وضع قرار رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر سحب نوابه من البرلمان والانسحاب من العملية السياسية، المشهد السياسي العراقي المتقلب أصلا أمام احتمالات عدة. وهو قرار يتوج فشل ثمانية أشهر من المشاورات بين الأطراف السياسية على تشكيل الحكومة بعد انتخابات تشرين الأول/أكتوبر العام الماضي. ويعبر قرار الصدر وتأكيده بأنه نافذ وغير قابل للإلغاء لأنه لا يريد المشاركة مع «الفاسدين» عن فشله بعد عدة أشهر من تحقيق حكومة أغلبية تستبعد الأطراف الشيعية الأخرى التي يتهمها بالفساد.
وهي نفس الأطراف الخاسرة في انتخابات العام الماضي إلا أنها حاولت التعويض عن خسارتها باللجوء إلى الأطر القانونية والتشريعية والمناورات لتعطيل «مشروع» الصدر. ولا يمكن تجاهل التأثير الإيراني وموقف الصدر منها والمطالب الشعبية منذ احتجاجات عام 2019 والأوضاع المعيشية الصعبة.
وليست هذه المرة الأولى التي ينسحب فيها الصدر من المشهد السياسي محتجا، فمنذ ظهوره على مشهد السياسة العراقي بعد الغزو الأمريكي عام 2003 انسحب أكثر من مرة، واختفى بدافع الدراسة الدينية أو النأي بنفسه عن المؤسسة السياسية في بغداد ومحاولة الاصطفاف مع المطالب الشعبية كما فعل عام 2019.
الفائز ينسحب
وهذه المرة كان انسحابه مختلفا باعتباره الفائز في انتخابات العام الماضي وبـ 74 مقعدا، وكان بإمكانه تشكيل حكومة توافق، إلا أن لجوء الكتل الخاسرة لتعطيل تحالفه البرلماني «انقاذ وطن» الذي ضم أحزابا سنية والحزب الديمقراطي الكردستاني، إلى الأطر القانونية أدى لفشله في تحقيق ما يريد، فهو وإن نجح بتعيين رئيس البرلمان، محمد الحلبوسي إلا أنه فشل بمسعاه لاختيار رئيس وزراء جديد (رشح له جعفر الصدر) وهو المنصب الأهم المخصص للشيعة بموجب المحاصصة التي جسدها دستور 2005. وفشل بتعيين رئيس للعراق، فقد تم رفض مرشح حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني هوشيار الزيباري للرئاسة بداعي أنه غير مؤهل. وتمسك الحزب الديمقراطي بالزيباري فيما أراد الحزب الكردي المنافس، الحزب الوطني الكردستاني الحفاظ على مرشحه وهو الرئيس الحالي برهم صالح. وأدى إصرار الطرف الديمقراطي على موقفه لانضمام الحزب الوطني للتحالف الشيعي المعارض للصدر.
انتظار الخطوة المقبلة
وأمام الفشل على المستوى السياسي في تغيير البنية الحاكمة يبدو أن الصدر شعر بالإحباط وقرر الخروج بشكل جماعي فاجأ أنداده السياسيين. ونقل موقع «ميدل إيست آي» (13/6/2022) عن زعيم الإطار التنسيقي الذي يمثل الأحزاب الشيعية المدعومة من إيران قوله «ليس من الواضح ما يحاول الصدر تحقيقه هذه المرة، وليست لدينا رؤية واضحة ما هي الخطوة المقبلة له وبالتالي لا نستطيع تحديد خطوتنا القادمة» وأضاف أن «نحن متأكدون من أنه محبط بسبب فشل محاولاته لتغيير العملية السياسية الحالية، ولهذا فخياره القادم هو الشارع». ويمكن للصدر بتأثيره على أتباعه وفصيله المسلح وموارده المالية التي تنافس ميزانيات بعض الدول المجاورة زعزعة المشهد السياسي كما فعل في العديد من المرات، بشكل أثار مخاوف من مواجهات شيعية – شيعية حول شكل الحكومة وإن كانت توافقية أو تمثل الغالبية الفائزة بمقاعد البرلمان.
تبادل التهديد
وبالتأكيد فقد أظهرت فصائل مسلحة حليفة لإيران وأخرى مرتبطة بالصدر مواقف معلنة تتعلق بشكل الحكومة المقبلة، ما أثار المخاوف على أمن العاصمة بغداد الهش والتي تتركز فيها مقرات 50 فصيلا مسلحا. وتبادلت الفصائل المسلحة التهديدات، حيث أصدرت «الهيئة التنسيقية لفصائل المقاومة الإسلامية» بيانا عبرت فيه عن خوفها من التشنج والتشدد وغياب العقل والمرونة الذي ينعكس على المجتمع العراقي و«يقود البلد إلى فتنة عمياء قد تهلك الحرث والنسل، لن يسلم منها أحد، وعندها لن ينفع النادمين ندمهم» ورد زعيم سرايا السلام الجناح المسلح للتيار الصدري بتغريدة على تويتر «جاهزون فانتظرونا».
وتعبر التصريحات والتهديدات المتبادلة عن مناخ قابل للاشتعال وسط أزمة سياسية يصر فيها كل طرف على مواقفه. ووصف ما يحدث بالمأزق السياسي ليس مناسبا لأن العراق ومنذ الغزو يعيش مأزقه السياسي، فلو لم يكن الاحتلال موجودا ليكون مسؤولا عن المشاكل، فهناك الأحزاب السياسية التي رهنت خياراتها بدول الجوار وخاصة إيران التي تمارس تأثيرها على العملية السياسية. وصنع حلفاؤها من ائتلاف دولة القانون، بزعامة نوري المالكي، وكتلة الفتح بزعامة هادي العامري الأزمة الحالية وأصروا على المحاصصة الطائفية ورفض «انقاذ وطن» لها. ورغم تأكيد الأطراف على استبعاد «الملف الأمني» من النزاع السياسي الحالي إلا أن مجرد الحديث عنه يعكس حالة التوتر في المشهد العراقي، كما أنه يعطي صورة عن حالة الانسداد في العملية السياسية التي وصف الصدر الخروج منها بأنه «تضحية من أجل الوطن والشعب لتخليصهم من المصير المجهول».
ماذا بعد؟
والسؤال هو ماذا بعد؟ في الوقت الذي سارع فيه رئيس البرلمان الحلبوسي بالمصادقة على الخروج الجماعي للصدريين، دافع في اليوم التالي من القرار عن موقفه وأنه حاول إقناع الصدر بالعدول عن قراره ولم ينجح. وقال إن النواب المستقيلين سيتم استبدالهم بالمرشحين الذين حصلوا على أعلى الأصوات في المناطق التي انسحب منها الصدريون، ما يعني أن البرلمان لن يتوقف عمله، رغم العدد الكبير من النواب المستقيلين. إلا أن قرار الصدر سيفتح الباب أمام زيادة أعداد النواب في الإطار التنسيقي. فبناء على الأرقام التي نشرتها الهيئة العليا للانتخابات، فالكتلة ستحصل على 50 مقعدا على الأقل، إضافة إلى 83 مقعدا في الوقت الحالي. وذكر موقع «ميدل إيست آي» أن قادة الإطار التنسيقي ناقشوا في اجتماع عقدوه يوم الأحد الماضي عددا من الخيارات، منها تقديم الشكر للصدر والمضي قدما في عملية استبدال النواب، أو تقليدهم وتقديم استقالاتهم لحل البرلمان والدعوة لانتخابات جديدة، وهناك خيار ثالث وهو فتح المجال أمام المستقلين لتشكيل الحكومة تحت إشراف الإطار التنسيقي. وحتى لو حل البرلمان وتمت الدعوة لانتخابات جديدة، فلن تتغيرالمعادلة الحالية في البرلمان، ذلك أن الكتل فيه محددة بناء على المقاعد المخصصة لكل منطقة بناء على حجمها والتمثيل الطائفي فيها، وستواجه الانتخابات لو عقدت مشكلة المشاركة الشعبية المتدنية، فغالبية العراقيين يشعرون بالإحباط من العملية السياسية والنخب الفاسدة التي لم تهتم ولم تساعد على إحداث تغيير في حياتهم اليومية. ومشكلة العراق السياسية نابعة أصلا من الأخطاء الناجمة عن دستور 2005 الذي رسم معالم العملية السياسية التي أكدت فشل أي حكومة بحل مشاكل البلد وأنتجت نخبا حريصة على مصالحها الخاصة وليس مصالح الشعب.
ومن هنا طالب المحتجون في العراق، كما في لبنان والسودان والجزائر بتفكيك نظام السلطة القديم والتخلص من المحاصصات أو مصالح التجار والعسكر.
فرصة
وتستفيد هذه النخب من الأزمات السياسية للحفاظ على مصالحها، وفي الأزمة العراقية الحالية هناك من يرى في الإطار التنسيقي فرصة للتخلص من إزعاج الصدر والمضي بالعملية السياسية بدونه. وهناك من يرى أن جهود المصالحة معه أو محاولة إقناعه العدول عن طريقه لم تعد مجدية. ومع ذلك فالمحاذير تظل قائمة، فالصدر شخص معروف بتصرفاته المفاجئة والمتهورة، إلا أن تحركه الأخير جاء نتاج إحباط من المشاركين في العملية والذين حاولوا منعه من تجريب صيغة جديدة بالسياسة العراقية. ففي الوقت الذي يشعر فيه منافسو الصدر بأن خروجه هو فرصة لهم وأن لديهم الوقت لتجريده من أوراق نفوذه إلا أنهم لا يتجاهلون نفوذه على أتباعه، وهو مثلهم لديه قوة عسكرية وترسانة سلاح، ما يعني أن حشره في الزاوية سيزيد من توتر الوضع. وحسب مسؤول في الإطار التنسيقي نقل عنه موقع «ميدل إيست آي» «نحن لسنا خائفين مما حدث ولكننا قلقون، قلقون لأن الصدر معروف بتهوره واستعداده لدفع منافسيه حتى النهاية، حتى لو عنى هذا خسارته الملايين من أتباعه». وأضاف «لا أعتقد أنه سيلجأ للشارع، بل سينتظر للخطوة المقبلة، ولا نعتقد أنه سيفعل شيئا قبل آب/أغسطس أو أيلول/سبتمبر وسنحاول احتواءه بدون تقديم أية تنازلات». لكن الفرصة لا تعني أن الفراغ الذي تركه خروج النواب الصدريين سيتم ملؤه بدون محاذير، فبحسب صباح كاظم بمقال نشر على موقع «أتلانتك كاونسل» (15/6/2022) قال فيه إن استقالة كتلة فائزة في الانتخابات وبكاملها تعتبر تحديا كبيرا للنظام السياسي العراقي. ذلك أن الصدريين لديهم قاعدة دعم شعبي قوية وقادرة على تحدي أي شخص. وهذا يتطلب حذرا من أي تيار سينتفع من المرحلة المقبلة وعليه المناورة بحذر لملء الفراغ. وعلى الطرف أو الأطراف المستفيدة التصرف بحكمة ومقاومة إغراء استبعاد الصدريين من المشاركة في الحكومة أو تقاسم السلطة معهم ومنحهم مناصب في الحكومة متناسبة مع وضعهم قبل انسحابهم من البرلمان. وحالة رفض التيار الصدري، وهذا متوقع، فيجب منح المقاعد لمستقلين بمشاورة معهم.
ولو فشلت جهود إقناع التيار الصدري، فهناك خياران، تمديد عمل الحكومة الحالية ومنحها التفويض الكامل للحكم ومن أجل التحضير لانتخابات مبكرة. أما الخيار الثاني، فهو تشكيل حكومة أخرى. ويتطلب الخياران موافقة البرلمان على حل نفسه وتعبيد الطريق للانتخابات، والتي لن تكون الترياق للأزمة السياسية التي يعتبر الصدر وبقية الأحزاب التي تعيد تبادل الأدوار فيها نتاجا لها. فالمعضلة لن تنتهي، لو افترضنا أن الإطار التنسسيقي حاز على مقاعد كتلة «انقاذ وطن» بحيب أصبح لديه 151 مقعدا فسيظل بحاجة إلى69 مقعدا لتشكيل الحكومة. وهو بحاجة للتحالف مع بقايا «انقاذ وطن» السنة والأكراد، ولو حدث هذا، فالصدر وأتباعه يستطيعون الإطاحة بالحكومة في أشهر، وليس هذا افتراضا، بل واقعا، ذلك أن التيار الصدري بنى شعبيته على ظهر ثورة تشرين 2019 والتي أطاحت بحكومة عادل عبد المهدي، وهناك إمكانية لتكرار تجربة «أصحاب القبعات الزرقاء» عندما أمر الصدر أتباعه بتوفير الحماية للمتظاهرين ليتخلى عنهم لاحقا. وسواء نجح الإطار التنسيقي أو أقنع الصدر بالمشاركة في الحكومة، فالسياسة العراقية، مثل الصدر لا يمكن التكهن بها، ففيها يتم استعادة الخلافات التاريخية والشخصية، ما يجعل التسوية صعبة. وما هو واضح أن المناورات ستستمر طويلا بدون أن نستبعد لجوء الأطراف لتسوية الخلافات بالقوة. ولا يعني انسحاب الصدر من الحياة السياسية وتعهده بألا يكون مع الفاسدين نهاية المسرحية، فالمسرح مفتوح على مشاهد مقبلة، قد يكون منها عودة جديدة للصدر.