نالت «مكتبة رصيف» تحت جسر الفيات الحديدي في منطقة كورنيش النهر في بيروت، اهتمام الرأي العام، وشكلت ظاهرة تتحدى الانهيار الذي يضرب لبنان، في زمن تراجع فيه الاهتمام بالثقافة وسوق الكتاب والطباعة، وتعرض فيه الاقتصاد اللبناني للانهيار، وشغل بال المواطنين تأمين لقمة العيش والدواء والكهرباء.
من يمر تحت جسر الفيات سيتوقف أمام بائع الكتب. رجل مسن يعيش أسفل الجسر، الغرابة ليست في تشرده، إنما بمشهد الكتب الذي يعيش معه محمد المغربي.
بلهجة مصرية ممزوجة باللبنانية، يتحدث إبن العاصمة بيروت قصة تشرده التي بدأت منذ ثلاثة أعوام عندما قام أحد سماسرة العقارات بتهديده ببيته وهدمه لما للأرض من قيمة تقدر بملايين الدولارات.
وبحرقة يروي الثمانيني قصته بعد أن وجد نفسه مجبرا على العيش أسفل الجسر متسائلا «إلى أين سأذهب؟» وقال «مشكلتي مع اللصوص ومافيات العقارات» وتابع بصوت مرتفع «لا أريد أكثر من بيتي».
للكتب قصة مع محمد المغربي، فهو قارئ نهم منذ شبابه، لكن المكتبة وتجميع الكتب بدأت معه عندما سجن لعدة أشهر وبعد إطلاق سراحه قدم له أحد المواطنين اللبنانيين صناديق مليئة بالكتب «وكرت المسبحة».
يقول بائع الكتب، قدم لي أحد الأشخاص عددا كبيرا من الكتب، ثم قمت بتنظيفها من الغبار وترتيبها، وفرشتها على كرتون ورق وأقمت مكتبة «رصيف».
«اختر الكتاب الذي يعجبك مجاناً، مبروك عليك» هذه العبارة يرددها صاحب مكتبة رصيف محمد المغربي لكل من يقصده، ففي المكتبة موسوعات وكتب مفرزة جديدة مقدمة من قبل أشخاص متعاطفين مع ظاهرة «المغربي» وأخرى قديمة ومبعثرة، تتوسطهما كتب قيد الفرز لمسحها من الغبار والإهمال، تمهيداً لعرضها على الرصيف.
يقول بائع الكتب: «مشيت في الطرقات بحالة صدمة كبيرة، خالي اليدين معدوماً، انتابني شعور فظيع، لم أكن أعلم ماذا أفعل حتى وصلت إلى هذه المنطقة متعباً فنمت على كرتونة، وبدأ مشوار حياتي كمشرّد وبدأت أجمع الكتب، وقبلت أول مساعدة عبارة عن موسوعة كتب من شخص لا أعرفه».
والتشرد والهجرة والترحال ظاهرة تعود اللبنانيون على وجودها في الآونة الأخيرة بسبب الأزمة الاقتصادية التي يمر بها البلد، حيث تغيب الدولة بشكل تام، فيما تسعى جمعيات محلية ودولية للحد من هذه الظاهرة لتحسن حياة المشردين وتؤمن لهم حياة كريمة.
مكتبة «رصيف» استقطبت الأنظار، يعيش محمد المغربي بين كتبه، يبيع ما تيسّر منها للاسترزاق. حوّل ظلمة جسر حديدي إلى واحة كتب. واشتدّت الأنظار إليه حين زاره وزير الثقافة اللبناني محمد مرتضى وقدّم له مجموعة من الكتب كـ»هدية» بعدما استمع إلى قصته و«أخباره» لمدة ساعة ودوّن إهداء جاء فيه «تشرفت اليوم بزيارة الأستاذ محمد المغربي الذي يأبى إلا ان يمارس الثقافة بأبهى تجلياتها حتى في أحلك الظروف العامة والشخصية. احترام وتقدير».
وتحدث المغربي عن زيارة وزير الثقافة إلى منزله وأكد أنه لم يعده بشيء وكان الحديث معه شيقاً، فهو رجل متواضع وشرحت له قصتي التي نالت اهتمامه، وهذه الزيارة لن انساها أبدا وحفرت في قلبي.
يقتات المغربي محتويات مكتبته من التبرعات، ويبيع كتباً مكدسة لمن يشاء ويهب بعضها لمن لا يملك مالا يدفع ثمنها، واتخذ من المكتبة تحت جسر الفيات بيتاً له، جدرانه من خشب وكرتون وكتب، تتوسطه موقدة حطب، يضع فراشاً للنوم وأغراضاً مبعثرة وبعضاً من الفاكهة التي يقدمها له المارة والمحسنون، وعلّق في واجهة المنزل بدلة من اللون البني الفاتح لاستعمالها عند الضرورة، ولا يأبه لأي عاصفة أو أي طقس عاصف أو ماطر أو مشمس.
ولا يفرق المغربي بين كتاب وآخر ويحكي بشغف عن الكتب ويعشق البعض منها خصوصاً المتعلقة بالأديب طه حسين «وجميعها جميلة» ولدى القارئ رؤية معينة فيتصفح الكتاب ويمكن أن ينال إعجابه أو لا، فيأخذ منه لمحة أو فكرة ترسخ في تفكيره، والقراءة توصل الإنسان مِن إلى.
المغربي الذي يؤكد مراراً وتكراراً بأنه لبناني، ولد في منطقة المزرعة، وأعلن البدء في وضع الآليات الممكنة لمساعدته اجتماعياً وحياتياً بعد التأكّد من أوراقه الثبوتيّة وبعض المعطيات الأخرى وأن لديه مشروعين يخطط لهما في المستقبل، الأول مشروع نقل بحري من الشمال مروراً من بيروت إلى الجنوب بمركب يعمل على البطاريات والطاقة الشمسية ولكن بسبب «الشريك المضارب سحبت المشروع في المرحلة الراهنة» والثاني إقامة معمل متكامل للحديد والصلب.
وخلال جولة «القدس العربي» بين الكتب التي حرق بعضها والمحتويات المتهالكة والموزعة بشكل فوضوي على الرصيف تحت الجسر الحديدي، يروي المغربي الأسباب التي أوصلته إلى هذه الحال، وبدأ بالتعريف عن نفسه قائلاً: «أنا مهندس خريج جامعة القاهرة، أبلغ من العمر 78 عاماً، منذ حوالي السنتين أعيش في هذا المكان، ومع ذلك أحمد الله على نعمته، أمارس حياتي كما بقية الناس، آكل وأشرب». وأضاف: «كان لدي غاز لكن للأسف سرق، ولأن الحاجة أم الاختراع أدبر أمري بموقد على الحطب، وفي المحطة المجاورة أستحم» وتابع: «بت مقصداً للعديد من الشبان الذين يزورونني لتبادل الحديث معي والاستفادة من خبرتي». وعن مكان إقامته قبل ذلك قال: «في منزل يعود لصديقي في منطقة ميرنا الشالوحي شرق بيروت، إلى أن انتهى به الحال بهدمه، ليعاكسني الزمن وأصبحت بلا مأوى». وحول ما إذا كانت لديه عائلة أوضح: «توفيت زوجتي منذ زمن تاركة لي ثلاثة أولاد، شابان يعيشان الآن في الغربة وبالتحديد في أفريقيا وفتاة متزوجة، لا أدخلهم في همومي ومشاكلي، فقد ربيتهم بدموع العين وأتمنى لهم حياة سعيدة».
وعن كتبه يتابع: «أنا أعشق الكتب، فالعلم نور، أفتح عيني في الصباح أمسك الكتاب وأبدأ القراءة، فمن خلاله أنسى الواقع وأسافر إلى المكان الذي يأخذني إليه، أستمتع بكل كلمة، ويمر الوقت من دون أن أشعر».
وعن الكتب المفضلة لديه، قال: «جميعها، فلكل منها أسلوبه ونكهته الخاصة، لكن أحب كثيرا عميد الأدب العربي طه حسين، فهو من أعلام الحركة الأدبية العربية في العصر الحديث». وفيما إن كان يبيع الكتب أجاب: «لا يهمني المال، فمن يطلب كتاباً ولا يحمل نقوداً أقدمه إليه بكل سرور، ما يهمني ألا تندثر القراءة، وألا ينقطع حبل الثقافة».
عندما اشتعلت النيران في مكتبة المغربي قبل أشهر، وأتت على بعض محتوياتها، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان بخبر اشتعال النيران في مكتبة «رصيف» وأثارت استياء كبيرا لدى الرأي العام، وطرح ناشطون علامات استفهام عن الأسباب التي دفعت شخصا إلى الإقدام على جريمة إحراق مكتب رجل في العقد الثامن من عمره يتخذ من جسر في بيروت مأوى له، اشتهر بثقافته وحبه للكتب.
وظهر المغربي في مقطع فيديو أثناء الحريق جالساً على كرسي يراقب ضياع كتب كانت بالنسبة إليه كل شيء.
الممثل والكاتب المسرحي اللبناني زياد عيتاني نشر صورة لكتاب بعد حريق المكتبة عبر صفحته على «تويتر» معلقاً: «ما تبقى من مكتبة محمد المغربي تحت جسر الفيات».
كما نشر الإعلامي سلمان العنداري فيديو الحريق وعلّق على الحادث بالقول: «يعيش تحت جسر الفيات في بيروت في تشرّد وقهر ومعه مئات ومئات الكتب يجمعها ويقرأها ويبنيها كمنزل لعله يشعر بالدفء. قام مجهولون بإحراق الكتب برمتها وإحراق بقعته الوحيدة حيث يعيش في العراء. من أين لهم كل هذه الأذية وكل هذا الكره؟ ألا يكفي هذا الرجل مأساة وقهرا وتشردا؟».
أما الصحافي اللبناني عمر حرقوص فكتب: «بائع الكتب يقف محروق القلب بعد اشتعال النيران بالكتب التي يحاول بيعها في بيروت. المدينة الجميلة تكتب سيناريو نهايتها بأشكال مختلفة».
وأطلق ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي حملات لجمع التبرّعات للمغربي، كما استعدت مجموعة المهندسين من «النقابة تنتفض» لتنظيم المكتبة وبناء «كيوسك» من الخشب للمغربي.
إلا أن المغربي يرفض أن يلجأ إلى أي جمعية، فجمعيات عدة عرضت عليه المساعدة، إلا أنه يصر على العودة إلى منزله فقط.