أنا والإرهاب

حجم الخط
1

اعتدت منذ أكثر من ثلاثة عقود أن أجري تحليلا للدم مرتين في العام، وفي كل مرة أشعر بالقلق عندما أرى ارتفاعا في الكوليسترول والشحوم الثلاثية والسكر، وأزور الطبيب ليعيد قراءة التحليل ويضع لي قائمة من الممنوعات، وفي حالات أخرى يقوم بتغيير الأدوية بأنواع أكثر فعالية، لكن اليوم حذرني من الإهمال وأضاف ممنوعات جديدة مع التشديد على التقيد باستعمال الادوية بدون اهمال .
معاناتي من ارتفاع أرقام التحاليل لم تكن جديدة، وقبلها لم أكن أعاني من أي اضطراب صحي أو عارض يثير القلق، لكن المشكلة بدأت معي في بداية الثمانينات اثناء تصاعد نشاط الإخوان المسلمين ضد النظام، وكانت دمشق تشهد يوميا مواجهات بين النظام وناشطي الإخوان، وفي ظهيرة أحد الأيام كان لدي موعد مع وزير الإعلام وكان حينها المرحوم أحمد اسكندر احمد، الذي كان قد كلفني يومها بالاشراف على كتاب اعلامي سياحي عن سورية، وبعد اطلاع الوزير على بروفات الكتاب والغلاف، خطر لي أن ازور بعض الزملاء في جريدة «البعث»، ودخلت إلى غرفة المرحوم الصديق جورج عين ملك في الطابق السادس، وفور دخولي غرفته فوجئت بوجود عدد من الزملاء عنده والغرفة تعبق بدخان كثيف أشعرني بالاختناق جعلني اتجه فورا إلى شباك غرفته لافتحه لتغيير هواء الغرفة، وسمعت حينها صراخ الحرس اسفل البناء وهم يحاولون منع سيارة نقل مفخخة (هوندا) من اقتحام الممر المحاذي للبناء لتفجيره، عندها رجعت إلى الخلف وصرخت بأعلى صوتي: البناء سينفجر وخرجنا جميعا إلى الصالة نلتمس الأمان، ووقف كل منا إلى جانب الاعمدة الخرسانية الكبيرة، وكانت الثواني التي سبقت الانفجار واحتمال الموت جعلتني استعرض في شريط سينمائي مراحل حياتي وصور أولادي الذين لن أراهم، وحدث الانفجار الذي وصل صوته إلى كل مكان في دمشق، ولم ينهر البناء لكن المصاعد تعطلت والدرج لم يعد آمنا، وخرجنا من سلم النجاة الحلزوني وبحركات بهلوانية تنقلنا من طابق لآخر حتى وصلنا إلى المدخل الخلفي للبناء . حالة الرعب والذهول والخوف التي حصلت لي ولكل من كان في المبنى أصابتنا بنوع من فقدان التوازن، انا شخصيا لازلت أعاني منه، وعندما وصلت بيتي، خذلتني قدماي في الطابق الثاني حتى تعاون أولادي والجيران على مساعدتي في الوصول إلى الطابق الرابع ودخول بيتي.
في اليوم الثاني لم استطع المشي بسهولة، وكان لابد من الذهاب إلى الطبيب الذي طلب كل انواع التحاليل وكانت الأرقام تشير إلى ارتفاع مفاجئ في السكر والكوليسترول والشحوم الثلاثية وحمض البول، ولازلت أعاني من تذبذب هذه الارقام مع الاستمرار في تناول الأدوية ومراجعة الأطباء وإجراء التحاليل بشكل مستمر.
هذه الحادثة كان لها تأثير كبير على سلوكي لاحقا، ومجرد استماعي إلى صوت مفرقعة من لعب الاطفال يصيبني بالخوف، لكنها سكنت ذاكرتي وجعلتني أعيد حساباتي، وأفكر وأقول ُترى لو انهار البناء وراح ضحيته كل من كان في المبنى، ماذا سيستفيد (الجاني) الذي مات في الانفجار، من التضحية بحياته مجانا، مع أن كل الموجودين في المبنى من المدنيين العاملين في الصحيفة والوزارة وبرقبتهم عشرات الأسر التي تنتظر عودتهم آمنين وسالمين، وما ذنبهم الذي اقترفوه، وهل تفجير المدنيين وقتلهم هو عمل عدائي ضد النظام، الذي لن يتأثر من الحادث، أم هو عمل موجه ضد الحياة، يؤهل مرتكبه لدخول الجنة من أوسع ابوابها.
استهداف المدنيين ومؤسسات الدولة الخدمية من كهرباء وماء ومراكز تؤمن الخدمات الأساسية لحياة الناس، عمل إجرامي من أي طرف يقوم به، انهيار الدولة عمل ليس في مصلحة أحد، لكنه يصب في خانة دمار الوطن الذي يدعي الجميع محبته .
كل الأديان ذات الرسالات السماوية تؤمن بتقديس الحياة، أليس الدين معاملة، وهل الطريق إلى الجنة يجب أن يكون مفروشا بالجماجم؟  
الجميع ومن مختلف الملل والطوائف، سواء من الداخل أو من متعددي الجنسيات القادمين من بلاد تنعم بالحرية والديمقراطية، يتسابقون لقتلنا ويساعدون من يقصف بلدنا على إبادة من تبقى على قيد الحياة أو تهجيره إلى مخيمات الشتات في الخارج، تسييس الدين لن يكون في مصلحة الوطن، وباسم الدين يقوم (المتطوعون الجدد) على اختلاف تقسيماتهم ومذاهبهم بقتل الابرياء، وكيف يقوم مسلم بتكفير مسلم آخر، ويقوم بقطع رأسه بحجة التقرب من الله، والسؤال الآن،
هل نحن أمام إسلام جديد لا علاقة له بالإسلام الذي نعرفه، دين محبة وإخاء بين البشر؟
الجهاد في سبيل الله مشروع وفريضة على كل مسلم، لكن اطلاق صفة (جهادي) على قاتل يستهدف قتل إخوته وإهله المسلمين هو اعتراف بمشروعية القتل وإنكار لرسالة الإسلام الذي يقدس الحياة. قمع الحريات والاستبداد وغياب العدالة هما أصل الإرهاب، وتجاهل ذلك كالذي يدفن رأسه في الوحل، والإسلام الذي جاء لتحقيق العدل والمساواة بين البشر لا يمكن أن يكون البيئة الحاضنة للإرهاب، والوحشية التي تمارسها الأطراف التي تدعي الاسلام تسببت في تشويه الاسلام في العالم الذي اصبح يطلق صفة ارهابي على كل مسلم، ولن استغرب أن تقوم دول العالم  بتهجير المسلمين من بلدانها.
انت مسلم، يعني انك ارهابي حتى يثبت العكس، هذا هو وضع المسلمين في الدول التي يقيمون فيها، وهناك تحريض يتصاعد يوميا ضد المسلمين يتخذ أشكالا مختلفة ستؤدي في كل الاحوال إلى تطفيش المسلمين في الدول التي يقيمون فيها، هربا من قمع الأنظمة في بلدانهم، خاصة بعد الاعتداء الارهابي على المجلة الفرنسية «شارلي إيبدو». 
نعم انها مؤامرة خطيرة تستهدف الاسلام نفسه على ايدي من يدعون الاسلام زورا. نحن جميعا ندفع فاتورة الارهاب الذي يمارسه الجميع ضد الجميع، ويخطئ من يقول إن هناك ملائكة وشياطين يتحاربون، الكل شياطين وكل من يرفع سلاحا ليقتل السوريين الأبرياء إرهابي ومجرم، ويخطئ من يعتقد انه سيربح الحرب وينتصر على غيره، لأن هذه الحرب القذرة لن يربحها احد والخاسر الاكبر فيها هو الوطن.
هامش ..
لم يساورني الخوف وأنا أمشي في شوارع دمشق ظهر الأحد 1/2/2015، لا لشجاعة طارئة هبطت عليّ مع قذائف الموت التي غطت ارض الشام مثل الأمطار الغزيرة التي هطلت منذ أسبوعين، وفشـــلت في غسل قذاراتنا، مع فارق أن أمطار السماء كانت تحمل الخير للناس، بينما قذائف اليوم كانت تحمل الموت الذي لم يفرق بين كبير وصغير.
في لحظة أغلقت عينيّ وتخيلت أن الناس استبدلت ملابسها بأكفان بيضاء ويمشون بشكل اعتيادي ويمارسون حياتهم اليومية، لاننا تحولنا إلى مشاريع أموات، وأصبح مطلوبا من كل واحد منّا أن يبحث عن اسمه يتصدر نعوات الموت الملصقة على الجدران، وإذا لم يجده فهذا يعني انه لايزال حيا ينتظر دوره، ولا أمل لديه بوجود قبر ينتظر بقاياه أو معزين يتحدثون عن مودتهم له والدعاء إلى الله أن يغفر له ذنوبه
معذرة، قد يكون ما كتبته صادما للبعض، لكن في غياب أي أمل لوقف هذه (المقتلة) المجانية أجد أننا نسير بسرعة نحو هذه النهاية، وكل ما يقال عن مؤتمرات وسيناريوهات وحلول وهمية هو من قبيل تمرير الوقت وإعطاء الفرصة لمزيد من الحرائق والدمار الذي يستهدف حياة كل السوريين وبلدهم.
عندما أمشي بجانب أي مدرسة للاطفال وقت انصرافهم، اتطلع إلى وجوه الاطفال وأصغي بحب إلى شغبهم الطفولي العفوي، واقول في داخلي، تُرى ما هو المستقبل الذي ينتظرهم؟ وأدعو الله أن تكون أيامهم أحلى وأن يكبروا من دون أن يرثوا امراض الحقد والطائفية والفساد من آبائهم، حتى يعمروا سوريتهم كما يريدون، لا كما يريدها القتلة.
من أجل سوريتنا، تعالوا نعمل معا لوقف الموت ونختار الحياة التي نحلم بها، ونطالب بخروج كل الغرباء وشذاذ الآفاق – من دون استثناء – الذين تسللوا إلى بلدنا ليقوموا بقطع رؤوسنا وتدمير بلدنا.

٭ كاتب سوري

صبري عيسى٭

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية