لم تكن الحاجة إلى الفكر العقلاني ترفا فكريا في يومٍ من الأيام، وإنما كانت من صميم الواقع الذي يعيشه الإنسان بكل ما يُحيطه من التباسات متشعبة في مرجعياتها، تأخذه بعيدا عما ينبغي أنْ يكون عليه من تحد للواقع، ومعالجة لتلك المتغيرات بما ينسجم وطبيعة وعي المرحلة التي يعيشها المجتمع. وهنا يبرز الفكر العقلاني طريقا يأخذ بصاحبه إلى قراءة تلك المتغيرات وفق نظرة واقعية، تستلزم الجدة والموضوعية من جانب، ومسايرة العلم في تطوره وجدلية تداخله في مرافق الحياة بأجمعها من جانبٍ آخر.
ومن هنا نستذكر ما قدمه أحد أبرز الأقلام الجادة والرصينة في مجال البحث الاجتماعي والفكري في الوسط العربي عموما والعراقي خصوصا، ألا وهو المفكر الراحل فالح عبد الجبار، ذلك المفكر الذي سخر إمكاناته المعرفية في قراءة متغيرات الساحة الفكرية العراقية بما يتصل بالجانب الاجتماعي، ذلك الميدان الذي تخصص فيه، وكان جديرا أنْ يكون امتدادا لمدرسة علي الوردي في تحليل الواقع الاجتماعي العراقي في مشروعه السوسيولوجي: (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) وذلك في مشروعه الفكري (العمامة والأفندي) الذي توقف فيه مليا على تحليل الواقع الاجتماعي لنشأة الأحزاب والحركات الإسلامية في العراق بعد منتصف القرن العشرين، ومرجعياتها الثقافية والدينية والسياسية التي أهلتها أن تكون زعامات سياسية تأخذ دور المعارضة السياسية في زمن نظام الحزب الواحد منذ أواخر الستينيات وما بعدها..
هذا الجهد العلمي المبذول، كان تتويجا لعملٍ سابق لعله الأكثر جدية وريادة في هذا السياق، وهو الذي تصدر كتاب: «المادية والفكر الديني المعاصر ـ نظرة نقدية» ففي هذا الكتاب الذي صدر في أوائل الثمانينيات، تجد في المقدمة، أن الراحل، كان قد وضع القارئ أمام ثلاثة أهداف وكل هدفٍ يتعلق بالآخر ويرتبط به ارتباطا سببيا، فالهدف الأول الذي أراد الوصول إليه هو: «الكشف عن واقع القوى الدينية المعارضة من وجهة نظر مادية هي نقطة انطلاق الكتاب» وهذا الوضوح الذي انطلق منه، لأجل أن يكون القارئ – المتلقي- على علمٍ بأن المنهج (المادي/ الديالكتيكي) هو القادر على مناقشة الأسس النظرية التي ادعتها تلك الأحزاب الإسلامية، في برامجها السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي نظرت لها، وروجت لها في أدبياتها ووسائل الإعلام الخاصة بها، في مسعى لتحشيد أكبر عدد من الجماهير تحت ألويتها.
وفي مناقشة هذه الأسس، من وجهة النظر المادي لها، يتطلب «معالجة وقائع فعلية، ورؤية الأشياء كما تجري حقا لا كما تبدو، أو نتمنى أحيانا أن تبدو» وتظهر النزعة النقدية دون مواربة في هذا الهدف، عبر انتقاد تلك النزعة «الشعاراتية» التي انهمك بها منظرو تلك الأحزاب وقادتها؛ لبعدها عن الواقع الذي يحكي خلاف ما كان عليه تنظيم تلك الأحزاب وما تسير عليه سلوكيا، أو بخلاف ما يمكن التعامل معه من أحداث ووقائع تتنافى وتلك «الطوباوية» التي يضعها منظرو تلك الأحزاب «حلولا سحرية» لمشاكل الحياة السياسية أو الاقتصادية أو غيرها من قضايا تهم الشأن العام.
ثم يأتي الهدف الثاني، وهو «فهم خفايا تفكير القوى الدينية، وما تقود إليه هذه الأفكار من الناحية العملية» وهذه «الخفايا» في حقيقتها ليست خفية على من يُحلل خطابات قادة تلك الأحزاب الإسلامية، فمن يستقرأها بعناية، ويتفحص مرجعياتها، يجد فيها الكثير من التناقض من حيث التضارب في المرجعيات الفكرية التي أخذت منها، من تراثية عربية إسلامية، إلى غربية مسيحية أو لا علاقة لها بالدين من الأساس، وهذا ما أثبته في تناوله ـ على سبيل المثال- مفهوم (الدولة) وتفسير نشوئها عند الإسلاميين، وخلطهم في التناول بين الفهم الاجتماعي المادي، كما هو عند ماركس أو لودفيغ فيورباخ أو أنجلز أو هيغل مثلا، والفهم المثالي المتداول في الكتب السماوية الممثلة للأديان الكبرى في العالم، بما يؤدي التوفيق بين الطرحين إلى تناقض، واضطراب يعكس اضطراب الوعي المفاهيمي عند منظري تلك الحركات السياسية، واتكائهم على تلك «الخلطات» التناقضية في الجانب التنظيري، التي لا تُفضي في المحصلة إلا إلى تشويشٍ في الوعي الذي ينبغي التعويل عليه سلوكيا في مقابل النضال ضد نظام شمولي متغطرس يقف بالضد منها، ولعل سلوكيات تلك الأحزاب الإسلامية في ظاهر خطاباتها، والمتنازعة في ما بينها على أي منها الذي يكون القائد الأوحد، ترجمت ذلك الاضطراب المفاهيمي الذي أشرنا إليه آنفا..
ما يُحسَب لهذا الكتاب، ما كان قد اعتمده الباحث من مصادر تمثل أدبيات تلك الأحزاب والحركات الإسلامية، ما جعلها مادة دسمة لمناقشتها، في ما تطرحه لقادتها المتصدين للحراك الإسلامي، أو المنظرين المنضوين تحت ألويتهم، وبهذا يكون النقد فاعلا ومُنتِجا، حين يقف على وقائع مادية ملموسة تمثل الطرف المنقود.
وهكذا الأمثلة تطرد في هذا الكتاب في تناول الكاتب قضية (الحرية) واستعراض أبرز وجهات النظر «الإسلامية» ومحاكمتها داخليا، وإيجاد التناقض البنيوي في تلك الخطابات، أو مسألة (الانتخابات) وكيفية إسقاط النظام الشمولي، وتشكيل الحكومة البديلة، وصولا إلى برامج تلك الأحزاب في قطاع الزراعة أو الصناعة أو السياسة الخارجية وإدارة الملفات الدولية، دون إهمال لمسألة (الديمقراطية) وغيرها من الأمور التي تتصل بإدارة الدولة للتنوع المدني فيها، ففي كل تلك المسائل، تجد الباحث يصل بقارئه عبر تفكيك خطابات قادة تلك الأحزاب، إلى «مواقف مزدوجة ومتناقضة» ولعل النتيجة التي خرج الكاتب إليها، تأكيدٌ لذلك التناقض في الطرح النظري الذي يُقابله بالنتيجة تناقضٌ في السلوك العملي، بقوله: «إن القوى الدينية العراقية تقول من جهة: إن من حق الشعب أن يختار شكل النظام، لكن عليه أن يختار نظام حكم إسلاميا، وفي النظام (الإسلامي) (المقترح نظريا أو المُطبق عمليا) يُقال إنه يحق للشعب اختيار ممثليه، لكن لا يحق له تشريع أي قانون دون موافقات من خارجه» ومن هذا الطرح، يأتي إلى خلاصة الموقف الفقهي، والسياسي، للقوى الدينية العراقية، ومراجعها الفكرية، وهي «أن الديمقراطية السياسية، التي تشكل وجها من وجوه الحرية الإنسانية، ليست حرية عامة للجميع، بل حرية مقصورة على نخبة محدودة تتمتع بحقوق تضعها فوق منزلة البشر، وبدلا عن البشر المتساوين، يظهر البشر اللامتساوون، وتتهاوى الحريات السياسية الواحدة بعد الأخرى، وينفتح الباب واسعا أمام حكم الحزب الواحد، والنخبة الواحدة»!
ما يُحسَب لهذا الكتاب، ما كان قد اعتمده الباحث من مصادر تمثل أدبيات تلك الأحزاب والحركات الإسلامية، ما جعلها مادة دسمة لمناقشتها، في ما تطرحه لقادتها المتصدين للحراك الإسلامي، أو المنظرين المنضوين تحت ألويتهم، وبهذا يكون النقد فاعلا ومُنتِجا، حين يقف على وقائع مادية ملموسة تمثل الطرف المنقود. والأمر الجدير بالإشادة، أن الباحث، لم يكن بعيدا عن أجواء ردود الفعل المتشنجة التي دوما ما ينطلق منها ممثلو التيارات الإسلامية وقادتهم، أو كل من يُحسب على هذا الاتجاه، في قمع الآخر المختلف فكريا معهم، وقذفه بالتهم الجاهزة التي من شأنها تضييع تلك الردود النقدية أدراج الرياح، فكان له أنْ يبدأ الفصل الأول من كتابه باستعراض المواقف الوطنية لرجال الدين والحركات الإسلامية بصورة عامة، مستظهرا اتجاهين في عموم تلك الحركات، كان للأول أن يبقى محافظا بصورة تقليدية، ولا علاقة له بمتغيرات الحياة الراهنة، وهذا الاتجاه كان معرِضا لانتقاد ممثلي رجالات الاتجاه الثاني، ممن أدوا «دورا بارزا ومهما في أولى المعارك الوطنية ضد الرأسمال الاحتكاري العالمي، الذي جاء بصورة فاتح كولونيالي» مستذكرا في ذلك العرض، ما شخصه جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده من أدواء للواقع الاجتماعي الذي يعيشه المسلمون آنذاك، الأمر الذي يؤكد «أنهم عاينوا مشكلات عصرهم معاينة راديكالية، منطلقين من الفكر الإسلامي، وتوصلوا إلى اتخاذ موقف الكفاح ضد الكولونيالية، بالكلمة الداعية، وبالتنظيم والعمل».
وفي مقابل هذه الثورية، يقف عند ممثلي الاتجاه الأول، ممن كانوا دائما العِصِي التي تؤخر حركة النهضة والتحرر، وكيف كانوا السبب في تغلغل التخلف بين أبناء الأمة العربية، واستقواء المستعمر، وعبر استشهاده بأقوال ممثلي الاتجاه الثاني، من كلمات ناقدة، مثل قول الأفغاني: «ما أقعدَ الهممَ عن النهوض إلا أولئك المترفون، يحرصون على طيبٍ في المطعم، ولينٍ في المضجع، وتطاولٍ في البنيان، وتفاخرٍ بالخدم والخيول» أو قولٍ للإمام الخميني يستدعيه بهذا الصدد، وهو يتحدث عن ممثلي الاتجاه الأول ممن آثر الدعة والراحة والجمود على مصالح الأمة وتحريرها من التخلف، «إن أكثر الذين.. تسببوا بانحراف الكثيرين وإضلالهم كانوا من المعممين» أو قوله مخاطبا طلابه في الحوزة العلمية: «إذا كانت حصائلكم العلمية.. للأهواء.. وتحصيل المركز الاجتماعي والوجاهة الدنيوية، فإنكم لم تحصّلوا إلا الوزر والويل والوبال» وعبر هذا الأقوال، وغيرها، يؤمن/ يُعبد فالح عبد الجبار، طريقه إلى نقد طروحات ممثلي الحركات الإسلامية في العراق، ويفوّت الفرصة على من يُحيل ذلك النقد ـ على وجاهته- إلى خلفيات الكاتب، أو توجهه المادي، مُصادِرا بالمُجمل مُنجزه في انتقادهم؛ بأن هنالك من قادة الحركات الإسلامية، من مارسوا الانتقاد بشِقيه: الذاتي والموضوعي لبعض من يُحسب على الدين أو المذهب، بما يُؤكد من طرفٍ خفي، أن ممثلي هذا الاتجاه ليسوا معصومين من النقد، مع احترامهم بوصفهم الإنساني، لكن طروحاتهم ليست معصومة من النقد، بغض النظر عن الخلفيات المعرفية التي تقف وراء ذلك النقد.
أستعرض هذا الكتاب، وأرى أن أمثال فالح في عالمنا اليوم قليل، ممن له القدرة على مناقشة الآخر مهما كان مختلفا معه، محافظا في الوقت نفسه على أدبيات الحوار، مستعينا بأدوات البحث العلمي، ومتسلحا بوعي عالٍ يُؤهله لخوض تلك السجالات المعرفية المُنتجة لصالح أمةٍ تبحث عن الأفضل من الحلول في واقعٍ مأزوم بالشعارات الجوفاء..
كاتب عراقي