من صداقة حميمة لعداوة لدودة إسرائيل وإيران: تشابك الحسابات واختلاط حابل المصالح الخارجية بنابل المآرب الداخلية

وديع عواودة
حجم الخط
3

من المستبعد أن تقدم إسرائيل على مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية رغم تهديداتها وإعلانها عن بدء التدرب على هكذا عملية معقدة وخطيرة لأن الإدارة الأمريكية ترفض الخيار العسكري.

الناصرة ـ «القدس العربي»:  طيلة عقود كانت إيران ترتبط بعلاقات تحالف وثيقة جدا مع إسرائيل حتى تفجرت الثورة الإسلامية فيها عام 1979 فانقلبت الصداقة لعداوة. وفي إشارة رمزية لوجهته سارع النظام الجديد لاستبدال السفارة الإسرائيلية في طهران بالسفارة الفلسطينية. منذ عقدين والتوتر بين الجانبين يغذي نشرات الأخبار المحلية والعالمية بعدما اعتبرت إسرائيل إعلان إيران نيتها بناء مفاعلات نووية لأغراض مدنية نوعا من إعلان الحرب عليها وهددت بقصفها كما فعلت مع مفاعل تموز في العراق عام 1981. لكن الحرب التي نشبت بين إسرائيل وإيران ظلت بالوكالة وفي الظل وغير مباشرة ضمن مسيرة طويلة يتصاعد فيها منسوب التوتر لحد الاحتكاك المباشر كما يحصل في الشهور الأخيرة بعدما حاولت إسرائيل منع تمدد طهران واقترابها منها عبر الجولان ولبنان وغزة ومنع تقدمها في تطوير أسلحة حليفها حزب الله اللبناني ووضع العصي في دواليب المشروع النووي. وتفاقمت الأزمة بعدما أقدم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على إلغاء الاتفاق النووي مع إيران عام 2016 وتأججّت أكثر فأكثر هذا العام بعد تعثر مساعي إحياء هذا الاتفاق وإقدام إسرائيل على سلسلة اغتيالات علماء إيرانيين ومهاجمة أهداف إيرانية في الداخل وفي سوريا وأحيانا بشكل صريح بخلاف الماضي، حيث تمّت الضربات أو دارت الحرب غير المباشرة خلسة وهذا ما يدفع المخابرات الإيرانية محاولة الثأر بالبحث عن طرق للمساس بإسرائيليين خاصة في تركيا وفق ما كشف في الأسابيع الأخيرة على لسان جهات تركية وإسرائيلية. وحرب الظل هذه لا تقتصر على الاغتيالات والضربات العسكرية بل تدور رحاها في حلبة السايبر حيث تكثف جهات إيرانية عمليات القرصنة ومحاولة اختراق حسابات عامة وخاصة بهدف التجسس وتشويش المرافق العامة في إسرائيل والنيل من هيبتها كما تجلى في محاولة اختراق بيت وزير أمنها بيني غانتس قبل شهور وغيرها. غير أنه من المستبعد أن تقدم إسرائيل فعلا على مهاجمة مباشرة للمنشآت النووية في إيران وتدميرها تحت عنوان عدم السماح بتكرار محرقة جديدة لليهود وذلك رغم تهديداتها المتصاعدة في السنوات الأخيرة بل إعلانها عن بدء التدرب على هكذا عملية معقدة وخطيرة لأن الإدارة الأمريكية الحالية ترفض الخيار العسكري وإن كانت تلوح به أحيانا. هذا ما يؤكده مراقبون وساسة إسرائيليون سابقون يأخذون بالحسبان قدرة أو عدم قدرة إسرائيل امتصاص ضربات مضادة من إيران ومن حلفائها في المنطقة حال خرجت التهديدات الإسرائيلية بهجمة واسعة لحيز التنفيذ ناهيك عن السؤال حول قدرتها على القيام بمثل هذه العملية الكبيرة بدون مساعدة الولايات المتحدة.

ويبدو أن اختلاط الحابل القومي بالنابل الحزبي والشخصي يديم أمد هذه الأزمة ويغّذيها. فاستنادا لتقديرات إسرائيلية أيضا يستخدم بعض القادة الإسرائيليين الملف الإيراني فزاعة من أجل تحقيق مكاسب سياسية وتسجيل نقاط شخصية كما فعل رئيس حكومة الاحتلال السابق بنيامين نتنياهو حسب اتهامات توجه له من قبل بعض خصومه القدامى والجدد أمثال رئيس الحكومة الأسبق إيهود براك وعدد غير قليل من المعلقين المحليين ممن يتقاسمون الرأي بأن نتنياهو وأمثاله في المعارضة والإئتلاف حاولوا ويحاولون استثمار الملف الإيراني لاصطياد عدة عصافير بحجر واحد. ويرى عدد كبير من هؤلاء أن التلويح بـ «الفزاعة الإيرانية» والتهديد بفتح حرب عليها من قبل جهات إسرائيلية يهدف ترهيب الإسرائيليين ودفعهم للبحث عن «قائد قوي» أو إعادة انتخابه كما في حالة نتنياهو. هذا لجانب أهداف خارجية منها البحث عن تعزيز التطبيع مع دول الخليج، وصرف أنظار العالم عن القضية الفلسطينية ومواصلة التمسك بلبوس الضحية في عيون العالم وزيادة المعونات الأمريكية لمشاريع عسكرية مثل بناء منظومة قبة حديدة تعمل بالليزر وكل ذلك من خلال المبالغة في تصوير التهديد الإيراني واعتبار إيران عملية علاقات عامة مجانية لإسرائيل من هذه الناحية.

الجغرافيا تمنع حربا حقيقية
بين إيران وإسرائيل

في المقابل يقول الخبير الأمريكي ديفيد دي روش إن إيران وإسرائيل في حالة حرب بالفعل؛ لكنه يصفها بـ«حرب بالوكالة» منذ اندلاع الثورة الإيرانية، ومن غير المرجح أن يصل الطرفان إلى الحرب بالطريقة التي تخوض بها روسيا هجومها في أوكرانيا، فالمسافة والجغرافيا تستبعدان نشوب صراع طويل الأمد على الأراضي. في حديث لـ«الجزيرة» يُرجع هذا الخبير الأمريكي عدم نشوب صراع مسلح مباشر بين إسرائيل وإيران حتى الآن، ويعلل ذلك بالبُعد الجغرافي وعدم وجود حدود بين الطرفين، فيما تشهد العلاقات بين الدولتين تصعيدا مستمرا زاد من خطورته الجمود وتوقف مفاوضات فيينا، مع استمرار إيران في التقدم ببرنامجها النووي كما تشير آخر تقارير المنظمة الدولية للطاقة الذرية. ديفيد دي روش – وهو القائد العسكري السابق والأستاذ المساعد حاليا في مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الإستراتيجية في جامعة الدفاع الوطني التابعة للبنتاغون الأمريكي، يرى في الحديث المذكور إنه قد كانت هناك حرب مستمرة بالوكالة على مستوى منخفض بين إيران وإسرائيل طيلة عقود وعادة ما تهاجم إيران أهدافا سهلة يهودية (وليست إسرائيلية بالضرورة) مثل مركز الجالية اليهودية في بوينس أيرس بالأرجنتين، في حين تهاجم إسرائيل أهدافا وقادة عسكريين داخل إيران. ويتابع «ومع توسع الحرب في سوريا، استهدفت إسرائيل الوجود العسكري الإيراني في سوريا، في حين سعت إيران إلى تمكين مختلف الوكلاء مثل حزب الله اللبناني، ليس فقط من خلال توفير الأسلحة خاصة الصواريخ، ولكن أيضا بإمدادهم بوسائل تصنيع مثل هذه الأسلحة، وكان هذا أكثر وضوحا مع الطائرات بدون طيار. وفي الآونة الأخيرة، هاجمت إسرائيل منشأة إيرانية للطائرات بدون طيار داخل إيران، ما دفع إيران إلى مهاجمة منشأة في كردستان العراق وصفتها بأنها مركز تجسس إسرائيلي».

هجمات خارج إيران

وردا على سؤال حول مستقبل العلاقات بينهما يقول الخبير الأمريكي إن إيران وإسرائيل في حالة حرب بالفعل لكنه يستبعد أن تصلا إلى الحرب بالطريقة التي تخوض بها روسيا هجومها في أوكرانيا مثلا. ويعلل رؤيته بالقول «المسافة والجغرافيا تستبعدان نشوب صراع طويل الأمد على الأراضي. لكنّ ما هو أكثر ترجيحا قيامُ إسرائيل بهجوم جوي واسع النطاق ضد إيران ووكلائها وقواتها في سوريا ولبنان والعراق. ومن جهة أخرى، سيتركز الجهد الإيراني على هجمات ضد السفن التجارية في الخليج، وإطلاق صواريخ طويلة المدى ضد إسرائيل من سوريا ولبنان والعراق، وشن هجمات ضد دول تُعرّفها إيران بأنها أعداء، كالسعودية والإمارات. وستحارب إيران إسرائيل، كما فعلت منذ عقود، حتى آخر عربي». وردا على سؤال آخر يقول الخبير الأمريكي القريب من وجهة النظر الإسرائيلية، إن إيران تعد نفسها قائدة «محور المقاومة» ضد منظومة تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل تستهدف المصالح الإيرانية بالمنطقة. والأعضاء الآخرون في محور المقاومة هم حزب الله اللبناني وسوريا وقوى في العراق وحماس في غزة والحوثيون في اليمن. ويضيف «يعارض هذا المحور أي دولة تستضيف قوات أمريكية أو تعترف بإسرائيل. وهكذا، تنظر إيران إلى الاتفاقات الإبراهيمية بين البحرين والإمارات وإسرائيل على أنها تحدّ مباشر لمحور المقاومة وتهديد عسكري له». كما يرى الخبير ضمن قراءة المستقبل أن إسرائيل لا ترحب بحرب متعددة الجبهات، ولكنها أدركت أنها قد تضطر إلى خوضها، ولذا استعدت لعمليات على جبهات متعددة. مرجحا أن إسرائيل تشعر أن بإمكانها الاعتماد على علاقاتها مع روسيا وكذلك على قدرتها التقليدية على توجيه ضربات لإبقاء سوريا مهمشة أثناء الصراع. ويستبعد قيام حلفاء إيران لأسباب ذاتية بالتصعيد مع إسرائيل وهي من جهته برأيه لن تصّعد أعمالها العسكرية إلا إذا تعرضت للهجوم أو إذا وقع هجوم كبير على المصالح الإسرائيلية، مثل هجوم أسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا على مصالح أو جماعة يهودية في أوروبا.

تصاعد الحرب شبه السرية

ومنذ مطلع الشهر الحالي شهدت إيران موجة اغتيالات وتفجيرات داخلها ويبدو أن إسرائيل متشجعة من تغيرات في الموقف الأمريكي الذي سعى بوضوح لإحياء الاتفاق النووي مع إيران وذلك بتأثير من تداعيات الحرب الروسية في أكرانيا وربما هذا ما يشجع أقطاب حكومة الاحتلال للحديث علانية عن ضرب أهداف إيرانية على أمل أن يسعفهم ذلك في تحسين صورتهم في ظل إئتلافهم الحاكم المتهالك. جو بادين يبدو أنه قد خضع لحسابات المصالح الفورية وإدارته التي تبحث عن مخرج من ارتفاع أسعار المحروقات وتأثير ذلك على نتائجها في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، قررت القيام بخطوة إلى الخلف وإعادة إصلاح علاقاتها مع حلفائها في المنطقة، تحت عنوان واحد يجسد مقولة «عدو عدوي صديقي» و«التصدي للخطر الإيراني» نفس العنوان الذي يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت بات مقتنعا به في سعيه للحفاظ على موقعه الحالي ونجاة ائتلافه الحكومي الهش، مع استعداد غريمه السابق، بنيامين نتنياهو، للرجوع إلى الساحة السياسية الإسرائيلية مستفيدا من أخطاء خصمه السياسية والاستراتيجية وقلة تجربة وشرعية حكومته بعيون الإسرائيليين ممن لا ينظرون بعين الرضا اعتمادها على حزب عربي (القائمة العريبة الموحدة). وهذه الحسابات الأمريكية الجديدة هي التي تفسّر تصريحات وزير خارجية الاحتلال يائير لابيد الأخيرة بأن زيارة الرئيس بايدن في الشهر المقبل إلى الشرق الأوسط يمكن أن تساعد في احتواء التهديد الأمني الإيراني وتطبيع العلاقات مع السعودية. وقال لابيد إن زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن القريبة إلى منطقة الشرق الأوسط يمكن أن تساعد في احتواء التهديد الأمني الإيراني وتطبيع العلاقات مع السعودية ملمحا للعدو الإيراني المشترك.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية