إذا غاب الخبز حضر الجوع، فليس أنفع للناس من الخبز في سلة غذائهم اليومية. بل إن أهمية الخبز تتجاوز حدود دلالتها المادية إلى العلاقات الاجتماعية، إذ يعتبر المصريون على سبيل المثال أن «العيش والملح» هما أساس رباط المودة بين الناس، فمن كان بينهم «عيش وملح» وجبت عليهم المودة المتبادلة. هذه المقابلة بين «العيش» أو «الخبز» والمودة الاجتماعية تعني الكثير، وتجعل من الخبز أيقونة اجتماعية ومعنوية، فهو «النعمة» التي يجب الاحتفال بها دائما، وإذا سقطت منه كسرة ضئيلة على الأرض وتلوثت، لا يدوسها أحد، بل يلتقطها الشخص ويقبلها، ويضعها باحترام في مكان ملائم، فربما يلتقطها طير أو حيوان جائع. وقديما كانت منطقة شمال أفريقيا هي سلة غذاء العالم، لكنها الآن أصبحت أكبر إقليم مستورد للقمح في العالم، وأصبح مواطنوها يأكلون من زرع غيرهم، لأن ما يحصدون قليل. والقمح هو أبو الخبز، والخبز هو أساس مائدة الطعام.
حكومات دول المنطقة بشكل عام لم تتبع سياسات «مخلصة» تجاه العيش، بل إنها في بعض الحالات «خانت العيش والملح» وفضلت زراعات أخرى على القمح، مثل الفراولة والموز والكانتلوب! دول أخرى لم تبذل القدر الكافي من الاهتمام بالقمح لوجود قيود طبيعية على زراعته تتمثل في عدم ملاءمة التربة أو شحة المياه. ولكنها جميعا تدرك الآن أن إنتاج القمح محليا والسلع الغذائية عموما يمثل قلب سياسة الأمن الغذائي. وقد تعرضت كل الدول العربية، الغنية المصدرة للنفط، والمتوسطة الحال المصدرة للعمل، والفقيرة الغارقة في النزاعات والحروب، لما يمكن أن نسميه «صدمة القمح» وهي الصدمة التي تجسدت على مائدة طعام كل أسرة في شكل ارتفاع هائل في سعر رغيف الخبز بسبب حرب أوكرانيا، وضعف قدرة التحمل لدى الاقتصاد المحلي.
تحوط ضد «ثورة الخبز»
عندما وقعت الحرب، توقف تدفق إمدادات القمح من أهم مصادر الاستيراد، فلجأت الحكومات إلى مصادر أخرى تجنبا لوقوع «ثورة خبز» بين الجياع، وارتفعت أسعار الخبز إلى الضعف أو أكثر خلال أسابيع قليلة. ومن أجل الحصول على القمح من مصادر بديلة قررت الحكومات المستوردة تخفيض نوعية القمح المستخدم في صناعة الخبز، وتعاقدت على أنواع من القمح تنخفض فيه نسبة البروتين، وترتفع نسبة الإصابة بالفيروسات والحشرات، كما يحتوي على نسبة رطوبة عالية. الأغرب من ذلك كله أن الحكومات المرتبطة ماليا بصندوق الدين الدولي «صندوق النقد» اجتهدت في تنفيذ سياسة الصندوق بتخفيض الدعم، وتكليف جيوب الفقراء بتحمل عبء «صدمة القمح» العالمية! وأصبح سعر رغيف الخبز هو نجم سباق الأسعار في الأشهر الثلاثة الأخيرة، تقوده للارتفاع محركات نقص الإمدادات العالمية بسبب إغلاق البحر الأسود، والعقوبات المفروضة على روسيا، واضطراب حركة الشحن، وارتفاع أسعار الطاقة ومستلزمات الإنتاج وتكاليف النقل، وتوقعات استمرار الاضطراب في السوق في الموسم المقبل، خصوصا مع انضمام دول أخرى إلى إجراءات تقييد صادراتها من القمح مثل الهند.
مصر أكبر دولة مستوردة للقمح في العالم أعدت موازنتها على أساس سعر للقمح يبلغ 330 دولارا للطن في السنة المالية الجديدة، لكنها الآن تستورده بما يتراوح بين 460 إلى 480 دولارا للطن، وهو ما يزيد بنسبة 40 في المئة تقريبا عن متوسط الأسعار في أوائل العام قبل اجتياح القوات الروسية للأراضي الأوكرانية. هذا يفرض عليها مراجعة كل حساباتها، خصوصا وأنها تستورد القمح بتمويل خارجي (تسهيلات موردين أو قروض) بنسبة 100 في المئة تقريبا. وتقدر وكالة «بلومبرغ» أن تكلفة استيراد القمح في السنة المالية التي تنتهي بنهاية الشهر الحالي من المرجح أن تزيد بنسبة 50 في المئة عن تقديرات الميزانية لتصبح 4.4 مليار دولار. وكانت الحكومة قد افترضت أن متوسط أسعار القمح للعام المالي الحالي سيكون في حدود 300 دولار للطن. وعلى الرغم من توقعات انحسار موجة ارتفاع الأسعار وتراجعها عن مستوياتها الحالية، فإن توقعات الإنتاج لا تبدو وردية تماما، على الرغم من زيادة المساحات المنزرعة بالقمح في استراليا وكندا. ذلك أن التغيرات المناخية لا تتيح يقينا كاملا بشأن محصول العام المقبل، إضافة إلى الأثر الممتد لتداعيات الحرب الأوكرانية الذي قد يستمر لمدة عام أو عامين، حتى بافتراض توقف الحرب غدا.
التكنولوجيا وفك قيود الندرة
على الرغم من أن القيود الطبيعية على الأمن الغذائي مثل شحة المياه، وضيق مساحات الأراضي القابلة للزراعة، هي قيود معروفة للجميع وليست طارئة أو مؤقتة، فإن الجهود التي بذلتها الدول العربية بشكل عام لتقليل الأضرار الناتجة عنها كانت أقل مما يجب ولا تزال. ومن المعروف أن معدلات النمو السكاني في الدول العربية بشكل عام تفوق المتوسط العالمي، ففي مصر على سبيل المثال يزيد عدد السكان بمعدل 2 في المئة سنويا، وهو ما يعني أن الطلب على الغذاء والماء يزيد سنويا بهذه النسبة للمحافظة على المستوى القائم للاستهلاك. لكن ما يحدث بالفعل هو أن عرض الموارد يبقى على حاله أو يزيد بمعدلات ضئيلة تقل كثيرا عن الزيادة في الطلب. وربما تكون الزيادة في الموارد (مثل استصلاح الأراضي وزيادة عدد محطات تحلية المياه، أو اعادة استخدام مياه الصرف في الزراعة) ضئيلة جدا لا يترتب عليها أثر محسوس في السوق. بل إن بعض الدول العربية، وبناء على توصيات صندوق الدين الدولي «صندوق النقد» أفرطت في استخدام سياسات «تسعير الموارد» ليس للتنمية ورفع مستوى المعيشة، ولكن لزيادة الإيرادات المالية من الضرائب والرسوم التي تذهب إلى خزانة الدولة لتمويل الإنفاق العام غير الرشيد. واستمرت الدول العربية في الاعتماد على الخارج لتلبية احتياجات الاستهلاك المحلي، بينما بقيت عوامل الندرة تلعب دورها كمحركات لارتفاع الأسعار. ونحن نرى الآن أن المزارعين والمنتجين والمستهلكين يدفعون ثمنا أعلى للمياه والأرض والطاقة، وهو ما يسهم في رفع الأسعار. ومع أن معظم الدول الخليجية بدأت تتجه إلى تكثيف الزراعة في البيوت المحمية لغرض تجنب الظروف الجوية القاسية، وتمكين التكنولوجيا المتقدمة في عمليات الإنتاج الزراعي، فإن التقدم على هذا الطريق ما يزال يحتاج إلى الكثير من العمل. على سبيل المثال تسهم الزراعة في البيوت المحمية «الصوب» في السعودية بنسبة 30 في المئة من الإنتاج، في حين أن الحقول المفتوحة التقليدية تسهم بنسبة 70 في المئة.
ومن المعروف علميا انه يمكن التغلب على «قيود الندرة» باستخدام التكنولوجيا وتوظيف أدوات البحث العلمي في استنباط أنواع جديدة من النباتات المقاومة للجفاف، والقادرة على الحياة والنمو تحت ظروف الري بالمياه مرتفعة الملوحة، وكذلك استنباط أنواع من المحاصيل ذات الإنتاجية العالية جدا، وكذلك التحكم في الظروف المناخية باستخدام تقنيات الزراعات المغطاة، وحماية النباتات من الأمراض والأوبئة للحصول على إنتاجية أعلى باستخدام تقنيات متقدمة في مكافحة أمراض النباتات. ومن الملاحظ في العالم العربي عموما أن استخدام التكنولوجيا في الزراعة محدود جدا، وأن الحكومات تعتمد على السياسات السعرية لتحريك السوق، فترتفع الأسعار النقدية للمحاصيل بدون حدوث ارتفاع مقابل في الإنتاجية أو النوعية. ومن الظواهر الملفتة للنظر أن معظم البذور المنتقاة والشتلات الأصلية يتم استيرادها من الخارج.
تنويع مصادر الإمدادات
تسهم روسيا وأوكرانيا بنحو 29 في المئة من امدادات القمح العالمية. لكن هذه النسبة تزيد بمقدار الضعف وتتجاوز 50 في المئة لكل من مصر والجزائر. كما تستورد الإمارات نصف وارداتها من القمح من روسيا، بينما السعودية أكبر مستورد للشعير في العالم تحصل من الدولتين على النسبة الأعظم من احتياجاتها. ولذلك فإنه من الطبيعي أن يؤدي توقف الإمدادات من هذين المصدرين إلى حدوث «صدمة قمح» أو «صدمة حبوب غذائية» يمكن أن تسفر عن نتائج غير محمودة في الدول المستوردة. وتحاول الدول العربية المستوردة للقمح حاليا تنويع مصادر الإمدادات في الأجل القصير.
تداعيات صدمة القمح عربيا
تقدر وزارة الزراعة الأمريكية أن «فجوة القمح» في مصر للسنة المالية الجديدة 2022-2023 تبلغ حوالي 11 مليون طن، يتوجب استيرادها، وهو أدنى مستوى لكمية القمح المستورد منذ 9 مواسم، بدعم من زيادة المساحة المزروعة، وارتفاع إنتاجية القمح المحلي، وتصميم الحكومة على شراء كمية أكبر من القمح المحلي من المزارعين. كما اتخذت مصر إجراءات صارمة لوقف صادرات المحاصيل الزراعية ومنتجاتها، بغرض ضمان اتاحتها للسوق المحلي أولا، بما في ذلك منتجات يدخل دقيق القمح في إنتاجها مثل المكرونة.
وفي الدول العربية المعتمدة أساسا على الزراعة المطرية، تتوقع الجزائر أن يبلغ إنتاج القمح 3.2 مليون طن هذا الموسم، مقابل 2 مليون طن في العام الماضي، بنسبة زيادة تبلغ 60 في المئة. وتقدر أن كمية القمح الاحتياطي المخزون حاليا تكفي لتغطية احتياجات الاستهلاك المحلي لمدة 10 أشهر، وهي تسعى إلى زيادة الاحتياطي بالاستيراد من الخارج. وكانت الجزائر قد استوردت في العام الماضي حوالي 9.2 مليون طن من القمح.
وفي المغرب تسببت قلة الأمطار في تراجع إنتاج المحاصيل الزراعية عموما. وتقدر الجهات الرسمية أن معدل سقوط الأمطار خلال الموسم الزراعي كان أقل بنسبة 42 في المئة عن متوسطه خلال العقود الثلاثة الأخيرة. وبسبب ذلك فإن الحكومة خفضت توقعاتها لمحصول العام الحالي إلى 32 مليون قنطار مقارنة بتوقعات سابقة بلغت 80 مليونا. وقد كانت زراعات الحبوب هي الأكثر تضررا من قلة الأمطار، إذ سجلت محاصيل الخضروات والفواكه زيادة ملموسة في الإنتاج. لكن حصيلة التقديرات الكلية للموسم الزراعي الحالي تشير إلى ترجيح انخفاض الإنتاج الزراعي بنسبة 14 في المئة، وهو ما سيترك أثرا سلبيا عميقا على معدل النمو الاقتصادي.
خطط طوارئ في الدول النفطية
تستورد دول مجلس التعاون الخليجي حوالي 90 في المئة من احتياجاتها الغذائية، بما في ذلك 100 في المئة مما تحتاجه من الأرز، و93 في المئة من الحبوب، و62 في المئة من اللحوم، و56 في المئة من الخضروات. وقد أدى الاضطراب في سلاسل الإمدادات الغذائية إلى زيادة الشعور بخطورة أزمة الأمن الغذائي في العالم العربي عموما، وفي الدول النفطية الغنية على وجه الخصوص، وهو ما أدى إلى تعزيز فكرة الحاجة إلى بناء مقومات اكتفاء ذاتي قوية ومستدامة في القطاع الزراعي. هذه الفكرة تحولت إلى سياسة وبرامج إجرائية، مثلما هو الحال في خطة دولة قطر الطموحة في مجال تنمية المشروعات الزراعية (2019- 2023) الهادفة إلى زيادة نسبة الاكتفاء الذاتي من اللحوم الحمراء إلى 30 في المئة، وفي بيض المائدة إلى 70 في المئة، وفي الأسماك إلى 90 في المئة، وفي منتجات الألبان الطازجة إلى 100 في المئة. وكانت هذه الخطة هي واحدة من النتائج غير المباشرة للحصار الاقتصادي الذي تعرضت له قطر قبل جائحة كوفيد-19.
وتشهد دول مجلس التعاون بشكل عام في الوقت الحاضر تحركات سريعة من أجل زيادة نسبة الاكتفاء الذاتي، من خلال تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة، والتاسع في استخدام تكنولوجيا معالجة المياه أو «تدوير المياه» وإقامة العديد من محطات التحلية الجديدة، خصوصا في الكويت والسعودية، والتاسع في استخدام التكنولوجيا لزيادة الإنتاج وتقليل الفاقد في الإنتاج خلال عمليات الحصاد والتسويق. كما تعمل دول المجلس على تعزيز التعاون التجاري والتنسيق الإقليمي فيما يتعلق بتجارة السلع الغذائية.