هل يُسكِت اليمن طبول الحرب من حوله؟

إنه سؤال حيوي ربما الأسابيع أو الشهور المقبلة ستجيب عنه. بعد أن رأى أهلُ اليمن، الشامَ والعراقَ يغرقان بالدماء، ورأوا كيف أن المدن الجميلة والقرى قد أصبحت أطلالاً موجعة، وبعد أن تدمرت قدرات تلك الدولتين المركزيتين واندثر جزء مهم من معالمهما الحضارية الضاربة في القدم، وبعد المذابح والمجازر والتهجير والمآسي التي سيظل التاريخ يُحدّث الاجيال عنها وتُكتب عنها مجلدات وروايات لا تُحصى، وسيخلدها الأبناء والأحفاد في مراثيهم أكثر مما فعل أسلافهم في رثاء الأندلس.. بعد كل ذلك لا يجد المرء بدَّاً من أن يفترض بأن اليمنيين يعلمون هذا المفترق الحاد والخطير على حياة بلد هو من أقدم الحضارات الإنسانية وأكثرها أصالة، ويعلمون كيف يتجنبون التوغل في إضرام النيران التي إن استعرت ستكون جحيما يلتهم الجذور والذرى ولن يتوقف عند سياجات الحدود.
في اليمن أزمات كبيرة يعلمها كثيرون، ولم تكن المبادرة الخليجية أو أي اتفاقات أو تخريجات قد اتسعت لها بما يكفي، ولم يعطها العالم أكثر من «بن عمر» واحد ظل يراوح بين بنود المبادرة والاتفاق تاركاً خلفه واقعاً يختلف تماماً عن كل ذلك الذي خاطبه في «منتجع الموفنبيك» في صنعاء.
لقد تحدث كثيرون منذ بدايات الحوار أن هذه المبادرة تركت أبواباً كثيرة مفتوحة في الشمال والجنوب، وأن آلية الحوار لم تكن مقنعة في شكلها ومحتواها، وقد حذر كثيرون من أن المبادرة ليست سوى مخدِّر يذهب مفعوله بعد الإفاقة الأولى، وأن «مشروع الأقلمة» في بلد لا توجد فيه دولة مدنية حقيقية هو ضرب من الوهم والمغامرة، ربما لا يخدم مصلحة الداخل البتة لاسباب معروفة… إلا أن التيارات السياسية الرئيسة «حينها» تعاملت معها وكأنها بنود مقدسة صالحة لكل زمان ومكان.
لم يدرك أحد بأن اليمن الذي يحمل على كاهله أعباء تاريخية لا يمكن له، دون جهد ونوايا صادقة، أن يعبر آمناً إلى أوضاع دستورية مستقرة، بينما محيطه الإقليمي يعيش صراع نفوذ محتدما والمنطقة تعيش حروبا بالوكالة وصلت الى ذروتها في السنوات الأخيرة.
الرهان الآن ليس على بناء قوة موازية، مدعومة من الخارج، تقاتل الحوثيين والجيش الموالي لهم، ليأخذ المشهد منحى لا يبعد كثيرا عما حصل ويحصل في سوريا والعراق، بل الرهان الآن يُبنى على أساس أن اليمن وما حوله من دول الإقليم قد استوعبت جميعاً درس العراق وسوريا بشكل كامل، وأن المنطقة لم تعد تحتمل أن يتفجر اليمن ليوسع دائرة المصائب حتى تقترب تدريجياً من نقطة مصيرية تهدد أمن الجميع، من دون استثناء، وتهدد حاضر أُمة بأسرها.
الأمر هنا يعتمد بدرجة رئيسة على «حكمة» اليمنيين إن بقي لديهم ما يكفي لإنقاذ البشر والحياة، خاصة أن لديهم مرجعيات داخليه كثيرة وخبرات لا حدود لها في التعامل مع المِحن والجوع والتهميش، أهّلتهم في محطات مختلفة لأن يتجاوزوا كثيرا منها، وهناك فترات عصيبة مرت، خلال الفترة الماضية، ظن العالم حيالها أن الحالة اليمنيـــة قد وصــــلت إلى نقطة اليأس، وأن نُذر الحرب المُهلكة قد حضرت، لكنها عادت إلى مربعها الذي يحــــفظ لها البـــقاء الضـــروري على الأقــــل.
لا أحد يظن أن قوة واحدة بإمكانها أن تصنع قَدر ذلك البلد، كما أنه لا توجد دولة إقليمية، سواء إيران أو المملكة السعودية تستطيع أن تجعل اليمن تحت السيطرة أو مجرد تابع، فاليمن مختلف ومتنوع في شماله وجنوبه. اليمن بحاجة الآن إلى جهود سياسية داخلية وإقليمية ودولية بشكل متكامل، وليس إلى حصار أو تحشيد أو اصطفافات خارجية، فهناك معضلات كبيرة تم إهمالها أو التعامل معها من منظور المصالح الخارجية، وليس من منطلقات الضرورة لإيجاد استقرار دائم، ويجب مراجعتها.. مثلما يجب مراجعة مواقف دول الإقليم كافة وإعادة قراءة مضامين الجراحات الكبيرة التي كسرت الروح العربية والإسلامية بشكل لا مثيل له في التاريخ. المطلوب الآن تفاهمات داخلية سريعة ومساعدة أممية وإقليمية جادة، على أساس أن يكون اليمن نموذجا مغايرا للمألوف حتى الآن وخارج التجاذبات المدمرة، بل نموذجا جديدا للتعاون بين الجميع لتجنيبه ما حلّ بالعرب في أماكن ليست بعيدة.
والأهم هو أن يستوعب أهل اليمن» أن العالم في الأخير سيتركهم في دائرة الجوع والخوف وفي بحر من الدم النازف من جسدهم هُم، اذا لم يدركوا أن الحل يبدأ من الاختيار، إما العملية السياسية السلمية وإيجاد حلول، حتى لو كانت صعبة، عند البعض، وإما السير على طريق الذهاب إلى مصير غامض.
فهل يُسكِت اليمن طبول الحرب من حوله؟

٭ كاتب يمني

أحمد عبد اللاه

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية