تواصل الحكومة الإسرائيلية اشعال الحرائق في الضفة الغربية والقدس الشرقية بل وضد سكانها الفلسطينيين، وبدا التغول واضحا في أثناء جنازة الصحافية شيرين أبو عاقلة في 13 أيار/مايو التي حاولت فيها الشرطة منع حاملي نعشها من السير بشوارع القدس إلى الكنيسة قبل نقلها إلى المقبرة، وكان هدف إسرائيل والشرطة الإسرائيلية منع المشيعين رفع العلم الوطني الفلسطيني أو الهتاف بأي شيء يذكر العالم بفلسطين، في مواصلة لعملية المحو والإحلال الذي بدا من مسيرة الأعلام التي تقوم بها جماعات المتطرفين والمستوطنين كل عام إحياء لذكرى «ضم» القدس بعد حرب عام 1967 وتأكيدا على سيادة إسرائيل في كل المدينة المقدسة، رغم محاولة ذر الرماد في العيون ومنع بعض الجماعات التي شاركت في التظاهرة التي تتسم عادة بالتحريض على الفلسطينيين في القدس الشرقية ومهاجمة محلاتهم وممتلكاتهم.
وتم تداول صور وأفلام فيديو على منصات التواصل الاجتماعي كشفت عن ضرب مستوطنين لمسنين فلسطينيين والتهجم عليهم. ولاحظت صحيفة «هآرتس» (2/6/2022) في تقرير لها أن لقطات فيديو عدة وثقت الهجمات التي قام بها المتطرفون ضد الفلسطينيين قائلة إن اللقطات أظهرت هتافات معادية للفلسطينيين ورمي الحجارة ضدهم ورشهم بغاز الفلفل وتخريب الممتلكات، مثل المحلات والسيارات والتحريض وأفعال أخرى، وبدا واضحا أن كل هذه الأفعال التخريبية جرت تحت عين ونظر الشرطة وبوجوه مكشوفة. وقالت إن الشرطة قامت بحملة اعتقالات لكن معظم المعتقلين كانوا من الفلسطينيين، ومن اعتقلوا من المتطرفين لم تعتقلهم الشرطة لأنهم ضربوا الفلسطينيين بل ولاعتدائهم على مراسل وكالة «كان» الإسرائيلية.
وفي شهادات من عائلات فلسطينيين اعتقل ابناؤها قالوا إن المشاركين في ذلك اليوم كان لديهم ضوء أخضر من الشرطة وتصرفوا بناء على ذلك. وفي أحد الأفلام ظهر شاب وهو يرش غاز الفلفل على طاقم طبي كان يحمل مصابا فلسطينياً على الحمالة في باب العامود. واندلعت في البلدة القديمة مواجهات عنيفة بين المشاركين في المسيرة، والفلسطينيين. وفي إحدى الحالات التي وثقت من قبل مصور «هآرتس» ظهر شاب يهودي وهو يرفع ساقه نحو امرأة فلسطينية مسنة هي عايدة الصيداوي، التي اقتربت من مجموعة المشاركين في المسيرة وهي تقول «الله أكبر» وقام فتى آخر برش المرأة بغاز الفلفل وقد احتاجت إلى تلقي العلاج. وهتف المتطرفون اليهود بأغنيات تحريضية مثل «تذكرني من فضلك» وهي أغنية انتقام توراتية جرى تكييفها للإنتقام في فلسطين. وسمعت أغنيات أخرى مثل «لتحترق قريتكم» و«شعفاط تحترق» التي تشير لحرق الفتى محمد أبو خضير و«الموت للعرب» كل هذا تم أمام الشرطة التي لم تعتقل أحدا ولم تمنع أغاني التحريض كما كانت في الماضي.
فتش عن نتنياهو
ورأت الصحيفة في تقرير سابق أن الوجه العنصري الفاضح وتحيز الشرطة نابع من عوامل عدة منها أن عناصر متطرفة تابعة لرئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو الذي فشل حزبه في تحقيق الغالبية عبر سلسلة من الانتخابات، كانت موجودة في المسيرة، أما الثاني فهو محاولة تخويف الفلسطينيين بتنظيم مسيرة للوصول إلى الحي الإسلامي والذي فشلت مسيرات الأعوام الماضية باختراقه. ووسط هذا التحريض تواصل الشرطة السماح للمتطرفين وزعمائهم مثل إيتمار بن غفير الذي ربما كان طامحا في الوصول إلى رئاسة الوزراء من خلال بوابة القدس اقتحام الأقصى. تماما كما فعل أرييل شارون عام 2000 عندما فجر دخوله الأقصى الانتفاضة الثانية.
وفي المجال السياسي والاجتماعي الذي بات ميالا لليمين فالقدس ستظل نقطة ساخنة وتستمر فيها محاولات التحريض والضغط على الفلسطينيين الذين يحاولون البقاء والبحث عن طرق للمقاومة والحفاظ على الأقصى. ويبدو أن سماح رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت بمسيرة الأعلام، رغم اعتماد ائتلافه على دعم حزب عربي، نابع من أنه لا يريد ازعاج قاعدته المتطرفة وسط التحضيرات لزيارة الرئيس الأمريكي بايدن، الذي قال إن الرحلة لم تكتمل التحضيرات لها، رغم تأكيده زيارة السعودية. وأظهر استطلاع إسرائيلي أنه لو جرت انتخابات فسيعود بنيامين نتنياهو بنسبة 59 مقعدا وأن شعبيته تصل إلى 46 في المئة مقابل 21 في المئة لبينيت. ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز»(20/5/2022) عن أنشيل بيفر ومؤلف كتاب «بيبي» إن رئيس الوزراء السابق مرشح للعودة في أي وقت، فإسرائيل لم تتغير، وهي لا تزال منقسمة بين أنصاره وأعدائه. ومشكلة نتنياهو أنه لو عاد فإنه لن يظل طويلا، فالحرائق التي أشعلها وتحالفاته مع اليمين المتطرف وترضيته للمستوطنين طمعا في أصواتهم هي نتاج سياسات حكمه الطويل.
موت صحافية
لكن ما يهم في المشهد الإسرائيلي اليوم أنه بات يشعر بالثقة بدرجة يمكنه التصرف بالطريقة التي يريدها، كما بدا من محاولات الحكومة الحالية قلب الرواية في مسألة قتل أبو عاقلة. وفي افتتاحية تبدو متأخرة من صحيفة «نيويورك تايمز»(3/6/2022) تساءلت فيها «من قتل شيرين أبو عاقلة؟». وأشارت فيها إلى أن أبو عاقلة عندما ذهبت لتغطية مداهمة إسرائيلية في مخيم جنين اتخذت كل الاحتياطات اللازمة «سترة بكلمة صحافة مكتوبة بأحرف كبيرة وخوذة وتحركت بطريقة كان حضورها مع زملائها واضحا» لكن هذا لم يمنع الصحافية الفلسطينية-الأمريكية من التعرض لإطلاق الرصاص. وقالت الصحيفة «بعد أكثر من ثلاثة أسابيع على مقتل أبو عاقلة، ورغم موجة الغضب الدولي والدعوات ومن بينها وزارة الخارجية ومنظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية والباحثين ومنظمات المجتمع الدولي لتحقيق معمق ومستقل في مقتلها فلم يعلن عن تحقيق رسمي محايد. ولا يزال العالم لا يعرف المسؤول عن مقتلها. وعائلة أبو عاقلة وكل من يهتمون بحرية الصحافة كونها عماد الديمقراطية يستحقون أكثر».
وقالت الصحيفة إن الرد الأولي على مقتلها كان مثيرا للقلق، فبعد يومين أظهر تحقيق أولي فلسطيني أن أبو عاقلة، 51 استهدفت من الجيش الإسرائيلي، فيما حاول هذا الإلماح أنها ربما قتلت برصاص المسلحين الفلسطينيين. بل وقال متحدث باسم الجيش أن الصحافيين هم هدف مشروع لأنهم في وسط مسلحين فلسطينيين وهم «مسلحون بكاميرات لو سمحت لي القول». وتعلق الصحيفة أن هذه التصريحات تشكك على ما يبدو بوجود الصحافيين بالضفة الغربية وترفض الدور المهم والشجاع للصحافيين المستقلين مثل أبو عاقلة وغيرها وكانوا شهودا على العنف الذي تصاعد في الفترة الأخيرة.
وقالت «نيويورك تايمز» إن على إسرائيل الاهتمام كثيرا بما حدث لأبو عاقلة، لأن الديمقراطيات تحتاج لصحافة حرة مفيدة للحكم. وتحتاج إسرائيل التأكد من سلامة الصحافيين في داخلها والمناطق التي تحتلها، لأنها بهذا تتأكد من سلامة ديمقراطيتها. وذكرت الصحيفة بما جرى أثناء جنازة أبو عاقلة واستخدام الشرطة للهراوات والقنابل الصوتية ضد حملة النعش. ويبدو أن إسرائيل، على حد تعبير الصحيفة كانت تريد منع تحول الجنازة لمسيرة وطنية واتهمت «رعاعا» قالت إنهم سرقوا نعشها ونقله مشيا على الأقدام رغم تحذيراتها بعدم فعل هذا.
وفي 26 أيار/مايو أعلنت السلطة الوطنية عن نتائج تحقيقها النهائي وهو أن الصحافية قتلت برصاصة 5.5 ميلميتر أطلقها جندي إسرائيلي كان متمترسا وسط الشارع وضربها عندما كانت تحاول البحث عن حماية من الرصاص الإسرائيلي. وردت إسرائيل أن التحقيق الفلسطيني هو «كذب بواح».
تحقيق ثلاثي
وفي وزارة الخارجية دعا المتحدث نيد برايس لتحقيق شامل وشفاف ومعمق وأن ينتهي بمحاسبة المسؤولين عن قتلها. وفي الكونغرس بعث 57 نائبا رسالة لوزير الخارجية ومدير أف بي آي يطالبانهم بالتحقيق «للتأكد من الإلتزام بقيمنا التي قامت عليها امتنا، بما في ذلك حقوق الإنسان والمساواة وحرية التعبير» و«علينا واجب حماية الأمريكيين الذين يعملون في الخارج». وبدأت سي أن أن ومنظمات أخرى تحقيقاتها في الجريمة وتوصلت إلى نتائجها وهي أن أبو عاقلة قتلت برصاص إسرائيلي. وردت إسرائيل بغضب، حيث وصف إسحق هيرتزوغ، الرئيس الإسرائيلي النتائج أثناء مشاركته بمنتدى دافوس بقوله إنها «حقائق مزيفة». كل هذا يستدعي تحقيقا مستقلا يشارك فيه الأمريكيون والإسرائيليون والفلسطينيون. وترى الصحيفة أن التحقيق المستقل هو طموح كبير، فالفلسطينيون رفضوا التعاون مع إسرائيل المتهمة بتبييض الجريمة. أما إسرائيل فلا تثق بالتحقيقات الدولية ولا ترغب بالتحقيق في تصرفات قواتها، خاصة من حكومة يمين. وسواء كان من الصعب الإجابة على الأسئلة حول مقتل أبو عاقلة إلا أن هذا ليس مبررا للتجاهل. فالصحافيون يعرفون مخاطر العمل في مناطق النزاع وأن الجيوش لا تحب الكشف عن أعمالها العنيفة. إلا أن عمل الصحافيين مهم في المحاسبة العامة لأي عمل ترتكبه جيوش بلدان. ولا يمكن للصحافيين مواصلة مهامهم لو تم استهدافهم وبحصانة من العقاب. وحتى لو يتم استهدافها، فيجب على إسرائيل التحقيق فيما حدث وكيف حدث وما يجب عمله لتجنب حادث كهذا. ومعرفة ما جرى في مخيم جنين مهم، فهذه الحقائق تعزز الرسالة للحكومات والجيوش بشأن حماية غير المقاتلين في محاور الحرب- صحافيين وعمال إسعاف ومدنيين. وترى الصحيفة أن شهرة أبو عاقلة وجوازها الأمريكي أسهما في تركيز الضوء على مقتلها، لكن هناك الكثيرين ممن خسروا حياتهم بدون اهتمام واسع. وبحسب لجنة حماية الصحافيين فقد قتل 511 صحافيا في الفترة ما بين 1992- 2022. وربما فعلت السلطة الوطنية وإسرائيل والولايات المتحدة جيدا لو اتفقت على تحقيق يحدد من قتل أبو عاقلة وإن تم استهدافها بسبب عملها الصحافي «فقد كانت نموذجا للصحافية الشجاعة والصحافة الصادقة للكثير من الطامحين بتقليد مثالها بمن فيهم النساء». وتقول «نيويورك تايمز» «أفضل تكريم لحياتها وعملها هو التأكد من عدم تلاشي موتها وسط غيوم من الكراهية والاتهامات بل ويخدم كضمان حماية لكل الصحافيين الذين يحاولون كسر تلك الغيوم».
فقدان البوصلة
تقدم مسيرة الأعلام الإسرائيلي والتضامن الفلسطيني في جنازة أبو عاقلة ومحاولات إسرائيل المستمرة السيطرة على السكان الفلسطينيين في القدس الشرقية والضفة كما يجري حاليا في جنين، صورة عن ضعف حكومة إسرائيل وفقدان الدولة التي قامت على دمار فلسطين التاريخية البوصلة. ولعل محاولات منع العلم الفلسطيني في المؤسسات التي تمولها الحكومة أوضح دليل. وفي تقرير «لبي بي سي»(2/6/2022) أشارت فيه إلى تمرير مشروع قانون في قراءته الأولى بالكنيست يحظر رفع العلم الفلسطيني (61- 16 صوتا). وأشارت إلى إنزال العلم الفلسطيني الذي رفعته منظمة ليبرالية إسرائيلية مهتمة بالتعايش بين الشعبين على بناية عالية بمدينة رمات غان إلى جانب العلم الإسرائيلي. ونزعت القوات الإسرائيلية أعلاما في حوارة قرب نابلس، وهي بلدة خاضعة للسلطة الوطنية، وبحجة منع المواجهات بين الفلسطينيين والمستوطنين. ويبدو أن حكومة بينيت باتت تسير حسب إشارة المستوطنين مثل سابقتها، فهؤلاء يحصلون على ما يريدون، ويقف وراء خطة منع العلم إيلي كوهين من حزب الليكود حيث قال «أي شخص يعتبر نفسه فلسطينيا سيحصل منا على كل المساعدة للانتقال في رحلة باتجاه واحد لغزة». وتظهر معركة الأعلام الحالية صورة عن البارانويا التي بات يعيشها المجتمع الإسرائيلي وحالة الفزع التي تعيشها دولة إسرائيل بعد 70 عاما من إنشائها كما يقول أمين مخول بمقال نشره موقع «ميدل إيست آي» (3/6/2022). وبالنسبة للطلاب العرب في الجامعات الإسرائيلية فرفع العلم ليس جديدا بل ورفع في 29 أيار/مايو 2022 ضد مسيرة المتطرفين بالقدس. وهو تحد لإسرائيل التي ترى أن أي علم فلسطيني في المدينة المقدسة تحد لسيادتها، مع أنها قوة محتلة لها. ولكنها ترى وبناء على اتفاقيات أوسلو وبروتوكول باريس عام 1994 أن رفع العلم تدخل في شؤون القدس الذي يجب على السلطة الامتناع عن عمله. ويخضع رفع العلم الفلسطيني في حرم الجامعة للحرية الأكاديمية، لكن تحريض الإعلام والسياسيين يحوله إلى موضوع عام، فقد حدثت مواجهات أثناء يوم النكبة في 15 أيار/مايو بين الطلاب العرب واليهود بسبب العلم، لكن الساسة حرضوا على العنف كما في تغريدة عضو الكنيست إسرائيل كاتز «حذرت الطلاب الفلسطينيين الذين يحملون الأعلام الفلسطينية في الجامعات يوم أمس: تذكروا 48 وتذكروا حرب استقلالنا ونكبتكم، كفى إرهابا من العرب الإسرائيليين وكفى عنفا ضد اليهود في المدن المعنية. ولم تهدأوا فسنلقنكم درسا لن تنسوه».
تذكروا تطرف الهند
ولو وضعا تصريحات كهذه إلى جانب المتطرفين الهندوس وما يقولوه كهنتهم لرأينا أن الجنون المتطرف واحد. وأشارت صحيفة «الغارديان» (30/5/2022) إلى جانب منه في نظرية الاستبدال العظيم في الهند وحديث الهندوس عن القنبلة السكانية وزعم تكاثر المسلمين، مع أن الجنون يطال الرموز هناك مثل الحجاب وحتى التاريخ، ففي زيارة لنائب من حزب بهارتيا جاناتا الحاكم لاستراليا لم يتورع عن وصف الغزو الإسلامي للهند بأنه «هولوكوست».
ولا تتحول الحرب على الرموز إلى عنف خطير إلا بتشجيع من الساسة والترابط مع الإعلام والجماعات المتطرفة، فماذا يقول تصريح بينيت في آذار/مارس لحمل السلاح، وماذا تقول دعوات كهنة الهندوس لحمل السلاح لقتل المسلمين؟ نفس الشيء. ومثل الهند التي تحظى بعلاقات قوية مع دول في الخليج، تقوم إسرائيل بمحاولة تهميش موضوع الفلسطينيين ومحوه من الأجندة الوطنية والتركيز على الأجندة الدولية والتطبيع، فماذا يعني أن يستقبل المغرب قناة إسرائيلية ويحتفل بها في قلعة تاريخية ويتجاوز الفلسطينيين (أنظر تقرير إيكونوميست 4/6/2022)؟ فالمعركة في النهاية ليست عن الأعلام ولكن عن وجود الفلسطينيين على أرضهم. وكما يظهر التاريخ فنزع الرموز لا ينهي الحضور الوطني بل ويزيد من تأكيده. والدليل الأهم مسلمو القرم الذين استهدفهم ستالين بالقتل والتشريد والمحو وباتو اليوم يمثلون هوية أوكرانيا كلها في وجه الغزو الروسي (ذي أتلانتك،17/5/2022) فما بالك بمن يدافعون عن هوية القدس العربية الإسلامية!