«أعرف أن الضوضاء الكثيفة من حولي، ستجعلني أصرخ ضدها… بعد الصراخ يحل فصل السكات ويبزغ الإصرار على معانقة الصمت الفعال».
بهذا التفسير المختصر ينهي الراجي مساعد المؤرخ النص الروائي لمحمد برادة «بعيدا عن الضوضاء قريبا من السكات»، وكأنه يحاول تفسير ما غمض على المتلقي من دلالة العنوان، أو أنه يحاول لملمة المتبعثر بين المقاطع السردية خوفا عليه من تشتت الدلالة، بل إن الخوف من تبعثر الدلالة طال المؤلف والشخصية الساردة على حد سواء؛ ولذلك جاء الفصل الأخير «يقول الراجي» للسيطرة على تمدد الدلالة خارج سياق المألوف، مما روته الذاكرة من متعة الحكي للجيل المنهك من البطالة واللاجدوى.
ولكن السرد يفقد قدرته على التأثير خارج الدفتر الذاتي للراوي أو السيرة الذاتية للشخصية المغربية، التي عاشت من الاستقلال حتى وقت تعديل الدستور المغربي سنة 2011، عبر توفيق الصادقي وفالح الحمزاوي ونبيهة سمعان والراجي مساعد المؤرخ.
كل شخصية سردت سيرة التحول في المجتمع المغربي في تلك الفترة، من خلال سرد سجلها الذاتي ورؤيتها لأوجاع المغرب وآماله وعاداته وتقاليده وطقوسه الاجتماعية، مما يجعلنا أمام شخصية روائية جامعة لكل الوجوه والرؤى، خاصة أن جميع تلك الشخصيات ترتبط بقواسم مشتركة وإن كانت كل منها تتحدث عن ذاتها في إطار متداخل بين العام والخاص. ومن ذلك، الهم السياسي، العلاقة مع الجنس الآخر، التعليم، الهم الفردي..
ولا يعني ذلك التطابق بل التكامل، فنرى توفيق الصادقي مواليد 1931 يتحدث عن الأوضاع في المغرب وعن الموقف من الحماية الفرنسية وزيارة الملك محمد الخامس إلى طنجة سنة 1947، تلك الزيارة التي حدد من خلالها العاهل المغربي في خطابه انتماء المغرب العربي الإسلامي، مما فتح أفقا كبيرا للحوار والموقف من الفرنسيين والكتلة الوطنية وقضية التحرر.
وفي الصورة المقابلة نرى فالح الحمزاوي من الجيل الثاني وابن مواليد 1956 يتحدث عن طبيعة الأحزاب وما يعتمل فيها من صراع وطموح وتراجع ويأس..
وعلى ضفاف الجيلين نرى حيثيات الحياة اليومية المعبرة عن جيل مختلف يعاني من الاضطراب في الرؤية بسبب التجاذبات التي أحبطت الطموح وعلاقة الصراع بين الماضي والحاضر؛ الماضي المتمثل بالعادات والتقاليد داخل الأسرة المغربية ووعيها الاجتماعي، والحاضر المتمثل برفض الموروث المكبل للالتصاق بالمكان والزمان والوعي سلوكا واعتقادا وعيشا.
إن تدفق السرد عبر تلك الشخصيات أرهق الراجي مساعد المؤرخ، بل ربما ضيع بوصلة شخصياته وغايتها من السرد حتى كاد سردها أن يدخل في اللامتناهي، إذ لا حدود لوقف الحكي عند كل شخصية مادامت تهيم في ذاكرتها، تقفز وتتمهل وتغريها التفاصيل أحيانا، ويسرقها التعميم والاستعراض أحيانا أخرى؛ ولكنها لا تسير باتجاه معين غير سردها، ولا ينتهي ذلك السرد إلا في نهاية التفاصيل المسكونة في ذاكرة المتحدث، حين يحل التقاعد عن العمل أو الأمل… ولهذا ولج مساعد المؤرخ في الصفحات الأخيرة في إعادة تشكيل الشخصيات ولملمة صورها، وربما صورة الرواية، وكأنه يقوم بوضع خاتمة للرواية؛ وذلك إدراكا منه أن الشخصيات لن تتوقف عن الثرثرة إن لم يعلن هو وضع نهاية للفصول المستلقية بمتعة على جسد السرد.
من ذلك الاسترخاء بمتعة على جسد السرد، من قبل الشخصيات في الرواية، تتركب المسافة الجمالية، ويلتقطها المتلقي بدفء لا يستطيع التعبير عنه إلا بصور الاستسلام للحكي، متلمسا لغة ثقافية عالية مرة، كحديث الراهب عن فيلم المخرج الفرنسي كوكتو الذي عُرض في الكنيسة وفيه مقاطع إباحية.
يقول الراهب «إن ما التقطه كوكتو هو جزء من واقع مجتمعنا الفرنسي… وكوكتو الفنان يجمع بين الرسم والشعر والرواية والسينما ليعبر عن رؤية لا تتعارض في العمق مع الرؤية الدينية، فهو يرى أن العقل وحده لا يستطيع إدراك الحقيقة…
الدين هو أيضا إيمان بالعقل والعاطفة والروح معا» وقابضا على لغة نقدية أحيانا، كحديث الفرنسي جورج أبو ميشيل ضيف توفيق الصادقي معترضا على الكرم الذي لاقاه من مضيفه.
يقول: «رجعت من المغرب ونفسي ممتلئة بالمرارة، جراء الإحساس بالمهانة… طوال الإقامة أحسست كأنني أُجلد، وعليّ أن أحافظ على ابتسامتي وإعجابي بتلك الولائم… التي تفننتَ في إعدادها وإخراجها… ما قوى لدي هذا الشعور أنك لم تبد اهتماما بعملي ولا بالطريقة الصعبة التي اتبعتها لأتمكن من أن أدفع تكاليف دراسة ابني ميشيل في الجامعة…
لم أجد لديك ميلا إلى الاطلاع على تجربتي أنا الذي أنتمي إلى طبقة العمال والذي بذلت أقصى الجهد لأرتقي في العيش والثقافة والوظيفة».
ومقتربا من اللغة الراهنة واليومية مرة، كالحديث عن التطرف والمتطرفين وفتوى الرضاعة في الوظيفة العمومية وما رافقها من رسومات كاريكاتورية وتعليقات ساخرة في الصحافة وبين الناس.
والهروب إلى اللغة الخاصة جدا أحيانا، كالحديث عن التجربة الجنسية مثل قصص نبيهة سمعان وفالح الحمزاوي، إذ تدفع المتلقي للفضول وشهوة الحكي والتشبث بالنص بوصفه سردا روائيا، يقوم على صور منقطعة ظاهريا ومتصلة جوهريا؛ إن كان على مستوى البناء الروائي، أو على مستوى الوعي الاجتماعي، أو على مستوى تكامل التجربة.
وتحيزا لتلك المسافة الجمالية التي يوفرها النص على مستوى النوع ـ إذ لا مجال في النص للدهشة المنتَجة من الخيبة، أو كسر أفق التوقع، ولا مجال لتغير معايير السرد الروائي، ولا مجال أيضا لفضيحة ينتجها الحدث الدرامي أو صراع يطوره ـ يبدو الشغف بالحكي والشغف بالسماع هما القطبان المهيمنان على السارد والمتلقي: السالب والموجب في السرد في « بعيدا عن الضوضاء قريبا من السكات» حتى بالنسبة للمتلقي المغربي الذي يدرك عبر المعرفة النظرية والتجربة العملية أو الشعور المسيطر على قطاع واسع من الناس جل التفاصيل التي تم سردها على لسان الشخصيات من أيام الاحتلال الفرنسي حتى الأحداث المحيطة بحركة 20 فبراير/شباط وتعديل الدستور المغربي، وفقدان الأمل بالأحزاب، والشعور باليأس.
هل هي المتعة المنتَجة من أفق الذاكرة إذن؟ أم المتعة المنتَجة من أهمية الحكي المتقن في وعينا البدئي الميال إلى السرد والحكايات والأساطير، خاصة حين يثير الحكي في النفس غرائز ملحمية تتعلق بالانتماء الجماعي للشعب أو الأمة أو المكان؟ ربما هي المسافة الجمالية التي لم تفطن إليها نظرية التلقي عبر معاييرها المحددة في أفقين: تاريخي يرتبط بالتأريخ الأدبي للجنس الأدبي وخارجي يرتبط بالتجربة المعرفية للمتلقي.
باحث وأكاديمي سوري ـ المغرب
يوسف إسماعيل