«هز وسط البلد» للمصري محمد أبو سيف: مرثية كئيبة تفتقر إلى جماليات اللغة السينمائية

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: لم تشهد بدايات الموجة الجديدة للسينما المصرية، التي انطلقت أوائل التسعينيات بفيلم «إسماعيلية رايح جاي» سوى نوعية الأفلام الكوميدية التي تعتمد على العمل الجماعي بين الوجوه الشابة قبل أن ينفرط عقدهم ويصبح كل منهم نجم شباك.
ومما لا شك فيه أن هذا النمط من الأفلام الخفيفة أعطي للسينما المصرية في تلك الفترة قبلة الحياة، بعد حالة من التردي والانحدار عاشتها بعد انتشار نوعية أفلام الفيديو التي كانت تقدم مستوى رديئا جداً من الأفلام، وبعد أن استعادت السينما المصرية عافيتها بشكل جزئي من خلال الأفلام الكوميدية والرومانسية للجيل الجديد، دخلت نوعيات أخرى استمدت موضوعاتها من الواقع الذي يعيشه المجتمع المصري، وكان أقرب هذه الأفلام التي صدمت جمهور السينما فيلم «حين ميسرة» للمخرج خالد يوسف، الذي قدمه عام 2007، حيث يعتبر هذا العمل من أوائل الأفلام التي شجعت المنتجين والمخرجين على إعادة تقديم الواقعية الاجتماعية في السينما، خاصة بعد النجاح الجماهيري والنقدي الذي حظي به الفيلم، فيما استثمر المنتجون نجاح هذه النماذج جماهيرياً وطوروا فيها حتى أصبحت الصورة الأكثر شعبية في السينما هي صورة البلطجي الذي يعيش في المناطق الأكثر فقراً، وبات الأكثر استهلاكاً وتعبيراً عن واقع المجتمع المصري.
تعددت بعد ذلك نوعيات الأفلام التي تختزل الواقع الاجتماعي بكل ما يشوبه من فساد وفقر وجهل وقهر وقمع في شخصيات شعبية، حيث تعتبر الفئة الأكثر انتشاراً في المجتمع، التي تعبر بشكل رئيسي عن شكل وهوية المجتمع المصري، كان من أبرز الأفلام التي حصدت إشادة جماهيرية ونقدية، خاصة أن منتجها أحمد السبكي لم يقدم على هذا الطرح الجاد من قبل، بدأ مع فيلمه «كباريه» ثم «الفرح»، الذي حصد بسببه أول جائزة سينمائية في مهرجان محلي هو المهرجان القومي، ما جاء بعد ذلك من أعمال تحمل في شكلها ملامح الفيلم الواقعي لم يكن في معظم الأحيان سوى مغازلة لشباك التذاكر، الذي بدأ يفيض بالإيرادات خاصة مع ظهور جيل جديد من الجمهور الشباب، إلى أن وقعت أحداث يناير/كانون الثاني وما تبعها من تغييرات سياسية واجتماعية كتبت للعديد من المخرجين شهادات ميلاد جديدة وآخرين لم يستطيعوا الحفاظ على مكانتهم وتاريخهم الفني فقدموا أعمالا تتماس مع الواقع لكنها لا تصل إلى عمقه الذي يتغير بشكل لا يمكن أن تجاريه أفكار المخرجين النمطية التي فشلت في احتواء عبثية هذا التطور.
يعود المخرج محمد أبو سيف بعد غياب 10 سنوات على آخر فيلم قدمه عام 2005 بعنوان «خالي من الكوليسترول» ليلتقي مرة أخرى مع الفنانة إلهام شاهين في فيلم «هز وسط البلد» الذي قامت الهام بإنتاجه وبطولته إلى جانب عدد كبير من النجوم الشباب، حيث أصبح الواقع الاجتماعي بكل متغيراته مادة نهمة لأي مخرج وكاتب يستمد منه قوالب فنية تختلف في الشكل لكنها تتماس في المضمون.
يمثل فيلم «هز وسط البلد» واحدا من تلك النماذج التي تشير إلى المشكلة من دون أن تبلورها، معالجة شكلية في سيناريو اعتمد على تعدد الخطوط الدرامية والحكايات السريعة المبتورة، وشخصيات متنوعة تتجاذب وتتنافر حتى تنصهر جميعها في مشهد النهاية الدراماتيكي الذي غاب عنه الخيال السينمائي كلياً، الكاميرا منذ بداية الفيلم وحتى المشهد الأخير تجوب حائرة ومترددة وكأنها تسجل لحظة النهاية لهذا الشارع الذي اختاره المخرج محمد أبو سيف ليعبر عن بيئة مشتركة للشخصيات على اختلاف طبقاتها، الكاميرا التي تتمرد على نموذجية التصوير السينمائي تظل حائرة في التقاط لحظات دقيقة من أفعال الشخصيات التي تحمل كل منها حكاية تختلف في التفاصيل لكنها تتشابه في النوايا، فاللقطات غير الثابتة والزوايا المائلة التي تشبه طريقة تصوير الأفلام التسجيلية، حيث يترك المخرج للكاميرا حرية الحركة في الفضاء، لكن هنا نشهد تمردا بصريا بلا وجهة واضحة ولا شكل جمالي ولا دلالة رمزية، سوى محاولة إثارة استياء المتلقي من الحالة العامة للشارع الهادئ الذي يستعد لاستقبال صباح جديد لن يمر بسلام.
الشخصيات بدون استثناء تفعل كل أنواع الرذائل التي قد لا تثير تعاطف الجمهور عند لحظة الانهيار والعقاب، اختيار الشارع كنموذج مصغر لمجتمع تعج فيه كل أنواع الشهوات والرذائل والفضائح والجرائم، لا يثير تعاطف المشاهد بل سخطه، فتركيبة الشخصيات تميل معظمها إلى ارتكاب أفعال إجرامية على اختلاف أنواعها.
نرى شخصية القوادة التي تمتلك محل ملابس داخلية، هو في الواقع غطاء لممارستها الدعارة، وعلى الجانب الآخر نشهد صاحب دور عرض يقدمه الفنان فتحي عبد الوهاب، حيث يسعى إلى جذب الجمهور إلى السينما باستخدام الفتيات وعرض أفلام البورنو، في الوقت الذي يقوم فيه بممارسة الرذيلة مع امرأة فقيرة لديها أربعة ابناء تبيع أحدهم بمساعدة صاحب دور العرض بسبب الفقر، وتقوم بدورها الفنانة الهام شاهين، نموذج آخر لتاجر عملة وآخر لصاحب مقهى يجتمع فيه سكان الحي المسنين، وسيدة تصطاد أحد جيرانها لتمارس معه الحب، ودور الفتاة اللعوب الذي تقدمه الفنان حورية فرغلي بجرأه وقدرة فائقة على التلون في الأداء، فهي تعمل في محل الملابس الذي تمتلكه القوادة، بحيث يدفعها الطمع إلى السرقة ثم ممارسة الجنس مع سيدة خليجية، هناك أيضا صبي القهوة الذي يخدع الجميع ويسرق أموال أهل الشارع، ولا يخلو المجتمع المصغر من العنف المفرط الذي تجسده شخصية الإرهابي الذي ينصب نفسه حكماً على سكان الشارع وينفذ فيهم العقاب الأمثل لكل شرورهم التي تخاصم الدين من منظورة المتطرف، وعلى غرار مشهد النهاية في فيلم «كباريه» تتكرر النهاية نفسها، يقوم الشاب المتطرف بزرع عدة قنابل في زوايا المقهى وفي محل القوادة وداخل السينما التي لا يشعر فيها أحد بوجود قنبلة بسبب الراقصة التي تعلن عن نفسها وفيلمها الجديد بوصلة رقص أمام السينما.
تظل تجربة فيلم «هز وسط البلد» تعبر عن انهزام مجتمع «أي مجتمع» وليس بالتحديد المجتمع المصري، فالشخصيات التي تجردت من ظرف المكان أصبحت تصلح لأي «وسط بلد» يحمل قدراً من الظلم والفقر والتمييز والعنصرية والقهر، حيث غابت ذاتية المجتمع المصري عن الفيلم كما غاب عنه الزمن، بحيث يصبح حدوته تدور في كل زمن، ورغم أنه فيلم يحمل الطابع التجاري إلا أن المخرج محمد أبو سيف لم يستطع أن يقدم طابعا سينمائياً يجذب الجمهور مثل أفلام السبكي التي تربعت علي عرش الأفلام التجارية التي تخطف ايرادات الشباك، الفيلم يفتقر إلى ابسط جماليات اللغة البصرية شكلاً ومضموناً، بالإضافة إلى سوداوية الأحداث التي تغلق كافة المنافذ أمام أي محاولة للشخصيات للخلاص من هذا الواقع، بينما فقد آخر نقطة تواصل بينه وبين الجمهور، وأصبح مجرد مرثية حزينة تحمل من الكآبة قدرا لا بأس به يدفع المشاهد إلى مغادرة قاعة العرض قبل أن ينتهي الفيلم.

رانيا يوسف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية