القاهرة ـ «القدس العربي»: على مدار السنوات الماضية، وجهت منظمات حقوقية أصابع الاتهام لضباط بممارسة التعذيب في السجون وخارجها، وكريم الأنور، ضابط مباحث سجن برج العرب، كان آخر الأسماء التي انضمت للقائمة، بعد خروج شهادات من السجن عن وقائع تعذيب، أفضت إحداها إلى مقتل أحد المعتقلين.
«الشبكة المصرية لحقوق الإنسان» (منظمة حقوقية مستقلة) قالت، في بيان «المتابع الجيد للانتهاكات التي تجري للسجناء الجنائيين والسياسيين على حد سواء في سجن برج العرب يصدم، نظرا لحجم وفداحة تلك الانتهاكات، التي يشرف عليها ضباط السجن دون أي محاسبة».
وأضافت: «جريمة التعذيب البشعة التي أفضت إلى مقتل السجين محمد صبحي، والتي وثقتها الشبكة المصرية خلال الايام الماضية، تؤكد الانتهاكات المتواترة ومشاهد الرعب التي يرويها أهالي المساجين في سجن برج العرب».
«سلخ جلده بالماء الساخن»
وزادت: «الجرائم التي أدت إلى حالة من الغضب العارم لدى أهالي السجناء بالسجن، وتسببت في مخاوف شديدة على سلامة وحياة ذويهم داخل السجن، جاءت بأوامر مباشرة من الضابط سيىء السمعة، كريم الأنور، معاون مباحث السجن، والذي يحظى بسجل حافل من الانتهاكات، التي امتدت لسنوات دون ردع أو عقاب».
وتابعت: «من أبرز الجرائم التي كان ضالعا فيها (الأنور) تعذيب السجين محسن أحمد سليمان محمد من أبناء بورسعيد، وسلخ جلده بالماء الساخن، وإحداث حروق في مختلف جسده، إضافة إلى عدد آخر من السجناء».
وتساءلت « إلى متى سيظل أمثال هؤلاء الضباط في التسلط على رقاب المواطنين؟ ومن المسؤول عن إطلاق أيديهم بهذا الشكل وتوفير الحماية لهم؟». كما أكدت على «أهمية تضافر الجهود لمحاسبة هؤلاء في إطار مواد الدستور والقانون، وحماية المواطنين من الانتهاكات المتواصلة على أيديهم».
ومن سجن لآخر تتوارد أخبار التعذيب وتحمل معها أسماء ضباط يواجهون اتهامات، بعضها حملها بلاغات من أسر سجناء.
وسبق لأسرة الناشط السياسي، والمدون علاء عبد الفتاح، أحد أشهر رموز ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011، أن تقدمت ببلاغ للنائب العام المصري، المستشار حمادة الصاوي، حمل رقم (عريضة إلكترونية 61830 بالمكتب الفني) بتاريخ 25 مارس/آذار 2021، تتهم وليد وائل أحمد الدهشان، ضابط الأمن الوطني في سجن شديد الحراسة 2 بطرة والمعروف باسم أحمد فكري، بالاعتداء عليه وتعذيبه وتهديده ليلة وصوله السجن في 29 سبتمبر/أيلول 2019.
ويواصل عبد الفتاح إضرابه عن الطعام لليوم الـ62، لحين تحقيق طلباته الخاصة بالزيارة القنصلية وأيضا السماح له بالزيارات دون حواجز زجاجية.
وكانت قوات الأمن قد اعتقلته في سبتمبر/ أيلول 2019 بالتزامن مع أحداث 20 سبتمبر/ أيلول، وجرى حبسه احتياطيا على ذمة القضية رقم 1365 لسنة 2019 حصر أمن دولة عليا.
وقبل ذلك، وتحديداً في ديسمبر/ كانون الأول 2013، اعتُقل عبد الفتاح وأحيل للتحقيق في القضية التي عرفت إعلاميا باسم «أحداث مجلس الشورى» والتي قضى على أثرها حكما بالسجن 5 سنوات، لكن هذه القضبة لم تكن الأخيرة في حياة الناشط البارز.
إلى ذلك، يواجه 4 ضباط مصريين اتهامات بتعذيب وقتل الباحث الإيطالي، جوليو ريجيني.
والضباط الأربعة وهم اللواء طارق صابر، والعقيدان آسر إبراهيم وحسام حلمي، والرائد إبراهيم شريف، متهمون بالخطف والتآمر للقتل وإلحاق الأذى الجسدي الجسيم في قضية ريجيني التي أثارت غضباً في إيطاليا، وأدت إلى توتر العلاقات الدبلوماسية بين روما والقاهرة.
واختفى ريجيني، الذي كان طالب دراسات عليا بجامعة كمبريدج البريطانية، في العاصمة المصرية في يناير/ كانون الثاني 2016. وعُثر على جثته بعد أسبوع تقريبا ليُظهر تشريحها تعرضه لضرب مبرح قبل وفاته.
منظمة حقوقية تساءلت عن المسؤول عن إطلاق أيديهم وتوفير الحماية لهم
وحقق مدعون إيطاليون ومصريون في القضية معا، لكن الجانبين اختلفا ووصلا إلى نتائج غاية في التباين. ويقول المدعون الإيطاليون إن الرائد شريف مجدي من المخابرات العامة المصرية واللواء طارق صابر الرئيس السابق لجهاز الأمن الوطني وعقيد الشرطة هشام حلمي والعقيد آسر كمال رئيس مباحث مرافق القاهرة السابق مسؤولون عن خطف ريجيني. ونفت الشرطة والمسؤولون في مصر مرارا ضلوعهم بأي شكل من الأشكال في اختفاء ريجيني ومقتله.
وكانت محاكمة غيابية للضباط المصريين الأربعة في روما، قد عُلقت إلى أجل غير مسمى عقب انعقادها مباشرة في 14 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، لأن المدعين العموميين لم يتمكنوا من إثبات أنهم أخطروا المتهمين بالإجراءات القضائية ضدهم.
يقول محامو الدفاع الذين عينتهم المحكمة إن المحاكمة ما كانت لتنعقد لأنه ليس من المؤكد أن أيا من المشتبه بهم على علم بإجراءاتها. غير أن قاضيا رفض اعتراضهم في جلسة أولية في مايو/ أيار، قائلا إن إنباء التحقيق ستصل إليهم على أي حال.
وكان ريجيني يجري بحثا عن النقابات العمالية المستقلة في مصر لرسالة الدكتوراة الخاصة به. ويبين مقربون أنه كان مهتما أيضا ببحث هيمنة الدولة والجيش على الاقتصاد المصري. والموضوعان لهما حساسية خاصة في مصر.
وأكد الادعاء أن لديه أدلة على أن شريف كلف مخبرين بمراقبة ريجيني وإلقاء القبض عليه في نهاية الأمر. وتقول عريضة الاتهام، إن شريف ومسؤولين مصريين آخرين، لم تكشف عنهم، عذبوا الطالب الإيطالي لعدة أيام ما تسبب له في «أذى بدني جسيم».
وقالت السلطات المصرية، في بادئ الأمر، إن ريجيني لقي حتفه في حادث طريق، قبل أن توضح لاحقا أن تشكيلا عصابيا خطفه، وأن الشرطة ألقت القبض على أفراده لاحقا وقتلتهم. ولم يتضح بعد إلام ستستمر المحاكمة. وستطلب الحكومة الإيطالية تسلم أي شخص مدان في القضية.
محاكمة الضحايا
وفي واقعة تعذيب أخرى، عقدت محكمة مصرية في 28 مايو / أيار الماضي أولى جلسات محاكمة 23 متهمًا، بينهم طفل، على ذمة القضية 8846 لسنة 2022 جنايات أول السلام، على خلفية اتهامهم «بنشر وإذاعة مقاطع مصورة» يظهر فيها تعذيب محتجزين في قسم شرطة السلام أول (شرق القاهرة) في مطلع العام الجاري. وفقًا لأمر إحالة المتهمين الثلاثة والعشرين إلى المحاكمة فقد اتهمت النيابة 19 متهمًا كانوا محتجزين بقسم شرطة السلام أول، وبينهم طفل، بـ«تكدير الأمن العام وإلقاء الرعب بين الناس وإلحاق الضرر بالمصلحة العامة».
وأرجع أمر الإحالة الاتهامات إلى قيامهم بحيازة وإحراز هاتفين محمولين، تم استخدامهما في تصوير وإذاعة وقائع التعذيب» التي أشارت لها النيابة «بالخبر الكاذب». أما باقي المتهمين الأربعة، وبينهم سيدة، فهم من أصدقاء ومعارف المحتجزين، وقد وُجهت إليهم اتهامات نشر الأخبار الكاذبة، وإمداد أشخاص خارج البلاد بهذه المقاطع المرئية.
تعود وقائع القضية إلى يوم 24 يناير/ كانون الثاني الماضي، حيث نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية تقريرًا عن حصولها على مقطعين مصورين لعدد من المحتجزين في قسم شرطة السلام أول، يظهر في المقطع الأول فردان معلقان من ذراعيهما من الخلف.
أما المقطع الثاني فيظهر فيه عدد من المحتجزين وقد تعرضوا لإصابات وكدمات، على يد عدد من الضباط الذين ذكروا أسماءهم في الفيديو نفسه.
ولم تنشر وزارة الداخلية ردًا على منصاتها الرسمية، إلا أنه في اليوم نفسه، نُشرت تصريحات صحافية للأجهزة الأمنية تنفي خلالها صحة المقاطع المصورة، وتصفها بأنها «فيديوهات مفبركة».
وفي 15 فبراير/ شباط الماضي، نشرت النيابة العامة المصرية بيانًا تعلن فيه أن تحقيقاتها أسفرت عن «كذب ادعاء تعذيب محتجزين في قسم شرطة السلام، وذلك عقب استجوابها لمحتجز واحد بقسم الشرطة اعترف باشتراكه بتهريب هاتف محمول إلى مقر الاحتجاز».
وأضافت أن «المحتجزين استولوا على ذلك الهاتف واتفقوا على إحداث إصابات ببعضهم وادعوا على خلاف الحقيقة تعرضهم لتعذيب بدني من ضباط الشرطة بالقسم وأذاعه أحدهم».