تصاعد مرعب للعنف الأسري في العراق

مصطفى العبيدي
حجم الخط
1

بغداد ـ «القدس العربي»: بمزيد من القلق والخوف، يتابع العراقيون تصاعد ظاهرة العنف الأسري، على نحو خطير، في مؤشر على انهيار العائلة العراقية، وسط إهمال الحكومة والنخبة السياسية وعجزها عن وقف تدهور الأوضاع في المجتمع عموما، بسبب انشغالها بالخلافات السياسية والصراع على السلطة ومغانمها.

ولا يكاد يمر يوم إلا وتطالعنا القنوات الإخبارية المحلية ومواقع التواصل الاجتماعي، عن وقوع المزيد من حالات العنف الأسري في العراق، التي تشمل كافة أفراد العائلة، وتتسع مساحتها باستمرار من دون أية بارقة أمل بالحد من تنامي هذه الظاهرة الاجتماعية الخطيرة.

نماذج من العنف الأسري

وضمن مسلسل مؤسف من العنف الأسري المتفشي في العراق هذه الأيام أعلنت الشرطة المجتمعية في وزارة الداخلية، عن إيقاف 14 حالة ابتزاز إلكتروني وعنف أسري في عدة محافظات، حيث «أوقفت مفارز الشرطة المجتمعية 9 حالات ابتزاز إلكتروني و6 حالات عنف أسري في 8 محافظات خلال الـ 72 ساعة الأخيرة». وبينت الشرطة المجتمعية أن «مفارزها استطاعت الوصول إلى المبتزين الذين ساوموا ضحاياهم من الفتيات بنشر صورهن على مواقع التواصل الاجتماعي إن لم يخضعن لرغباتهم الدنيئة أو يدفعن لهم مبالغ مالية».
كما تمكنت مفارز الشرطة من «إيقاف 5 حالات تعنيف ضد نساء وأطفال» مشيرة إلى اتخاذ الشرطة المجتمعية الإجراءات اللازمة بحق المبتزين والمعنفين بعد أن قامت بحذف محتويات الابتزاز وتأمين حسابات الضحايا، فيما أعادت الشرطة 4 فتيات هاربات إلى ذويهن، بعد أن قدمت لهن الدعم النفسي والمعنوي، واتخذت الإجراءات القانونية الرادعة بحق المعنفين.
وتتداول مواقع التواصل، فيديوهات عن العنف الأسري، منها مقطع  فيديو مجرد من الإنسانية، سجل أب عراقي فيديو هز مشاعر العراقيين على مواقع التواصل الاجتماعي، ظهر فيه مصوّبا فوهة بندقيته على زجاجة وضعها في فم ابنته الصغيرة، وليطلق النار على الزجاجة، فيما كرر أب آخر إطلاق النار من بندقيته نحو سيجارة في فم ابنه. وأثار انتشار هذه الفيديوهات على مواقع التواصل، موجة غضب عارمة لدى العراقيين، الذين اعتبروه استهتارا بأرواح الطفولة البريئة.
أما الطفلة زينب، فقد توفيت بعد يومين من تعنيفها من قبل والدها في مدينة الصدر شرقي العاصمة بغداد، نتيجة الإصابات البالغة التي تعرضت لها بسبب ضربها بالعصا من قبل والدها وتهشيم رأسها. وقد ألقت القوات الأمنية القبض على والد الطفلة، فيما تنتشر فيديوهات تعذيب الوالدين لأطفالهم بالكي أو الجلد وغيرها من طرق العقاب.
وثمة شاب دخل إلى منزل أسرته واستل سلاحا ناريا أطلق منه الرصاص على شقيقتيه الشابتين زهراء وحوراء قبل أن يهرب ثم يتصل بوالده ليخبره إنه كان واقعا تحت سيطرة «حالة عصبية».
فيما انتشر مقطع فيديو أظهر بطلة الألعاب العراقية سجى أحمد وهي تناشد رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي النظر في مساعدتها هي وجدتها، وحمايتها من التهديد والتخويف من قبل زوجها، الضابط في وزارة الداخلية الذي يستخدم سلطته ضدها.

إحصائيات العنف الأسري

ويتضح حجم هذه الظاهرة من خلال الأرقام الرسمية، فيما يؤكد ناشطون إن الأعداد الحقيقية هي أكثر من المسجل بكثير. فقد كشف المتحدث الرسمي باسم الداخلية العراقية اللواء سعد معن عن تسجيل5292 حالة عنف أسري في العاصمة بغداد وبقية محافظات البلاد في عام 2021.
كما سجلت وزارة الداخلية العراقية 15 ألف حالة عنف منزلي للعام 2020 فيما سجلت الوزارة 17 ألف حالة عنف أسري في عام 2017 حيث تحتل اعتداءات الرجال على زوجاتهم الأغلبية من الحالات المسجلة بواقع 9 آلاف حالة. وفي نفس الإطار كشف مجلس القضاء الأعلى عن 17 ألف حالة عنف أسري في عام 2019.
وشهدت حالات الانتحار أيضا ارتفاعا، حسب السلطات العراقية التي سجلت أكثر من 700 حالة انتحار خلال 2021 بارتفاع 100 حالة، شكلت فئة ما دون العشرين عاما قرابة 37 في المئة من المجموع الكلي، فيما جاءت أعداد الإناث المنتحرات في تلك الإحصائية بـ44 في المئة.
ويؤكد ناشطون وناشطات أن الإحصائيات المعلنة عن العنف الأسري لا تمثل سوى قمة جبل الجليد، بسبب عزوف الضحايا عن الإبلاغ عن الاعتداءات التي يتعرضون له، خوفا من التقاليد الاجتماعية وعقاب الأهل.

أسباب تصاعد العنف الأسري

ومع تنوع الأسباب لتنامي هذه الظاهرة، قال المحامي أنور العزاوي لـ«القدس العربي» إن «ارتفاع حالات العنف المنزلي تعود أسبابها إلى عوامل عديدة منها العقلية الذكورية والعشائرية والمشكلات الاقتصادية كالبطالة وانتشار تعاطي الكحول والمخدرات والإتجار بالبشر واستغلال المرأة في الدعارة أو التسول». كما أشار إلى «سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت، التي تسبب أحيانا استفحال الخلافات الزوجية، مع وجود حالات أخرى مثل الخيانة الزوجية وازدياد حالات الانتحار» وكلها تدفع إلى العنف بين أفراد الأسرة.
ويرى العزاوي، ان غياب قانون لمكافحة العنف الأسري، ساهم في اتساع المشكلة، مشيرا إلى ان مجلس الوزراء العراقي أقر في تشرين الأول/اكتوبر 2020 تحت الضغط الشعبي، مشروع قانون «مناهضة العنف الأسري» ومرّره إلى البرلمان، لكن القانون لم يشرّع حتى الآن بسبب معارضته من قبل قوى الإسلام السياسي في البرلمان، التي ترى أن في القانون مخالفة للشريعة الإسلامية، وأنه سيؤدي إلى حدوث تفكك أسري، حسب وجهة نظرها.
وبالنسبة إلى بعض فقرات القانون العراقي أكد العزاوي وجود ثغرات يفلت من خلالها مرتكبو العنف الأسري، ومن ذلك المادة 398 التي تسمح لمرتكب جريمة الاغتصاب بالإفلات من العقوبة مقابل الزواج من الضحية (المغتصبة) منوها إلى أن الضحية قد توافق في كثير من الأحيان على الزواج من الجاني، لأنها تكون تحت ضغوط عائلتها والمجتمع، ومشيرا إلى فيديو انتشر مؤخرا على مواقع التواصل لسائق تاكسي كتب على سيارته عبارة «اغتصب من تحب والقانون سيزوجك اياها».

قلق دولي

ونظرا لخطورة الظاهرة، فقد أعربت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف» عام 2020 عن «حزنها البالغ وقلقها الشديد بشأن التقارير الحالية المتواصلة حول العنف ضد الأطفال في العراق» مضيفة أن العنف بدأ يتصاعد بشكل ملحوظ، ضد الأطفال، منذ بداية انتشار كورونا، كما حثت بعثة الأمم المتحدة في العراق عام 2020 البرلمان العراقي على الإسراع في إقرار قانون مناهضة العنف الأسري وسط تقارير مثيرة للقلق عن إرتفاع في حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي والعنف الأسري في جميع أنحاء البلاد. وهو ما يتعارض مع مصادقة العراق على قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1325 الخاص بحقوق المرأة.
وتشير منظمات حقوقية إلى أنواع عديدة من العنف ضد النساء في العراق، تشمل العنف الجنسي والجسدي، والعنف الأسري، والإتجار بالفتيات، وزواج القاصرات، وجرائم الشرف، إضافة إلى العنف السياسي الذي طال ناشطات لمشاركتهن في «انتفاضة تشرين» المطالبة بالإصلاحات.
ويبدو واضحا أن تصاعد العنف الأسري، هو أحد أشكال انتهاك حقوق الإنسان وجزء من التدهور المنتشر في جميع مفاصل المجتمع والدولة منذ 2003 جراء العنف السائد وانتشار السلاح وضعف أجهزة الدولة، وتراجع الوعي المجتمعي لصالح الأعراف العشائرية والدينية، كنتيجة حتمية لانشغال النخبة السياسية بالسلطة ومغانمها وعدم اهتمامها بمشاكل المجتمع.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية