الناصرة ـ «القدس العربي»: عشية وصول وسيط أمريكي اليوم الأحد لمحاولة فض الخلاف بين إسرائيل ولبنان حول منطقة «كاريش» البحرية الحدودية، تصاعد التوتر بعدما أطلق زعيم حزب الله حسن نصر الله تهديدا قاطعا بمنع السلطات الإسرائيلية استخراج الغاز من حقل الغاز الطبيعي المائي المختلف عليه ورد وزير المالية الإسرائيلي عليه بأن إسرائيل تفعل ما تراه مناسبا ولا ترتدع من أي تهديد صادر عن «جهة إرهابية تختبئ في الخندق». في بيان شاذ حمل رسالة إلى لبنان قالت إسرائيل قبل التراشق الأخير إنها جاهزة للدفاع عن منصة استخراج مصادر الطاقة (منصة كاريش) من قعر البحر المتوسط على الحدود الشمالية داعية لحثّ المفاوضات على الحدود المائية منوهة أنها لن تستخرج الغاز من المنطقة المختلف عليها، فيما يصل مندوب أمريكي للمنطقة اليوم الأحد لخفض منسوب التوتر. وقالت وزيرة الطاقة في حكومة الاحتلال كارين الهارار ومعها وزيرا الأمن بيني غانتس والخارجية يائير لابيد، إن إسرائيل مستعدة للدفاع عن المنصة المائية بحال اقتضت الحاجة لذلك. وجاءت هذه التوضيحات الإسرائيلية على خلفية تهديدت حزب الله عقب وصول المنصة العائمة لاستخراج مصادر الطاقة من البحر تزامنا مع أزمة اقتصادية عميقة يكابدها اللبنانيون ومن شأن الغاز البحري إخراجهم منها. وطبقا لمصادر إسرائيلية يدور الخلاف الحدودي مع لبنان حول مساحة صغيرة في البحر الأبيض المتوسط من المرجح أنها غنية بالغاز الطبيعي تقدر قيمتها بمليارات. يشار أن المفاوضات بين إسرائيل ولبنان متواصلة منذ نحو عشر سنوات بدون جدوى والنتيجة حرمان اللبنانيين بعكس إسرائيل من الاستفادة من هذا المورد الطبيعي الثمين الذي بادرت لتطويره. ومن المفترض أن تقوم المنصة كاريش التي وصلت للمنطقة المذكورة يوم الأحد الماضي بتنفيذ أعمال تنقيب عن الغاز على بعد 80 كيلومترا غربي حيفا، ووفقا للمزاعم الإسرائيلية فإن هذه المنطقة موجودة خارج المنطقة المتنازع عليها وإنها أبلغت سلفا لبنان بذلك بواسطة طرف ثالث لكن جهات لبنانية سارعت للرد والتحذير من خطورة ذلك.
تهديدات لبنانية
وضمن هذه الردود نعت الرئيس اللبناني ميشال عون أي نشاط إسرائيلي في منطقة بحرية متنازع عليها بأنه يشكل «استفزازا وعملا عدوانيا» عقب وصول سفينة إنتاج وتخزين لاستخراج الغاز لصالح تل أبيب قبل أيام. وسط دعوات للمضي في فرض الحقائق على الأرض والتنقيب عن مصادر الطاقة في المنطقة المختلف عليها بين لبنان وإسرائيل قال وزير الأمن فيها بيني غانتس إن الخلاف مع لبنان سيحل دبلوماسيا بوساطة أمريكية. ويؤكد لبنان أن حدوده تقطع البحر بزاوية أوسع جنوبا فيما تمتد الحدود التي تطالب بها إسرائيل أبعد شمالا مما يخلق مثلثا من المياه المتنازع عليها. على خلفية وصول سفينة قبالة الشاطئ لاستخراج الغاز لإسرائيل، نبهت الرئاسية اللبنانية تل أبيب من مغبة أي «عمل عدواني» في المياه المتنازع عليها، حيث تأمل الدولتان في تطوير موارد الطاقة البحرية. وقال الرئيس اللبناني ميشال عون إن أي نشاط في منطقة بحرية متنازع عليها مع إسرائيل يشكل «استفزازا وعملا عدائيا» بعد وصول سفينة إنتاج وتخزين الغاز الطبيعي التي تديرها شركة إنرجيان ومقرها لندن. وتقول إسرائيل إن الحقل المعني يقع داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لها وليس في المياه المتنازع عليها، لكن الرئيس عون سبق وبحث مع رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي دخول السفينة «المنطقة البحرية المتنازع عليها مع إسرائيل وطلب من قيادة الجيش تزويده بالمعطيات الدقيقة والرسمية ليبنى على الشيء مقتضاه».
عمل عدواني
وكرر عون قوله إن المفاوضات لإعادة ترسيم الحدود البحرية الجنوبية مستمرة وأي نشاط في منطقة بحرية متنازع عليها مع إسرائيل يشكل «استفزازا وعملا عدائيا». من جهتها قالت شركة إنرجيان إن وحدة الإنتاج والتخزين العائمة وصلت الأحد إلى حقل كاريش الذي يبعد نحو 80 كيلومترا عن مدينة حيفا في المنطقة «الاقتصادية الإسرائيلية الخالصة». وقالت الشركة إنها تعتزم بدء تشغيلها في الربع الثالث من العام. وقال ميقاتي «محاولات العدو الإسرائيلي افتعال أزمة جديدة، من خلال التعدي على ثروة لبنان المائية، وفرض أمر واقع في منطقة متنازع عليها ويتمسك لبنان بحقوقه فيها، أمر في منتهى الخطورة». يذكر أن الولايات المتحدة قد شرعت في الوساطة غير المباشرة بين الجانبين في عام 2000 لتسوية خلاف قديم يعطل التنقيب عن الطاقة في شرق المتوسط منذ فترة طويلة. وكان حزب الله قد حذر إسرائيل في السابق من التنقيب عن النفط والغاز في المنطقة المتنازع عليها حتى يحل النزاع وقال إنه «سيتخذ إجراء إذا حدث ذلك». ولم يرد لبنان بعد على اقتراح، لم يكشف عنه، قدمه مبعوث أمريكي في وقت سابق هذا العام لإحياء المحادثات المتوقفة. يشار أن المدير العام للأمن اللبناني اللواء عباس إبراهيم كان قد قال في مقابلة نُشرت الأسبوع الماضي عقب زيارته لواشنطن، إن رد بيروت سيفتح الباب أمام العودة إلى تلك المحادثات، وإن الولايات المتحدة حريصة على «طي صفحة» في قضية يمكن أن تؤدي إلى انفجار الوضع مع إسرائيل.
زعم ساسة إسرائيليون في البداية أن لبنان يكذب وأن المنصة «كاريش» موجودة في نطاق المياه السيادية التابعة لها، وزعم مسؤول إسرائيلي في تصريح لموقع «والا» أن «الأكاذيب والتهديدات» اللبنانية محاولة لصرف أنظار اللبنانيين عن الفساد والفشل اللذين يلازمان القيادة اللبنانية.على خلفية كل ذلك تحاول الولايات المتحدة تهدئة الأوضاع وخفض التوترات بين إسرائيل وبين لبنان ونقل موقع «والا» عن مسؤولين أمريكيين قولهم إنهم قلقون جدا من التصعيد ومن ارتفاع اللهجة في التصريحات داعين كل الأطراف للتفاهم والاحتفاظ بمساحة من المرونة المطلوبة لتسوية خلاقة لأنهم سيجنون ثمار اتفاق. وحسب مصدر مجهول الهوية في وزارة الخارجية الأمريكية فإنه على الجهات اللبنانية المختلفة الامتناع عن استخدام قضية الغاز الطبيعي والخلاف عليها من أجل ربح نقاط في السياسة الداخلية.
اضطرار لبنان للعودة للمفاوضات
ووفقا للإذاعة العبرية العامة تابع المسؤول الأمريكي»نشعر بالتفاؤل الحذر حيال إمكانية التقدم نحو اتفاق بين لبنان وإسرائيل يستند لمقترح أمريكي تم تحويله لطرفي الخلاف في مطلع العام الجاري ولكن ما زالت هناك حاجة للمزيد من المساعي والعمل». وفي محاولة لنزع فتيل هذا الخلاف الحساس يصل اليوم للمنطقة الموفد الأمريكي لشؤون الغاز عاموس هوخشطاين.
ويدعو سفير إسرائيل الأسبق في القاهرة اسحاق لفتانون وهو من عائلة يهودية هاجرت لفلسطين بعد النكبة، من بيروت للمباشرة فورا في التنقيب عن الغاز الطبيعي في المنطقة المختلف عليها وذلك من أجل إجبار لبنان للعودة لمائدة المفاوضات حولها.
وقبل ذلك اتفق طرفا الخلاف على «دعوة المبعوث الأمريكي إلى بيروت، عموس هوكشتاين، لبحث استئناف مفاوضات ترسيم الحدود البحرية الجنوبية للبنان» التي توقفت في مايو/أيار الماضي، حسب بيان ميقاتي. وكانت إسرائيل ولبنان قد استئنفتا مفاوضات ترسيم حدودهما البحرية في عام 2020 بيد أن العملية تعثرت بسبب إعلان بيروت أن الخريطة التي استخدمتها الأمم المتحدة في المحادثات تحتاج إلى تعديل. كما ينقسم المسؤولون اللبنانيون أنفسهم بشأن خط الترسيم، وبدا الموقف الرسمي للدولة غير متوافق عليه وفق مزاعم إسرائيلية أيضا. ويرى مراقبون أنه مقابل إجماع اللبنانيين على رفض خطوة إسرائيل، يرى خبراء أن الأخيرة تملك أوراق قوة تتجاوز استنادها لدعم واشنطن مستفيدة من تشتت الموقف في بيروت، والفارق بين ما أودعته رسميا لدى الأمم المتحدة لجهة اعتبار أن المنطقة المتنازع عليها تبلغ 860 كيلومترا مربعا، وبين مطالب غير رسمية تستند إلى خرائط الجيش اللبناني التي تعطي البلد الحق بـ 1430 كيلومترا إضافية، وتعتبر أن المساحة المتنازع عليها تتضمن حقل كاريش حتى الخط 29 بوصفه منطقة ضمن المساحة اللبنانية، وتبلغ 2290 كيلومترا مربعا.