والكُتَّاب ولوهج الحياة وجلالها وجمالها، وهو عيد تستعيد فيه الثقافة المغربية عافيتها وديناميتها بعد بيات طويل لأسباب فرضها كوفيد 19، وفيه تتجسد الثقافة المغربية بمختلف تعبيراتها العربية والأمازيغية، التي تشكل الهوية المغربية الضاربة جذورها في أرض هذه الأمة العريقة تاريخيا وحضاريا.
ولا شك سيدي الوزير أنكم تسعون إلى إنجاح هذه الدورة بكل الوسائل الممكنة، لكن بقدر ما سرّني تنظيم المعرض، بقدر ما حزنت كثيرا حول مهزلة البرنامج الثقافي العام لهذه الدورة. فقراءة متأنية لفقرات برنامج المعرض، توحي بابتعادكم عن أن يكون المعرض حاضنة لمثقفي المغرب، وتعكس في الوقت نفسه، خيبة ظننا، قراء وكتابا من الوجبة البائتة المفبركة والهزيلة، التي لا ترقى لطموح ولا لمكانة المغرب الذي نحتاج، بشكل جدي، للاعتزاز به ووضعه تاجا فوق رؤوسنا، في هذا الوقت الحرج والمصيري في ظل ما يشهده العالَم من تقلبات ومنعطفات. إن عبارة الاستثناء المغربي، تزخر بحمولة معبرة عن جوهر الإنسان المغربي المتعدد الثقافة والمختلف، بصفة خاصة، الذي لم يستطع برنامجكم أن يستوعبها ولا أن يترجمها على الواقع.
أول ما صدمنا هو الذهنية المتخلفة والضيّقة الأفق التي عهدتم لها بالتفكير في شأننا الثقافي واختيار الأسماء التي ستشارك في فعاليات المعرض، والتي أقل ما يقال عنها، إنها بالية وبعيدة كل البعد عن طموح وهموم المغرب الثقافية، ما يعكس غياب إرادة حقيقية من المسؤول الأول عن هذا القطاع، الذي نعتقد أنه يفتقد لرؤية واضحة لما يعرفه المشهد الثقافي من بروز حساسيات جديدة في الكتابة والإبداع، وفي كل الأنماط التعبيرية المختلفة، بل يمكن التأكيد على أنه لا يمتلك السلطة الكافية لإزاحة مسامير (المائدة) الذين تحولوا إلى تماثيل وأصنام، تقرر في مصير وطن بحجم المغرب، وتحجّم من قيمة مثقفيه الحقيقيين الذين يبدعون، ليس طمعا في دعوة أو إكرامية، وإنما من أجل مغرب ثقافي متعددة ينصت للأصوات كافة ويبتعد عن الصوت الواحد والوحيد، فالعقلية المنغلقة مصيرها التآكل والزوال. لأن الثقافة هي الرأسمال الرمزي، اللامادي الذي يجب على الدولة رعايته الرعاية التي تليق بالأدوار التي يقوم بها هذا الحقل ولجدارته في بناء الذات المغربية، والحفاظ على وجودها التاريخي والحضاري. لكن يبدو أن الأحلام والآمال شيء، والممارسة شيء يناقض المأمول، ويجني على أجيال نفرت من الثقافة والقراءة، وعادت كل ما يعتمد على العقل، وفي هذا خطر على الوطن. فجهود المثقفين المغاربة تبرز جلية في المحافل العربية والدولية، من خلال الجوائز التي يحصلون عليها، وهذا دليل على أنهم يكرمون الثقافة المغربية، ويجعلون المغرب في مصاف الدول ذات المكانة القيمة والجديرة بالحياة ثقافيا وحضاريا.
هكذا يمكن القول إن المعرض في دورته 27 يكرس ثقافة القبيلة الثقافية، مقوّضا التعددية الثقافية التي تميّز المغرب، ومُهمّشا أصواتاً إبداعية لها تجاربها المتميزة، لكون هذه الأصوات لا تتملق ولا تقف على أعتاب الوزارة طالبة راغبة في التفاتة ما، ولا تحرّك الهواتف كلما اقترب موعد المعرض، بقدر ما تحفر اسمها بتؤدة وروية وعمق، بعيدا عن البروباغندا التسليعية، فهمُّها الأوّل والأخير أن تسهم في إشاعة الجمال والقيم الإنسانية النبيلة، والتاريخ دائما هو الفيصل بين التّافه التّابع والأصيل المتجذر في تربة الثقافة المغربية، والتاريخ الثقافي المغربي القريب يضيء للمتوهمين والمدّعين والمنفصمين، بين ما يعبرون عنه وما يمارسونه، حقيقة مثقفين كانوا متسيّدين في فترة معينة، وهم الآن يعيشون في قوقعة النسيان، لا يذكرهم أحد ولا يقرأ لهم أحد، لهذا نهمس في أذن بعض المتنطعين ثقافيا، أن الزمن الثقافي المغربي لا يرحم، واعلموا أن مآلكم هو مصير سابقيكم.
ولا يعقل أن نجد في هذا المعرض والمعارض السابقة الأسماء ذاتها، مع بعض الرتوشات التي تفضحهم بإشراك اسم أو اثنين جدد، وكأن رحم الثقافة المغربية عاقر، لم يلد ولا يلد ولن يلد رؤى بروح جديدة ومختلفة.
أما ضيف المعرض وهو افريقيا، صراحة، ضيف لا وجود له إلا في كتالوغ البرنامج، لا وجود لثيمات ولا مواضيع تتعلق بصرح الثقافة الافريقية، وهذا يطعن في جدية القائمين على البرمجة، أما بخصوص الندوات وأماسي الشعر واللقاءات والحوارات، فتبرز أزمة في التصور والتدبير، الارتجال كان سيد البرنامج، والعبثية البادية للعيان، الأسماء الأجنبية تفوق في حضورها الأسماء الافريقية وحتى المغربية (معرض سياحة ثقافية).
ما نود قوله كفى من هذا العبث، كفى من استغباء المغاربة، كفى من تكريس أسماء ذابلة إبداعيا ونقديا ووو… نعم، لوجوه جديدة تمتلك إرادة، لجعل الثقافة طريق التقدم والحداثة والعقلانية.
وفي الختام تقبلوا، السيد الوزير، فائق التقدير والإخلاص، ودمتم في خدمة المغرب والثقافة المغربية.
والسلام
الشاعر صالح لبريني