حرب الأيام الستة، التي حلت ذكراها الـ 55 هذا الشهر، تشكل نقطة انعطاف تاريخية في تاريخ دولة إسرائيل، مثلما أيضاً في علاقاتها مع العالم العربي المحيط بها؛ إذ أحدثت الحرب صدعاً أول في سور العداء والرفض العربي الذي استند حتى ذلك الحين إلى الإيمان بأن العرب سيتمكنون من هزيمة إسرائيل وتصفيتها في نهاية المطاف.
غير أن الحرب تشكل أيضاً علامة مهمة في تاريخ النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، إذ إن نتائجها “خلقت”، عملياً، الشعب الفلسطيني.
في مسعى للدفع بالرواية الفلسطينية إلى الأمام وبمطالبة الملكية على بلاد إسرائيل، يسير الفلسطينيون شوطاً بعيداً جداً ليس فقط في الادعاء بأنهم سبقوا المستوطنين الصهاينة في أواخر القرن التاسع عشر، بل وحتى بني إسرائيل؛ إذ إنهم – وهكذا يدعي الفلسطينيون – أنسال الكنعانيين الأوائل، الأمر الذي يكسبهم حقاً أول في البلاد.
غير أن لإعادة كتابة التاريخ وفي واقع الحال تزويره والتعلق بالكنعانيين وباليبوسيين، أسياد القدس قبل أن يحتلها الملك داود، لا يوجد من يشتريها حتى في أوساط الفلسطينيين أنفسهم. والدليل أنه عندما يدمر هؤلاء بقايا أثرية على نحو منهجي وبهدف شطب كل ذكر لماضي البلاد اليهودي، فإنهم لا يفوتون أيضاً المكتشفات والمواقع من العهد الذي سبق احتلال بني إسرائيل للبلاد.
بالمقابل، يسود ادعاء يجد أذناً مصغية لدى إسرائيليين كثيرين أيضاً، وبموجبه فإن الحركة الوطنية الفلسطينية هي صورة مرآة للصهيونية، وأنه ينبغي النظر إلى ظهورها في بداية القرن العشرين كنوع من الرد من السكان المحليين على التحدي الذي وضعته أمامهم الحركة الصهيونية التي سعت بمعونة البريطانيين إلى إسكان البلاد وإقامة دولة يهودية فيها.
لكن الحقيقة أن حرب الأيام الستة تحديداً هي التي جعلت عرب بلاد إسرائيل فلسطينيين دفعة واحدة.
حتى حرب الأيام الستة اعتبر سكان يهودا والسامرة، حتى في نظر أنفسهم، كأردنيين، وعلى أي حال كانوا يحملون المواطنة الأردنية.
صحيح أن أريئيل شارون عاد وادعى بأن “الأردن هو فلسطين” في كل مرة طلب منه فيها أن يقدم حلاً للنزاع مع الفلسطينيين، غير أنه قول وضعه الملك عبد الله الأول، أبو جد الملك الحالي، الذي أسس مملكة الأردن وضم يهودا والسامرة إلى مملكته بعد حرب الاستقلال.
مقابل سكان الضفة الغربية، وجد سكان قطاع غزة أنفسهم يخضعون لحكم عسكري مصري تصرف مع القطاع وكأنه جزء من الدولة المصرية، ومفهوم أنه لم يتصور جعله كياناً مستقلاً.
وفي حزيران 1967 جر العرب إسرائيل إلى حرب لم يتوقعها أو يرغب فيها أحد. وكان ثمن مغامرتهم ضياع يهودا والسامرة وشبه جزيرة سيناء.
ملايين العرب ممن عاشوا حتى ذلك الحين كأردنيين أو تحت حكم عسكري مصري، أصبحوا رعايا لحكم إسرائيل، وفي لحظة واحدة “اكتشفوا” أو في واقع الأمر كان من “اكتشف عنهم” أنهم فلسطينيون. وكانت مطالبتهم في أن يعترف بهم كشعب ذي حقوق وطنية دعمتها الآن دول عربية لم تتصور قبل ذلك أن تقيم دولة فلسطينية في المناطق الموجودة تحت حكمها. أما الآن فقد سارعت لتبنيها كي تمس بإسرائيل.
ينبغي الاعتراف بأن انعدام الحسم، والتردد، وخصوصاً عزوف إسرائيل عن حسم أمرها إزاء المناطق التي احتلتها في حرب الأيام الستة، فما بالك أن تطالب بها لنفسها، هو خدمة للفلسطينيين الذين أصبحوا جيش الطليعة في الكفاح العربي ضد إسرائيل. فقد تجدر الإشارة بأن عرب إسرائيل أيضاً سارعوا للانضمام إلى الاحتلال، وبدلاً من أن يصبحوا جسراً لسلام إسرائيلي – عربي ونموذجاً للحياة المشتركة، تبنوا هوية فلسطينية صعّبت منذ حزيران 1967 انخراطهم في المجتمع الإسرائيلي.
في نهاية المطاف، خضعت إسرائيل لما كان يبدو كمسيرة حتمية وغير قابلة للتراجع، في اتفاق أوسلو عام 1993 حين اعترفت بالفلسطينيين كشعب وبـ م.ت.ف كممثل لهم.
وهكذا، بفضل انتصار إسرائيل في حرب الأيام الستة، ولد الفلسطينيون.
بقلم: أيال زيسر
إسرائيل اليوم 12/6/2022