الشركات الصينية تطارد الأمريكية في الشرق الأوسط فمن يكسب السباق؟

إبراهيم نوار
حجم الخط
1

ضمان إمدادات الطاقة واحد من أكبر محركات المنافسة بين الولايات المتحدة والصين في الشرق الأوسط. وهو المحرك الذي يقع في قلب استراتيجية كل من الدولتين تجاه تلك المنطقة. ونظرا لأن الصين هي فعليا القوة الصناعية الأكبر في العالم، أو لنقل هي «مصنع العالم» فإنها لا يمكنها أن تفرط في مصالحها بسهولة. وفي هذا السياق فإن علاقاتها بالمنطقة اتخذت مسارا أكثر وضوحا منذ إعلان مبادرة «الحزام والطريق» حيث تمثل منطقة الشرق الأوسط، من شرق المتوسط إلى شمال المحيط الهندي، ومضيق جبل طارق، حلقة أساسية من حلقات طريق الحرير البري والبحري، الذي يصل الصين بأسواق العالم في أوروبا والأمريكتين؛ ذلك أن توسع الصين شرقا يصطدم بالحاجز الشرقي المتمثل في اليابان واستراليا ثم الولايات المتحدة، وهو ما يجعل طريقها إلى العالم يتجه غربا وليس شرقا، ولا بديل أمامها عن ذلك. وفي الوقت نفسه فإن الولايات المتحدة بعد أن خفضت درجة أهمية المنطقة في استراتيجيتها منذ منتصف العقد الحالي على الأقل، أدركت مع نشوب الحرب الأوكرانية أن أهمية المنطقة يجب أن تعود كما كانت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأن انتقال محور الصراع الرئيسي في العالم شرقا ناحية الصين لا يسمح للولايات المتحدة بالتفريط في مكانتها الاستراتيجية بالمنطقة.
وقد أشعل السباق على النفوذ الاقتصادي في الشرق الأوسط حرب مطاردة شرسة بين الشركات الصينية والأمريكية للاستحواذ على نصيب أكبر في الأسواق. ونظرا لأن شركات النفط والغاز الأمريكية كانت وما تزال أقوى أعمدة النفوذ الاقتصادي الأمريكي إلى جانب شركات السلاح، فإن شركات النفط الصينية أخذت تنشط في محاولة اقتحام عرش نظيرتها الأمريكية، وبدأت بالعراق حيث تدور حرب المطاردة على أشدها. كما أن شركات السلاح الصينية وضعت أطراف قدم لها بالتعاون مع السعودية لإنتاج صواريخ باليستية. كما وضعت أطراف قدم في الجزائر بدخول قوي إلى سوق السلاح هناك. وتبدو ساحة المطاردة ممتدة من الخليج إلى المغرب.
وإذا أخذنا في الاعتبار العلاقات الخاصة بين الصين وإيران في شرق الخليج، وبين الصين والجزائر في غرب البحر المتوسط، وبين الصين وجيبوتي ودول شرق أفريقيا، فإن منطقة نفوذ الشركات الصينية تتسع أكثر وأكثر، على الرغم من محاولات التضييق الأمريكي على الشركات الصينية بشكل عام. إحدى أهم ساحات التضييق هي إسرائيل التي تتعرض لضغوط أمريكية ثقيلة أدت إلى حرمان شركات تكنولوجيا مثل «هواوي» من عقود كبيرة في مجالات تكنولوجيا الـ 5G كانت ستقوم بها هناك، كما حرمت شركات صينية للبناء والتشييد من مقاولات ضخمة كانت على وشك الفوز بها مثل صفقة إنشاء خط قطار كهربائي جديد في تل أبيب، التي خسرتها «الشركة الصينية لخطوط السكك الحديد» في أوائل العام الحالي.

إسرائيل البوابة السحرية

ما يثير قلق الولايات المتحدة من توسع نفوذ الشركات الصينية في إسرائيل، هو أن هذه الشركات تعمل في قطاعات استراتيجية، وتستخدم أحدث أنواع التكنولوجيا المتاحة في العالم، كما أنها عن طريق الابتكار والتجديد التكنولوجي السريع استطاعت أن تحقق سبقا في كثير من المجالات. وقد أثارت الإدارة الأمريكية مع إسرائيل صراحة مسألة الامتياز الذي حصلت عليه «مجموعة شنغهاي الدولية للموانئ» لمدة 25 عاما لإنشاء وتشغيل ميناء جديد في حيفا. الميناء الذي بدأ تشغيله فعلا في ايلول/سبتمبر من العام الماضي يبعد كيلومترا واحدا تقريبا عن الرصيف البحري المخصص لاستخدام سفن الأسطول السادس الأمريكي في البحر المتوسط. وقد عبر مدير المخابرات المركزية الأمريكية وليام بيرنز عن مخاوفه من أن يتم استخدام الميناء في التجسس على سفن الأسطول السادس.
الصين تستخدم الميناء، الذي تقدر استثماراته بنحو 1.7 مليار دولار كمحطة إقليمية لصادراتها إلى إسرائيل ودول حوض البحر المتوسط، حيث ترسو فيه ناقلات الحاويات العملاقة، ويتم نقل الحمولات المتجهة إلى بلدان مثل إيطاليا واليونان وتحويلها في سفن أصغر، ثم تبحر الناقلات العملاقة إلى غرب أوروبا عن طريق مضيق باب المندب وشمال المحيط الأطلنطي. وتخطط الصين لاستخدام ميناء حيفا الجديد كمركز للنقل البحري إقليميا في حوض البحر المتوسط، ضمن سلسلة موانئ طريق الحرير البحري. وهو ما يعني أن الصين تعتبر وجود شركاتها العاملة في إسرائيل ضرورة حيوية لتعزيز مبادرة الحزام والطريق، وزيادة صادراتها إلى إسرائيل وحوض المتوسط.
في العام الماضي بلغت قيمة واردات إسرائيل من السلع الصينية حوالي 10.7 مليار دولار بزيادة نسبتها 40 في المئة تقريبا عن العام السابق. وبذلك صعدت إلى المركز الأول في قائمة الدول المصدرة لإسرائيل، في حين تراجعت الولايات المتحدة إلى المركز الثاني، بصادرات قيمتها 8.2 مليار دولار. ومن الملاحظ ان نمط التبادل التجاري بين إسرائيل والصين يحمل بصمة النفوذ الصيني، إذ حققت فائضا في التجارة مع إسرائيل بقيمة 6.6 مليار دولار، وهو أكبر عجز تجاري تسجله إسرائيل مع أي من شركائها التجاريين.
وتسعى الصين إلى إعطاء دفعة كبيرة لعلاقاتها التجارية مع إسرائيل بتوقيع اتفاقية لإقامة منطقة تجارة حرة مشتركة، ما تزال المفاوضات بشأنها جارية.
ولا تتوقف المطاردة الصينية للشركات الأمريكية في إسرائيل على الاستثمار والتجارة الثنائية، وإنما يتسع نطاقها إلى المجالات التكنولوجية حيث اتفق البلدان على إقامة منتدى للحوار والتعاون التكنولوجي، وإنشاء لجنة حكومية مشتركة للتجديد التكنولوجي والابتكار في إطار خطة مدتها 3 سنوات إلى عام 2024 لتعزيز التعاون المشترك في مجالات التكنولوجيا المتقدمة.

السعودية شريان الطاقة

السعودية هي أكبر مصدر للنفط إلى الصين، كما أنها تتطلع إلى إقامة استثمارات ضخمة في قطاع مصافي النفط والبتروكيمائيات هناك بغرض الاستفادة من حجم السوق الضخم، ومن القدرات التصديرية للشركات الصينية. وقد برهنت التطورات في العلاقات بين البلدين في السنوات الأخيرة على حرص الحكومتين على تطوير المصالح المشتركة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر، وهو ما يعجب السعودية. وكانت الزيارات المتبادلة وما نتج عنها من تطورات إيجابية دليلا على إمكان تطوير التعاون السعودي-الصيني، وتعزيز المصالح المشتركة بدون عقبات تذكر، وذلك على الرغم من العلاقات الوثيقة بين الصين وإيران. ومن المعروف أن الصين كانت لديها رغبة قوية في الاستحواذ على الطرح الأول لأسهم شركة أرامكو بالكامل. الطرح كان يعادل نسبة 5 في المئة من أسهم أرامكو، لكن شركات النفط الغربية اتخذت موقفا سلبيا منه، بدعوى أن التقييم الرأسمالي للشركة السعودية مبالغ فيه.

دور مهم في الطاقة والمرافق

وتقدر الحكومة الصينية عدد شركاتها العاملة في السعودية بأكثر من 100 شركة، حسب تصريحات صحافية لسفير الصين في الرياض اب/أغسطس 2019. من أبرز هذه الشركات «سينوبك» للنفط و«باور تشينا» للطاقة، و«الشركة الصينية لإنشاء السكك الحديدية» و«تشاينا هابور أنجنيرنغ» لهندسة الموانئ، و«بنك الصين الصناعي والتجاري» وشركة «هواوي» لمعدات وأنظمة الاتصالات. وقد أنجزت الشركات الصينية أو ساهمت في مشاريع كثيرة منها شركة ينبع أرامكو سينوبك للتكرير «ياسرف» المحدودة، وشركة «سينوبك إنترناشيونال بتروليوم سيرفس» للخدمات البترولية، و«مترو مكة» والجزيرة الاصطناعية بجسر الملك فهد. كما تعمل الشركات الصينية على الدخول في مشروعات مدرجة في خطة 2030 ومجالات الإنشاءات الجديدة في منطقة «نيوم» على البحر الأحمر، إضافة إلى مجالات الصناعات التكنولوجية الحديثة والخدمات المتطورة في قطاعات السياحة والاتصالات والنقل. كما أشادت بمبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» التي أعلنتها السعودية، وأعربت عن استعدادها للمشاركة في مشروعاتها. وعلى الرغم من القدرات التمويلية الضخمة للسعودية، فإن الشركات الصينية تتمتع بمزايا القدرة على تنويع مصادر التمويل بما تمتلكه من فائض اقتصادي.

التجارة والنفط

عام 2021 احتلت السعودية المركز الأول بين مصدري النفط الخام إلى الصين، وتمكنت من زيادة إمداداتها بنسبة 3.1 في المئة مقارنة بالعام السابق، وبلغ نصيبها نحو 17 في المئة من الواردات الكلية للصين حسب إحصاءات هيئة الجمارك الصينية، متقدمة من 16 في المئة في عام 2020. وذكرت إحصاءات الجمارك أن إمدادات النفط من السعودية بلغت 87.6 مليون طن من النفط الخام، أو ما يعادل 1.75 مليون برميل يوميا. وبينما جاءت روسيا في المركز الثاني بعد السعودية، فإن العراق جاء في المركز الثالث، بصادرات بلغت 54.1 مليون طن، ثم جاءت سلطنة عمان في المركز الرابع بكمية 44.8 مليون طن بزيادة 18 في المئة.
وطبقا لتحليل إحصاءات التبادل التجاري بين البلدين لعام 2020 فإن مجموع التجارة الثنائية بين السعودية والصين يعادل أكثر من ثلاثة أمثال التجارة مع الولايات المتحدة. إذ بلغت 65.2 مليار دولار، منها 33.4 مليار دولار صادرات سعودية للصين يتصدرها النفط الخام بقيمة 24.7 مليار دولار. أما الصادرات الصينية فقد بلغت 31.8 مليار دولار. وفي المقابل فإن مجموع التجارة الثنائية بين الولايات المتحدة والسعودية بلغت حوالي 19.8مليار دولار، بلغ نصيب الصادرات السعودية حوالي 9 مليارات دولار، أهمها النفط الخام بقيمة 6.6 مليار دولار. في حين بلغت قيمة الصادرات الأمريكية 10.8 مليار دولار، أهمها السيارات بقيمة 1.3 مليار دولار.
البعد الجديد في العلاقات بين السعودية والصين، هو أنها تلتقي مع مصالحها النفطية المشتركة مع روسيا، وهي المصالح التي تطورت كثيرا منذ تشكلت مجموعة «أوبك +». نفطيا فإن السعودية وروسيا هما أول وثاني مصدر للنفط إلى الصين، كما أن الصين وروسيا تخضعان لإجراءات مختلفة من نظام العقوبات الاقتصادية الأمريكية. ومع زيادة التقارب بين السعودية والصين وروسيا، تتزايد احتمالات تقارب مصالحهم المتشابكة في قطاع النفط وما يرتبط به من معاملات، خصوصا وأن الدولار ما يزال حتى الآن العملة المهيمنة بقوة على تسوية المعاملات التجارية بين البائعين والمشترين. روسيا والصين حسمتا هذه المسألة بزيادة استخدام العملات المحلية بينهما، والتخلي عن الدولار، وهو ما أدى إلى تراجع مكانة الدولار نسبيا في النظام النقدي الدولي، وإن كان ما يزال العملة المهيمنة حتى الآن. إذا انضمت السعودية ودول الخليج إلى نظام لتسوية مدفوعات النفط بالعملات المحلية، أو بعملات أخرى غير الدولار، فإن خسائر الولايات المتحدة الاقتصادية في الشرق الأوسط ستنتشر آثارها في العالم كله.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية