في فيلمه المنتظر «خط اللامكان»: البريطاني لوكاس شرانك يسجل معاناة طالبي اللجوء في أستراليا يلجأون إلى الموت غرقا أو الحياة المذلة بين جدران الاعتقال

حجم الخط
0

عمان ـ «القدس العربي»: في فيلمه الجديد الذي لم ينته بعد، يلقي المخرج البريطاني لوكاس شرانك الضوء على قضية جديدة تلقى جدلا كبيرا بين الأوساط السياسية والحقوقية، وهي مأساة طالبي اللجوء إلى أستراليا وما يواجهونه من موت واحتجاز وظروف معيشية صعبة.
ولد لوكاس شرانك وترعرع في لندن وأصبح مخرجا للأفلام ومصمما للرسوم المتحركة، يتناول في معظم أعماله الموضوعات الدقيقة والحساسة مثل، العزل والاحتواء، كما حصل عام 2009 حين قدم عمله «بلو بيتر» الرسوم المتحركة على قناة «بي بي سي» في يوم ذكرى الهولوكوست، والتي قدم من خلالها حياة فريدا ونيمان الناجية الوحيدة.
أما في فيلمه الذي حمل عنوان «خط اللامكان» فهو يدور حول قصة شابين في جزيرة مانوس التابعة لجزيرة بابوا غينيا الجديدة، التي تستقبل طالبي اللجوء إلى أستراليا وسط ظروف معيشية صعبة جدا وحرية تنقل مقيدة بصورة بالغة يغلب عليها الاحتجاز المفتوح والإلزامي وحتى التعسفي، كما أن السلطات لا تسمح بدخول أي أحد لهذه المراكز، سواء أكان شخصا عاديا أو صحافيا أو من المنظمات غير الحكومية. إلا ان لوكاس تمكن من خلال بعض المساعدة إجراء مكالمة هاتفية مع اثنين من اللاجئين هناك، وبنى عليها قصة هذا الفيلم.
في مقابلة أجرتها منظمة حقوق الإنسان الاسترالية معه حول فيلمه المتوقع صدوره قريبا، يقول:» لقد بنيت أحداث الفيلم على مكالمة هاتفية أوردتها ضمن الفيلم، على الرغم من رداءة جودته، إلا أنها أضافت الواقعية واللمسة الحقيقية لما يعيشه طالبو اللجوء في مانوس التي ما تزال مستمرة حتى الآن. هذان الرجلان و2198 غيرهم ما يزالون يفتقرون إلى أقل مطالب الحياة الكريمة والإنسانية وهي حريتهم، ناهيك عن الغياب التام للطعام والشراب ومستلزمات النظافة الشخصية، حيث يضطر أن يعيش ما بين 8 و 11 رجلا في مكان واحد في جو عالي الحرارة والرطوبة».
ويعتبر لوكاس الفيلم مهما جدا لأن موضوعه يحيط به الكثير من الضوضاء، خاصة بعد أن اصبح الناس منزوعي الحساسية تجاه الطرق التي تصور بها وسائل الإعلام قضية اللجوء، ويأمل من خلال فيلمه أن يجلب النقاش حول هذا الاحتجاز الإلزامي جهودا اكبر لاستعادة بعض العناصر البشرية لطالبي اللجوء في هذا البلد.
وفي سؤال عن الشخصين الذين تحدث معهم، يقول: «لا أستطيع أن أقول أكثر مما ورد عنهم في الفيلم من أجل حمايتهم، حيث تحدثت مع اثنين من طالبي اللجوء في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، والذين منحتهم في الفيلم اسمي «أسعد وبهنام» وكلاهما فاران من الاضطهاد السياسي في إيران. الأول بهنام حاول مرتين القدوم إلى أستراليا من إندونيسيا، انتهت المحاولة الأولى بغرق القارب الذي كان قادما عليه وفقدانه المأساوي لصديقه سعيد، وفي حينها تم انقاذ 60 شخصا من الغرق واعتقال بعضهم ومن بينهم بهنام الذي تمكن من الهرب بعد حوالي اسبوع وانتهى في قارب آخر تائها لمدة 8 أيام في البحر قبل أن يتم إيجاده ونقله إلى جزيرة كريسماس، حيث تعرف على رضا بيراتي الذي شاركه غرفته ووصفه بأنه رجل هادئ ولطيف، لمدة شهر ومن ثم تم ترحيله إلى جزيرة مانوس.
بينما أسعد الذي كان يدرس في الخارج قرر أن يعود إلى ايران لزيارة عائلته، ومثل بهنام قام برحلته من إندونيسيا حيث وصل إلى جزيرة كريسماس بعد ثلاثة أيام في التاسع عشر من تموز/يوليو، إلا أن البحرية احتجزت قاربهم، حيث أنهم وصلوا بتاريخ فرض سياسية إعادة التوطين الإقليمي وبالتالي نقلوا إلى جزر مانوس وناورو.
وأضاف لوكاس: «خلال المقابلات وطوال عملية صنع الفيلم، كان الشابان مفيدين جدا وكريمين معنا بخصوص ما نرغب معرفته عن تلك الأوضاع إلا ان الوضع برمته كان مربكا لأنهم كانا محتارين ماذا بالضبط أريد منهما، فيما كانت المهمة الأصعب تقع على كاهلي، إذ من الصعب جدا أن تحول ما تسمعه عبر الهاتف إلى رسوم متحركة.
لقد كنت أعلم الكثير عن الواقع الوحشي الذين كانوا يعيشونه إلا ان سماعه مباشرة منهم أمر لم أكن مستعدا له، وهذه هي قوة المكالمة الهاتفية التي استخدمتها بنصها الأصلي وطقطقة الخط بسبب طول المسافة ورداءة الاتصال.
بهنام وأسعد كانا محتجزين خلال أعمال الشغب التي حصلت في شباط/فبراير الماضي والذي هو في الحقيقة كان نقطة محورية في الفيلم، أدت إلى مقتل ريزا بيراتي وجرح المئات. وخلال الحوارات التي أجريتها أدركت أنني حصلت على مواد كافية لتقديم هذا الفيلم، وبدلا من محاولة ضغطه في دقائق معدودة، ركزت على التجربة الإنسانية «كيف سيكون شعورك لو كنت هناك، الهستيريا والرعب الذي يجتاح المركز. فهنالك بعض الأخطار إذا تم تبسيط قصتها تفقد سلامتها كسجل للحقيقة. لذلك كنت حذرا جدا في تصوير هذه المشاهد».
وأكد أن رواية القصص من المعتقلين أمر حساس للغاية وعلى صناع السينما أن يكونوا حذرين في تناول مثل هذه المواضيع وعدم الكشف عن هويات أصحابها فهنالك العديد من المعتقلين الذين يعانوا من الإجهاد الشديد والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة، ويقع على عاتق أي صحافي أو مخرج ان يتأكد من أن هذه المقابلة لا تؤثر على سلامته وحياته.
ومن الأمور التي أثارت استغراب لوكاس كمية المعلومات الخاطئة التي تقدم حول هذه القضية، حيث انتقل إلى أستراليا العام الماضي ودهش من البساطة التي تحاول الجهات الحكومية فرضها حول هذه المشاكل والتعتيم الكبير الذي يحيط بطلبات اللجوء وأصحابها من خلال استخدام مصطلحات «المهاجرين غير الشرعيين»، «قوائم الانتظار» و»توقف القوارب».
وفي نهاية حديثه أشار لوكاس إلى أن الهدف من حملة جمع الدعم التي رافقت الفيلم، الحصول على 3000 دولار على أقل تقدير من أجل إرسال المواد الضرورية لهولاء المحتجزين، وقد بدأ التواصل مع الجمعيات الإنسانية ومنظمات حقوق الإنسان.
وبحسب لوكاس إذا غير الفيلم المفاهيم الخاطئة عند شخص واحد فقط، سيكون بذلك قد حقق نجاحا كبيرا، والهدف هو القدرة على التأثير وتغيير المفاهيم النمطية، موضحا «كل ما بذلته من جهد هو صنع فيلم جيد ورواية قصة بكل صدق وإنسانية، قصة ستكون سجلا ودليلا على ما يحدث اليوم بعيدا عن أنظار العالم. ليتساءل الإنسان في المستقبل حين يراه «هل حدث ذلك حقا؟».
يذكر أن هذا الفيلم جاء بعد قرار الحكومة الأسترالية في أيلول/سبتمبر الماضي بإبعاد جميع طالبي اللجوء الذين يصلون بالقوارب إلى مراكز الاحتجاز التي تقع على الشواطئ في ناورو وبابوا غينيا الجديدة، مشيرا إلى أنه سيتم إعادة توطين هؤلاء الذين يتم تقييم حالاتهم على أنهم لاجئون حقيقيون في بابوا غينيا الجديدة، أما من يرفض طلبه، فسيتم احتجازه هناك إلى أجل غير مسمى.
وظهرت بخطاب لا يشجع على طلب اللجوء إلى أستراليا طبع بسبع عشرة لغة ويقول «أبداً. فلن نجعل أستراليا وطنا لك» إلى جانب صور للتهديد كقارب صغير تتقاذفه الأمواج الهادرة.
ولاقت هذه الحملة انتقادات كبيرة من جانب المنظمات الإنسانية، خاصة بعد ارتفاع نسبة الوفيات جراء الغرق في البحر، وذلك كله بسبب استجابة خدمات البحث والإنقاذ في أستراليا الذين قيل لهم إن أولوياتهم وقف القوارب وليس إنقاذ الأرواح».

آية الخوالدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية