القدس إذ تعري ميزان القوة

هشام عبد الله
حجم الخط
1

يقاس حساب موازين القوى عموما بالعدد والعديد، أو امتلاك الأكثر تطورا وحداثة من السلاح والمعدات والتكنولوجيا اللازمة، لكن يبدو أن حسابات القوة الخاصة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لاسيما ذلك الجزء المتعلق بالقدس، يخالف هذا المألوف.
ويمكن تناول يوم «مسيرة الأعلام» الأخيرة في القدس الشرقية، يوم 29 من أيار/مايو الماضي على وجه التحديد، فضلا عن عشرات المواجهات المماثلة بين الطرفين، واستخدامها دليلا قويا على هذه المقاربة.
وقد جندت إسرائيل كل أسباب القوة التي تملكها، لتسمح لقرابة ثلاثين ألفا من المستوطنين والمتطرفين اليهود من إقامة هذه المسيرة، وفي سابقة هي الأولى منذ احتلال الشطر الشرقي من المدينة عام 1967 نجح بضعة آلاف من بين هؤلاء في دخول ساحة المسجد الأقصى وممارسة طقوس تلمودية في المكان المقدس للمسلمين.
بيد ان الإجراءات المشددة وغير المسبوقة التي فرضتها القوات الإسرائيلية في حينه، لم تردع أهل المدينة المقدسة الفلسطينيين، من الاحتجاج ورفع صوتهم عاليا ضد ما اعتبروه «فرض سيادة وسيطرة بالقوة» على مدينتهم ومسجدها.
وفي حين رفع عشرات آلاف الإسرائيليين أعلاما إسرائيلية، وجابوا بها شوارع القدس والبلدة القديمة، نجح الفلسطينيون في إطلاق مسيرة تحمل علما فلسطينيا في سماء المدينة. وقد بثت المشهد معظم المحطات الإعلامية التي كانت تغطي الحدث، إضافة إلى آلاف المواقع على شبكة الإنترنت.
وفي الوقت الذي انشغل فيه المراقبون والمحللون في احتمالات رد المقاومة الإسلامية التي تقودها حركة حماس من غزة، ووسط تحذيرات إقليمية ودولية من مغبة انفجار الوضع، انحصر النزال في المدينة المقدسة بين طرفين: إسرائيل المدججة، وأهل القدس العزل.
وتقول الصحافية، ماجدة البطش وهي من سكان البلدة القديمة في القدس، في حديث لـ «القدس العربي»: «يدرك الناس هنا، بالرغم من كل الصعوبات والمضايقات اليومية التي تمارسها أجهزة إسرائيل ضدهم، انه لا يحك جلدك إلا ظفرك».
وأضافت البطش التي وثقت حياة الفلسطينيين في القدس على مدار عقود «وتدرك إسرائيل في المقابل، أن معضلتها الأساسية في القدس تكمن بالوجود الفلسطيني فيها، وأنها مارست ومنذ احتلالها الشطر الشرقي من المدينة، صنوف وأنواع المضايقات والقيود من أجل اقتلاعهم منها».
عشية النزال الأخير بين الطرفين في مسيرة الأعلام، أغلقت قوات إسرائيل جميع الحواجز العسكرية المنصوبة على مداخل المدينة أمام جميع الفلسطينيين من غير سكان القدس، بما في ذلك عشرات الحافلات التي أقلت آلاف المتضامنين من أقرانهم المقيمين في إسرائيل.
ولم تسمح أيضا لغير سكان البلدة القديمة من دخولها، وكانت قبل ذلك قد أمرت جميع أصحاب المتاجر والدكاكين والمطاعم والمقاهي وغيرها، بإغلاق أبوابها، ونشرت قوات شرطتها وأجهزتها على مداخل البلدة ومخارجها.
وهي كانت، حسب ما أكدت عدة مصادر، قد اعتقلت عشرات الناشطين المقدسيين وقامت أذرعها الأمنية بتهديد الآخرين من مغبة المشاركة في أي احتجاجات قد تعيق تقدم مسيرة الأعلام.
ولم تقف إسرائيل عند حد الإجراءات الميدانية وحسب، ولكنها امتدت أيضا لتشمل حملات إعلامية محلية وإقليمية ودولية «تتهم الفلسطينيين بالتحريض» وفي موازاة حملة ضغط دبلوماسية، شملت العرب والمسلمين، قبل غيرهم من حلفائها في الغرب وفي العالم.
ويقول الأكاديمي والباحث المختص في شؤون القدس، الدكتور مهدي عبد الهادي «ثمة معادلة خاصة تعمل هنا في القدس، تتمثل في وجود 400 ألف فلسطيني، منهم 35 ألفا في البلدة القديمة، وهؤلاء هم نواة مقاومة الاحتلال».
وأضاف عبد الهادي، وهو أيضا عضو المجلس الإسلامي الأعلى في القدس «صحيح أن إسرائيل، تمكنت من إقامة مسيرة الأعلام وقام آلاف منهم بالصلاة في باحة المسجد الأقصى، لكن هذا فرض بالقوة، قوة السلاح، والإجراءات».
وقال: «نعرف مفاصل القوة الإسرائيلية وامكاناتها، ونعرف ان الإدانات والاستنكارات الدولية والعربية والخطابات لا تجدي نفعا وأن إسرائيل لا تلقي بالا لها، ولكن نعي أيضا انها مسألة عض أصابع بيننا وبينهم». ولا تقتصر مسألة عض الأصابع هذه على يوم مثل يوم مسيرة الأعلام الأخيرة، بل انها باتت جزءا لا يتجزأ من حياة المقدسيين اليومية، لا سيما في البلدة القديمة، حيث تتفشى البطالة، ويتمدد الاستيطان اليهودي فيها شيئا فشيئا.
وتكاد المضايقات الإسرائيلية، تطارد نسيج المجتمع المقدسي في البلدة القديمة وخارجها. وتتنوع من فرض ضرائب تعسفية، وقيود على استصدار بطاقات الأحوال المدنية، وبناء المساكن والحصول على وظائف.
وتقول البطش «نستطيع القول إن لا أحد تقريبا من سكان البلدة القديمة الشبان يستطيع الحصول على وظيفة مناسبة، لأن أجهزة الأمن تكون قد جهزت له ملفا أمنيا بتهم مثل إلقاء الحجارة، أو حمل علم فلسطين، أو المشاركة في تظاهرة احتجاجية، وهكذا».
وتشير إلى ان «مكاتب وزارة الداخلية (الإسرائيلية) في القدس الشرقية، حيث يقصدها المواطنون لغايات توثيق وتجديد معلوماتهم المتعلقة بالأحوال المدنية مثل: إثبات السكن، وبطاقات الهوية وتصاريح السفر، قد تحولت مكاتب تحقيق (أمنية) يبتز فيها الإسرائيليون الشبان المقدسيين، أو يعيقون معاملاتهم».
وحسب إفادات وتوثيق سكان من البلدة القديمة فإن «عمليات حفر سراديب وأنفاق يقوم بها المستوطنون أسفل منازل الفلسطينيين تأتي بشكل مستمر، إضافة إلى ما يطلقون عليه عمليات ترميم لمساكنهم على حساب مساكن الفلسطينيين».
ويضاف إلى ذلك «اعتداءات المستوطنين اليومية في البلدة القديمة ضد الفلسطينيين والتي ضاعفتها الصلاحيات التي دأبت الشرطة وأجهزة الأمن الإسرائيلية على منحها لهؤلاء وإطلاق أياديهم فيها».
ولا تلقي الشرطة الإسرائيلية بالا واهتماما لاعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين، بالرغم من إثبات ذلك من خلال توثيق وعرض وتقديم عشرات الحالات.
واستنادا إلى حركة «السلام الآن» الإسرائيلية وهي مؤسسة تعنى بانتهاكات حقوق الإنسان، فان إسرائيل «وعلى مدار العقود الماضية سمحت للفلسطينين ببناء 400 وحدة سكنية، مقابل 57000 وحدة سكنية لليهود إضافة لتوفير البنية التحتية الكاملة لها».
وحسب معلومات «بيت الشرق» التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية في القدس، فإن «إسرائيل صادرت منذ عام 1967 ما مساحته 35 في المئة من أراضي القدس الشرقية المحتلة للمصلحة العامة، وما نسبته 52 في المئة للشوارع والبنى التحتية والمستوطنات، وأنها أبقت للعرب ما مساحته 13 في المئة فقط من الأرض ليعيشوا عليها».
وهي ما زالت تطاردهم في هذه البقعة التي تبقت تحت تصرفهم، ولكن في ظل ظروف معيشية وحياتية تكاد تكون مستحيلة. ولا يتعلق الأمر بوجود حكومة يمينية، بل ان التطرف واليمين يجتاحان مختلف مؤسسات إسرائيل الأمنية والمدنية منها على حد سواء.
وبالرغم من ذلك كله، ما زالت إسرائيل تضيق الخناق، وتضاعف القيود والإجراءات القمعية ضد مواطني المدينة المقدسة الفلسطينيين.
وتقول البطش «يوما بعد يوم، تصبح إسرائيل أكثر شراسة، والخناق يضيق، يريدون اقتلاعنا من القدس، لكن الناس تعرف ان لا بديل غير الصمود ومقاومة الضغوط. انه صراع بقاء. ذاكرة النكبة (1948) والنكسة (1967) ومعاناة اللجوء والشتات، حية في قلوب وعقول الناس، ليس ثمة بديل آخر».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية