كانت الشهور السبعة الماضية حافلة بالقلق، والانفصال السياسي، والتداعي في قواعد راسخة بين القوى التقليدية التي رسمت مراحل إدارة الحكم في بغداد منذ العام 2005. القواعد التي رسخت نقاط مرجعية لملامح الحكم والإدارة في بلد يعاني الفساد المستشري، والانهيار في الخدمات، والتراجع الكبير في مستوى المعيشة، والفلتان الأمني، والفوضى السياسية والقيمية، والتيه بين الانجرار للتحالفات الإقليمية أم إرضاء الغرب أو الإنطواء السلبي على الذات. هذه القواعد المتينة لتلك المرحلة، والتي ترفض محاولات البعض من قادة الحراك السياسي التاريخي الخروج عليها كانت قاب قوسين من التداعي المدوي لولا ظهور المُتمرد الرئيسي عليها في 12 حزيران/يونيو الماضي وهو يعلن الانسحاب وكتلته التي هي الأكبر في البرلمان من المشهد بشكل كامل، وترك الساحة للجماعة السياسية المنافسة له، والتي تصرّ الإبقاء على النموذج السابق الذي يعتمد على المحاصصة، بصورة فيها الكثير من الاقتناع بإنها الطريقة الوحيدة التي تبقي لهم موطئ قدم في سدّة الحكم، وتحمي البلاد من نوع جديد من القيادة قد تبعدهم في المستقبل عن إدارة البلاد. أي القبول بواقع الحال المرتبط بفشل الدولة على تجربة نموذج جديد من الحكم قد يكون أكثر فاعلية لمواجهة مشاكل البلاد، ولكن يخسرهم حصتهم في المناصب والنفوذ.
انسحاب الصدر صاحب الكتلة الأكبر ضيّق التحرك على شركائه، وهم فريق الحلبوسي الأكبر بين العرب السنة، والحزب الديمقراطي الكردستاني الأكبر بين الأكراد، وترك مُخالفيهم في حيرة بين المضي قدماً واستغلال غيابه هذا لصالحهم وبين البحث عن حلّ مُرتبط بإقناعه عن العدول عن قراره والسير في تشكيل حكومة مُتفق عليها أم ترك البلاد تسير إلى مرحلة انتخابية جديدة قد تعيد الدورة السياسية إلى بدايتها التي لا ينتج عنها شيء جذاب. هذا كله كان في عموم العمل السياسي العراقي العام هذه الأيام في حين لا يبدو المشهد السياسي في إقليم كردستان أكثر تفاؤلاً وارتياحا عن بغداد. الطرف الحليف مع الصدر تبدو عليه علامات الاستغراب من الانسحاب الشامل هذا، ويحاول التفكير في كيفية إبقاء فرصته بالتنعم بكونه الكتلة الكردستانية الأكبر في برلمان بغداد قائمة. ويعمل على عدم ترك المجال لخصمه في السليمانية اقتناص الفرصة التي تركها تحول كتلة الإطار التنسيقي القريبة من إيران إلى الكتلة الأكبر في برلمان بغداد بعد استقالة كتلة الصدر منه. الخصامات والحسابات الجديدة كلها تؤثر على ما سيشهده الإقليم من تطورات سياسية مرتبطة بالوضع الاقتصادي الصعب، والاحتقان الاجتماعي العام على الحكومة، والتي بدورها من المُفترض أنها تستعد لانتخابات برلمانية محلية خلال الأشهر الثلاثة المقبلة والتي قد تشهد تأجيلا لبضعة شهور يفيد الحزبين وقواعدهم في وجه معارضة قد تتعاظم مع الوقت ضدهما.
الصدر لا يتسع صدره للفاسدين
كان انتصار الصدر في البرلمان (73 مقعدا) وحصوله على الكتلة الأكبر الحدث الأكثر ضجةً في بغداد خلال النصف الفائت من العام. الرجل الذي لعب دورا في كل الحراك السياسي والأمني في المركز منذ إسقاط حكم الديكتاتور صدام حسين واحتلال الأمريكان للبلاد، لم يكن هو بحدّ ذاته مرشح واشنطن التي تنسحب من الشرق الأوسط، ولا رجل الخليج المُحبب، ولكنه، وحسب المصادر الكثيرة ليس إداة إيران الطيّعة في العراق. لذا، كان ظهوره بهذا الموقع سببا في القراءات السياسية الحذرة. جرّ الرجل الذي يأس من أسلوب الحكومات التوافقية الشيعية إلى صفه الكتلة الأكبر بين السنة والأكبر بين الكُرد لكي يبني مظلة كبرى اسماها تحالف «إنقاذ وطن» يمكنه من خلالها بناء ما يعتقد أنه ضروري لعراق جديد. لكن، هذا كله لم يمكنه من التقدم في خطته. فقدرة المنافسين، الذين شكلوا تكتلا اسموه الإطار التنسيقي والمشتركين في قرابتهم الكبيرة من طهران، وبدعم من الغطاء القانوني الذي قدمته المحكمة الاتحادية لهم سواء عن عمد حسب بعض الجهات أو عن غير عمد حسب البعض الآخر، دفعه إلى تفضيل الوقوف خارج الحلبة، وتركها ضعيفة وغير ذات قيمة، على الانخراط غير المناسب له بها. انسحابه فيه الكثير من الخلل السياسي على حلفائه، وفيه الكثير من الخوف على مصير أي حكومة ستتشكل من الأطراف الباقية.
الكثير من المتابعين يدركون أن مصير أي حكومة مقبلة، وتيار الصدر خارج البرلمان، هو مصير هش كون الالتفاف حول هالة الرجل والذي يعتبر أهم شخصية سياسية في العراق بعد المرجعية الشيعية، في الشارع الشيعي في ازدياد. بالتالي، فإن قدرته على الضغط من الشارع على الحكومة المرتقبة أصبحت أشد وطأة، وهذا ما يدفع الكثير من القوى السياسية الشيعية لمحاولة فتح قنوات اتصال لدفعه وتياره للعدول عن القرار أو حتى تجسيد ما قاله النائب الثاني لرئيس مجلس النواب العراقي والقيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني شاخوان عبدالله في 14 حزيران/يونيو عن ان «العقلانية تتطلب أن تتشكل الحكومة بمشورته لانه هو صاحب الكتلة التي حازت على أعلى الأصوات». في تلميح واضح لوزن تياره وإن كان خارج البرلمان.
التباعد الكردستاني المُتعاظم
بدأت القوتان الرئيسيتان في كردستان العراق الاستشعار بالخطر مع الوضع الاقتصادي المتعب، وصعوبة بناء تحالف كردستاني، وزيادة المخاطر الخارجية المباشرة على الإقليم، بانكماش واشنطن، وعدوانية تركيا، ومكائد إيران وهجمات حلفائها المباشرة على الإقليم.
ونتيجة لتراكم الخلافات وظهورها على السطح في الخلاف المباشر على منصب رئاسة الجمهوية، والذي يعتبره الاتحاد الوطني من حصته التي لا يتنازل عنها، والخلاف على الميزانية المحلية، وتصاعد النقاش حول حقيقة وجود إدارتين على الأرض، استبشر الساسة في الإقليم ببعض الأمل بعد الزيارة التي قام بها وفد من المكتب السياسي للديمقراطي الكردستاني في 25 ايار/مايو الماضي للقاء وفد من الاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية، وبحضور رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني ورئيس الاتحاد بافل طالباني والذي أصبح الزعيم الأوحد للحزب في تلك الفترة.
وإن لم تسفر اللقاءات عن شيء ملموس وواضح، ولكن تبعتها زيارة وفد بقيادة بافل طالباني لرئيس وزراء الإقليم مسرور البارزاني في أربيل في 11 حزيران/يونيو الجاري للتباحث حول القضايا العالقة. هذه التحركات لم تظهر بنتائج مشجعة بعد. ولكن، انسحاب الصدر عزّز فرص الاتحاد لفرض مرشحه للرئاسة على حساب الديمقراطي الكردستاني الذي يملك الكتلة الكردية الأكبر في بغداد. ويظهر من التصريحات والبيانات من الأطراف القريبة من الإطار التنسيقي أنها ماضية في تحالفها وهدفها لتسيّد الحكم في بغداد. وبالتالي، تهميش كتلتي الديمقراطي وتقدم التابعة للحلبوسي القريب من بعض دول الخليج في التوزيعات المناصبية المقبلة. هذا بحد ذاته سيبني لصراع سياسي مرير بين القوتين الرئيسيتين في الإقليم قد يدفع لتباعد أكبر بينهما. وقد يدفع في حال انجرار «الاتحاد» لفرض رؤاه في بغداد «الديمقراطي» لمعاقبته داخل الإقليم. وخاصةً أنه يملك الكتلة الأكبر في برلمان الإقليم أيضاً، ولكون الانتخابات البرلمانية أصبحت على الأبواب.
مفاوضات إيران وغمامة العراق
قبل ما يقارب الأسبوع بدأت ملامح انهيار المفاوضات بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجموعة الخمسة زائد واحد. حكومة بايدن بدأت الترويج لفشل فرص إحياء الاتفاق النووي المبرم عام 2015 مع طهران. هذا الترويج والتمهيد دفع إيران إلى الابتزاز، وقامت بإزالة معدات المراقبة في موقع مشبوه ما دفع مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي في 10 حزيران/يونيو الجاري إلى القول إن إيران وجهت ضربة شبه قاضية لفرص إحياء الاتفاق النووي. هذا التطور في ملف التفاوض سيدفع إيران إلى المزيد من التغلغل والتشدّد في الساحة العراقية لحماية موقعها المحاصر، وسيدفع حلفائها إلى محاولة فرض رؤاهم وتعزيز مواقعهم لإضعاف واشنطن وحلفائها وحلفاء دول الخليج القريبة منها في العراق. لكن، التغلغل الكبير لتلك القوى القريبة من إيران سيزيد من تراجع العراق دولياً. وقد يدفع بعض الدول إلى فرض عقوبات عليها مع الوقت.
هذا النوع من التغلغل لم يكن ممكنا بتلك السهولة لولا انسحاب التيار الصدري من المشهد بتلك الصورة المدويّة. لكن، من الممكن ان تكون إيران بالدهاء المطلوب لجرّ الفريقين الحليفين للصدر والمحسوبين على غير إيران للتعاون مع الإطار التنسيقي في مهمة تشكيل الحكومة إن سارت في ذاك المسار لكي تحاول إظهار تنوّع التصورات في تلك الحكومة. هذا التصور قد يدفع بظهور الخلل بين الجماعات التي تشكّل الإطار التنسيقي منه وله. لن يكون سهلا على الاتحاد الوطني على سبيل المثال تقبل منح الرئاسة للديمقراطي الكردستاني على حسابه لصالح تمرير الرؤية الإيرانية التي تبحث عن التماهي مع الخارج. شيء من الكسب في زاوية والخسارة في زاوية ثانية. والحديث هذه الفترة لبعض القوى الخارجة عن سرب الجماعات الفائزة الكبرى عن ضرورة ظهور حكومة من المستقلين سيكون بحد ذاته تشكيلا حكوميا لمستقلين محسوبين على التيارات الرئيسية أي ظل غير رسمي لهم. ذات الدوران السابق من دون فائدة مرجوة.
التدخل الإيراني، والذي لم ينجح في إقناع الصدر بالتنسيق مع الإطار التنسيقي خلال الأشهر الماضية، سيتعزّز عندما تَستشعر إيران إنها ماضية في العزلة أكثر. عزلة وعقوبات مرتبطة بملامح فشل المفاوضات التي بدأتها حكومة بايدن. وخاصة أن الانتخابات النصفية الأمريكية على الأبواب وفرص صعود المتشددين ضد إيران هناك في تزايد. عليه، سيؤدي انجرار حلفاء إيران لسياساتها بصورة أكبر إلى زيادة غضب مخالفيهم وتحالفهم فيما بينهم ضدها. وهذا ينطبق على السياسة المحلية في الإقليم الذي يتفادى الغرق في قضية تشكّل إدارتين لديه قد يقسمه عامودياً ويتسبب في ضعفه الواسع فوق كونه منهك حالياً.
أن هزة التيار الصدري الأخيرة وما يتبعها من خلافات كردية كردية كانت موجودة قبل انسحاب التيار، والوقائع المحلية الداخلية الصعبة للعراق والتطورات السياسية الدولية والإقليمية لن تكون سهلة الابتلاع على العاملين في الشأن السياسي العام. لن تنجح الطفرة المالية المؤقتة المُرتبطة بارتفاع أسعار النفط في التغطية على الانتكاسة السياسية الأخيرة للعراق. قدرة الصدر على الفوز، وقوته على اتخاذ قرار من نوع الاستقالة الجماعية لتياره، وتركه حلفائه وحيدين، ومعرفة مخالفيه عجزهم عن بناء مسار دستوري وقانوني مقبول اجتماعياً ودولياً دونه، تسبب في زيادة الاصفاد على مستقبل الحراك السياسي بالعراق. ضمن هذا الواقع السوداوي في بغداد تخشى القوى الكردستانية في الإقليم من تبعات قد تزيد عن قدرتها على التحمل وتدفع البعض من تلك التيارات المحلية إلى ارتكاب هفوات سياسية قاصمة لا يمكن مع الوقت لملمة نتائج تصرفاتها. محاذير كبيرة تضيف حرارة على الساحة العراقية الساخنة سخونة شديدة توازي صيفها الحارق.