تداعيات أزمة مقــتل الشيخ قاسم سويدان الجنابي وما تنبأ به من مخاطر الاحتقان الطائفي في العراق.
ما أن حدثت عملية اغتيال الشيخ قاسم سويدان الجنابي (شيخ قبيلة سنية تسكن في مناطق حزام بغداد الجنوبي)، حتى انطلق فضاء الكراهية، ممثلا بالقنوات الفضائية الطائفية في العراق ودول الجوار، بجولة جديدة من لعبة شد الحبل الطائفي، وصب زيت الكراهية على المشهد العراقي الذي تسير فيه حكومة حيدر العبادي مترنحة، تنخرها تركة ثقيلة ورثتها من الحكومات السابقة وما غلفها من عملية سياسية فاسدة، أغرقت العراق في الفساد والاحتراب الطائفي والانكسار، أمام هجمة من اعتى هجمات التوحش الراديكالي في العصر الحديث، هجمة من تيارات الإسلام التكفيري التي غزت ثلث أراضي البلد.
والمتابع للشأن العراقي يعرف تماما أن فترات الهدوء في عراق ما بعد 2003 عبارة عن جزر صغيرة متناثرة في بحر العنف الدامي الذي يغلف المشهد، فما ان يحاول البلد ان يخرج من ازمة حتى يقع في مصيبة، إذ تسارع كل الأطراف الى الاستفادة من المصائب المتكررة بأقسى ما يمكن، ممزقة ما تمزق اصلا من النسيج المجتمعي العراقي، بل انها تصب الزيت على جمر الصراع ليتأجج اكثر ويحول ما تبقى الى رماد لا يصلح الا لأن تذروه رياح التغيير التي أصبحت حلم كل من يعيش الكابوس.
دوامات العنف العراقي في لحظات الهدوء القليلة تستجمع قواها وأفكارها الجهنمية لتبدأ جولة من جولات الدم التي غطت ما يزيد على العقد من عمر الشعب المنكوب. وحكاية اليوم ابتدأت باختطاف الشيخ قاسم سويدان الجنابي مع ابن اخيه زيد الجنابي، النائب في البرلمان العراقي، مع ثمانية من عناصر حمايته. عملية الخطف تمت في منطقة تقع تحت نفوذ القوى السنية في مدخل بغداد الجنوبي، وتم القتل وإلقاء الجثث في منطقة شمال بغداد تقع تحت سيطرة النفوذ الشيعي. ولكي تكتمل الصورة تم إطلاق سراح النائب السني، لتبدأ تداعيات المشهد الطائفي ولتدور عجلة الطحن الدموي من جديد.
اثناء التحضير لتشييع جنازات المغدورين برصاص (ميليشيا ترتدي زي الحشد الشعبي ـ وهي قوات غير حكومية تساند الجيش العراقي في قتاله تنظيم «داعش» في العراق)، أخذ الانفعال بأحد اقارب الشيخ المغدور كل مأخذ ليصرخ بأعلى صوته مهدداً الطائفة الاخرى التي رمى على عاتقها جريمة الاغتيال. المفارقة في الامر ان التشييع كان يحضره عدد من الشخصيات الحكومية، أبرزها نائب رئيس الوزراء الدكتور صالح المطلك، وكان عدد من اقارب المغدورين يصرخون سننتقم من (الشيعة) ونعلمهم درسا كما علمناهم في (حي العامل) في إشارة الى تفجيرات بسيارات مفخخة حصلت قبل مدة في حي شعبي شيعي راح ضحيتها اكثر من ستين قتيلا. لم يمر التهديد بسلام، إذ كان أحد الحضور يصوّر الحدث بكاميرا موبايل، ما لبث ان بثه على مواقع التواصل الاجتماعي لتتلقفه قنوات فضائية محسوبة على هذا الطرف او ذاك، وليرد النواب الشيعة بالمطالبة بتطبيق القانون على من اعترف بتنفيذ عمليات ارهابية، وبدورهم النواب السنة في البرلمان والاعضاء في الحكومة ردوا بتعليق عضويتهم في الحكومة والبرلمان، ليتوتر المشهد العراقي وينذر بانفجار موجة اقتتال طائفي جديدة، يحركها صقور الطوائف من كلا الطرفين لتغرق البلد بدماء الابرياء.
القصة كما يقدمها دائما صقور كل طائفة ان الآخر هو من ابتدأ العدوان وهو الرافض للتعايش، وان طائفة المتحدث من كل طرف هي، وهي فقط التي تحوز الوطنية وكل قيم الخير، في إشارة واضحة الى أن الآخر هو الشيطان. بينما يحاول حمائم كل طائفة تقديم حلول يغلفها التمسكن ومحاولة جلب كل الاطراف الى طاولة الحوار. لكن طبول الحرب غالبا ما تكون اعلى ضجيجا من صوت العقل. وترى شارع كل طائفة وبسلوك جمعي يحرك الكتل البشرية للالتفاف حول المتشدد ونبذ العقلاني، هذا اذا لم يتهم (المتعقل) بالخيانة من كلا الطرفين ليكون أول الضحايا. وقد كتب الدكتور حيدر سعيد وهو من الاصوات العقلانية القليلة من بقايا النخب الواعية في العراق تحليلا جميلا للموضوع مفاده؛ عندما تُصطدَم النخبُ الشيعية (حتى تلك التي تقدّم نفسَها على أنها فوق هذه الهوية) بأن أفرادا او عصابات ينتمون الى هويتها نفسها (حقا او زورا)، يمارسون الإرهابَ والقتل والاختطاف والابتزاز، لا تجرؤ على نقد هؤلاء وممارساتهم، بل تتوحّد مع القتلة في حالة إنكار، وتبدأ بشتم السنّة، لأنهم ظنوا بالشيعة ظنّا سيئا. وحين تسمع النخبُ السنّية نقدا لـ»داعش» (حتى تلك التي تقدّم نفسَها بوصفها ضحية لهذا التنظيم الارهابي)، تتعامل مع هذا النقد بوصفه انتقادا شخصيا لها، فتدخل في حالة إنكار، لتصبح – شيئا فشيئا – جزءا من الحالة الداعشية، تبرّر وتسوّغ، وتجمّل وتحذف، وليصبح «داعش» (الذي ذبح، ولا يزال) فكرة خلاصية.. وأنا اقول إن هذا هو بيت الداء في أي احتراب طائفي ان تنصر اخاك – الطائفي – ظالما او مظلوما، وهي الخطوة الاولى في مسيرة سقوط المواطنة وسقوط فكرة الوطن الجامع.
تتبقى اشارة اخيرة مهمة وهي توقيت هذا التصعيد الطائفي. لقد وجد أمراء الحرب في العراق ( بأجنداتهم الداخلية والإقليمية والدولية) ان هناك سعيا حقيقيا من حكومة العبادي للوقوف بوجه الفساد، ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من زلزال الدمار، وهي – أي حكومة العبادي ـ بدأت تحظى بدعم دولي، خصوصا بعد مؤتمر ميونخ الاخير، الذي عقد في المانيا لمناقشة سبل مكافحة الارهاب، والبدء بالعمل الجاد لتشريع قانون الحرس الوطني الذي سيشرك السنة ويحتويهم في عمل وطني يقاتل الارهاب. ومحاولة البرلمان العراقي الجديد إيجاد حلول عملية تعالج موضوع اجتثاث البعث، وما أفرزه من اشكالات تقف بوجه المصالحة الوطنية الحقيقية، في محاولة لمحاسبة من تلطخت ايديهم بدماء واموال العراقيين عبر منظومة القضاء. وبعد ان اصبحت كل هذه الامور قاب قوسين من التحقيق، كان لا بد لأمراء الحرب من كلا الطرفين ان يضربوا ضربتهم التي ستشعل نار ازمة تذكرنا بما حصل في 2006 من اقتتال طائفي .
ولا حل للوضع العراقي المأزوم ما لم تتمكن النخبُ من ان تقف بوجه العنف الذي تمارسه عصابات باسم هويتها. ولا أظن أن بإمكان العراق ان يمضي خطوة الى الامام وامراء الحرب كل يجر البلد الى هاويته، فها هو الجنون يلفّ البلادَ من جديد، ومن جديد فان الجنون ليس في أعمال العنف نفسها، الحسّية، العيانية ـ رغم فداحة مأساتنا بها – بل في السجالات والرؤى المرافقة، في مَنطَقَة العنف وتبريره، الذي سيجعل دوامة العنف تلد عنفا جديدا، لذلك فان المهمة الملقاة على عاتق حكومة العبادي هي اتخاذ موقف حازم تجاه كل الاطراف التي ما انفكت تحاول اشعال نار الحرب الاهلية، والتي ستكون هذه المرة ومع وجود «داعش» وتماهيه في المعادلة العراقية، هاوية سحيقة لن يخرج منها العراق ثانية.
٭ كاتب عراقي مقيم في لندن
صادق الطائي