صدور السيرة العلمية لرائد الدراسات الشرقية عبد الوهاب عزام: كان مؤمنا بوحدة الفكر الإسلامي وإيجابيته

حجم الخط
0

القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني: عن الدار المصرية اللبنانية صدر المجلد الضخم الذي يضم المسيرة العلمية والفكرية لرائد الدراسات الشرقية عبد الوهاب عزام لمؤلفه الدكتور السباعي محمد السباعي أحد تلامذة المفكر والكاتب الراحل.

قدم للكتاب مستشار الأمين العام الأسبق للجامعة العربية ممدوح عزام وأحد أفراد أسرة الراحل، وكذلك تضمن الكتاب مقدمة أخرى طويلة للدكتور مصطفى الشكعة تحت عنوان ‘تصدير واجب أداءً لدين’. ويشير الدكتور السباعي مؤلف الكتاب في ديباجته الى أن عزام كان واحدا من الذين يدركون واجبهم نحو أمتهم، لذلك سعى نحو ما يوحد بينها، بالتأكيد على وشائجها، ويشير الى أنه كان أستاذاً، أديباً، شاعرا، مترجماً، ناقداً، رائداً، مفكراً، سياسياً، وحسبما يقول المؤلف كان كل ذلك أحد دوافع الكتابة عن عزام.

ويضيف أن إيمانه بوحدة الفكرة الإسلامي وسموه وإيجابيته وقدرته على حض المسلمين على التمسك بما لديهم من كنوز فكرية، كي يستيقظوا من سباتهم فيقبلوا ما فرضته عليهم الحضارة الغربية من تحديات، وكانت المعرفة المتعمقة بهذا التراث الإسلامي بلغاته المختلفة وكان إيمانه بالترجمة وتجميع المفكرين من العالم الإسلامي وتقوية الروابط معهم وسيلة لتحقيق ما يصبو إليه.

وقد شغل عزام موقع الأستاذية في الجامعة في تخصص الدراسات الشرقية بمعناها الشامل والواسع كأول أستاذ في هذا المجال.

وقد بلغت مؤلفاته أكثر من الثلاثين وكانت مقالاته في مجلتي ‘الرسالة’ و’الثقافة’ اللتين أنشئتا عام 33، 39، وكان إشرافه على تلاميذه في الدراسات العليا لمعهد الدراسات واللغات الشرقية بالقاهرة الذي تحول فيما بعد الى أقسام اللغات الشرقية بالجامعات المصرية.

ويشير المؤلف أيضاً الى دور بحث عزام في المؤتمرات الدولية وسفراته الأدبية والسياسية، وكان دوره في إنشاء جامعة الرياض الملك سعود حاليا.

ويرى مؤلف الكتاب أنه رغم أهمية عبد الوهاب عزام إلا أنه لم يحظ بما يستحق بين أبناء جيله، ويحيل في ذلك الى أسباب مثل المناخ الفكري الذي ساد مصر والأمة العربية والإسلامية آنذاك. وكذلك الى قلة تلاميذ عزام أو الى أن جل مقالاته كانت في مجلتي الرسالة والثقافة حيث بلغت مقالاته في الرسالة ثلاثمائة مقالة، وفي الثقافة زهاء أربعة وستين. وقد توقفت الرسالة بعد عشرين عاماً من صدورها كما توقفت الثقافة وأضحتا تراثا لا يسعى إليه ويمعن النظر فيه سوى الباحثين الجادين.

ويضيف المؤلف الى هذه الأسباب عدم طباعة مؤلفات عزام ونشرها من جديد. فلم يطبع منها سوى القليل، كما حدث بالنسبة لدراسة عن كليلة ودمنة ودراسته عن المتنبي وشاهنامة الفردوسي التي صدرت عن هيئة الكتاب.

في فصله الأول يتناول المؤلف الدكتور السباعي محمد السباعي حياة وتكوين ونشأة عبد الوهاب عزام حيث يذكر أنه ولد في آب/ أغسطس عام 1894 م ورحل عن دنيانا عام 1959 وقد ولد في قرية الشوبك الغربي في مركز العياط جنوب القاهرة بحوالى خمسين كيلومتراً، لأسرة لها دورها الفكري والسياسي والنضالي ضد الإنكليز، فوالده الشيخ محمد حسن بك عزام أحد الوجوه البارزة كعضو مجلس شورى القوانين ثم الجمعية التشريعية، ثم انتخب في أول مجلس نيابي بعد دستور 1923، واستمر نائباً عن دائرة حلوان حتى عام 1940. ألحق الأب ابنه بالتعليم الأزهري بعد أن أنهى مرحلة الكتّاب وبعد ذلك التحق بمدرسة القضاء التشريعي حيث تخرج عام 1920 وعين معيدا بالمدرسة وفي عام 1923 حصل على درجة الليسانس في الأدب من الجامعة المصرية وسافر الى لندن ليعمل مستشارا للشؤون الدينية وإماما للسفارة المصرية بها.

ويذكر المؤلف أن عزام اطلع في لندن على ما يكتبه المستشرقون عن الإسلام والمسلمين والعالم الإسلامي، ورأى أن يدرس اللغات الشرقية، الفارسية، التركية، والأردية ليقف على أدب تلك اللغات وثقافتها، وأدابها وإسهاماتها الفكرية في الفكر الإسلامي. وقد التحق بالفعل بمدرسة اللغات الشرقية في لندن، وحصل على درجة ماجستير في الأدب الفارسي وكان موضوعها التصوف وفريد الدين العطار عام 1927، ثم عاد الى مصر، ليواصل ما بدأه في لندن، ليسجل رسالة للدكتوراة عن شاهنامة الفردوسي، وهو واحد من أشهر شعراء الملاحم في الأدب الفارسي، بل وأبرزهم وأسبقهم. وقد حصل عزام على تلك الدرجة عام 1932 ليعين مدرساً للغات الشرقية بكلية الآداب ويصعد درجات السلم الجامعي حتى يصبح أستاذاً عام 1939 ثم رئيسا لقسم اللغة العربية فمعيدا للكلية في مارس 1945، ثم تقلد عزام عدة وظائف دبلوماسية كسفير في المملكة العربية السعودية 1947، وباكستان 1950 ثم سفيرا مرة أخرى في السعودية واليمن حتى أغسطس عام 1954، ومدد له الرئيس عبد الناصر عامين، ثم مدت فترة خدمته ليحال الى التقاعد عام 1956. وخلال حياته العملية كأستاذ بالجامعة انتدب مرتين للتدريس بجامعة بغداد واختير عضوا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة في 28 /11/1947 وعضوا بالمجمع العلمي العربي بدمشق وبغداد وإيران.

ويقول المؤلف ان عظم دور عبد الوهاب عزام كأستاذ يتجلى حين عرض نقله من الجامعة الى وزارة الخارجية، ليشغل مقام الوزير المفوض والسفير حيث تمسكت به الجامعة وقرر مجلسها في 3/11/1947 أن الجامعة لا يمكن أن تستغني عن حضرة الأستاذ الدكتور عبد الوهاب عزام نهائياً، وإنما يوافق المجلس على ندب سيادته مؤقتا لمدة يعود بعدها الى الجامعة.

و من أهم المؤلفات التي أصدرها عزام: مدخل الى الشاهنامة العربية للبنداري 1932، التصوف وفريد الدين العطار.. 1945، مهد العرب 1955، محمد إقبال 1954، الأدب الفارسي بالاشتراك مع يحيى الخشاب 1948، التصوف في الشعر الإسلامي، المثاني 1955، ذكرى أبي الطيب المتنبي بعد ألف عام 1936، المعتمد بن عباد 1959، هذا بالإضافة الى ترجمة العديد من الكتب لا سيما عن اللغات الشرقية.

ويذكر المؤلف أن عبد الوهاب عزام تتلمذ في الجامعة المصرية على الرواد من المصريين وعلى عدد من الأساتذة الأوروبيين الذين درّسوا في الجامعة المصرية آنذاك، لكن حياته في لندن والتحاقه بمدرسة اللغات الشرقية والأفريقية، أحدثا في فكره طفرة كبيرة فقد عاش الحضارة الأوروبية بكل ما فيها.

لكن عزام تتلمذ بشكل مباشر على يد المستشرق الإنكليزي دنس رس الذي أشرف على رسالة للماجستير، وكان رس يتولى تدريس الدراسات الشرقية في لندن منذ عام 1916، وبقي بها عشرين سنة، يشرف على دراسة تنتظم زهاء أربعين لغة ولهجة من لغات الشرق ولهجاته، وفيها اتصل به كثير من طلاب الشرق وعرفه كثير من ملوك الشرق وأمرائه، من بين هؤلاء ملك مصر الأسبق فؤاد، الذي كان يحب دنس رس، وقد عهد إليه أن يكتب تاريخاً عن مصر فكتب كتابه المعروف باسم ‘تاريخ مصر في شتى العصور’ فمنحه على ذلك وساما رفيعا.

كذلك تتلمذ عزام على يد المستشرق الإنكليزي نيكلسون، صاحب العديد من المؤلفات في التصوف الإسلامي وتاريخه في الأدب الفارسي فهو صاحب الترجمة الكاملة لمثنوي جلال الدين الرومي وصاحب المؤلفات القيمة في الأدب العربي وتاريخه.

ويرصد المؤلف أن عزام شارك في الحركة الفكرية القائمة، وأبدى رأيه في تلك الحركة الإصلاحية التي بدأت في عشرينيات القرن الماضي بتياراتها المختلفة وتناول ذلك في الكثير من المقالات والكتب التي خلفها، وكانت مقالاته التي صدرت في مجلة الرسالة والتي عنونها باسم النهضة التركية الأخيرة تمثل جانبا من إسهاماته في تلك الحركة الإصلاحية.

وقد بدأ عزام تلك السلسلة بطرح سؤال رددته احدى المجلات الكبيرة في مصر الى بعض الكتاب وهو: الى أي حد يجب الاقتداء بتركيا في نواحي نهضتها الأخيرة؟

ويشير المؤلف الى أن عزام بدأ مناقشة مسألة الخلافة وإلغاء مصطفى كامل أتاتورك لها باعتبارها السبب الرئيسي لتخلف تركيا، وقد رأى عزام أن الخلافة لم تضر الدولة العثمانية قط بل نفعتها أحياناً ولم تحارب أوروبا العثمانيين لأنهم دولة الخلافة، بل لأنهم دولة مسلمة شرقية.

ويشير المؤلف الى أن الحروب قد ثارت منذ نشأة الدولة قبل أن يلقب الخليفة العباسي في مصر بايزيد الأول بلقب سلطان الروم وقبل أن يفتح سليم الأول مصر ويحمل الى استانبول الخليفة المتوكل، ولم يكن مكان الترك في الخلافة الإسلامية واضحاً في معظم أطوار حروبهم، بل استقرت لهم الخلافة عند المسلمين ودول أوروبا خلال هذا الملك المديد والحروب المتتالية، إذ اعترف الأوروبيون في العصور لأخيرة أن للترك أن يتكلموا عن المسلمين كما يتكلم الروس عن المسيحيين، فلم تكن الحروب نتيجة الخلافة بل كانت الخلافة نتيجة الحروب ولو أن أوروبا شنت على الدولة العثمانية غارتها من أجل الخلافة فلماذا قضت على الدولة التيمورية في الهند؟

وفي موقفه من المرأة يقول تغيرت المرأة المصرية في السنين الأخيرة تغيراً عظيماً ـ كان يقصد طبعـا مناخ الأربعينيات من القرن الماضي ـ وبعض هذا التغيير خير لا مراء فيه، فقد تعلمت وبصرت بمناهج الحياة وهذا صلاح وخير، ولست أنكر على المرأة أن تأخذ طريقها طليقة رشيدة، تصرّف أمورها وتقوم بقسطها في الأمور العامة والخاصة على قدر ما تمكنها أعمال الدار والقيام على الأسرة.

أما في مجال الجديد في الأدب لا سيما في الشعر ـ فعزام كان شاعراً ـ فقد قال: الشاعر المطبوع هو الذي يسير على فطرته لنفسه مبنياً عنها لا يبالي أن يكون قد لزم الجادة المطروقة أو حاد عنها، ثم يعرض على الناس شعره فيما اختار من موضوع وأسلوب في الوزن والقافية، فإذا ثار الناس عليه جادل عن نفسه وأوضح حجته، ويضيف عزام: الأدب فيما أحسب يؤثر فيه الاستظراف، فقد يغير الشاعر أسلوبا طال عليه العهد ومله الناس، وقد يرجع الناس الى الأسلوب المهجور بعد حين فيستظرفونه، والأدب العربي تقلب في أطوار مختلفة، وابتدعت فيه بدع كثيرة، ولكن لم نسمع أن المبتدعين مهدوا لابتداعهم بمعركة كلامية في القديم والجديد. ويضرب عزام مثالا على ذلك بالموشحات الأندلسية التي قدمها ابن المعتز والتي خرج بها عن الأوزان والقوافي المألوفة لكنها فتنت المغاربة ومضى عليها الناس بعد ذلك، كذلك نظمت قصص كليلة ودمنة وغيرها من القافية المزدوجة، ولم يكن هذا معروفا من قبل، وكتب بديع الزمان الهمذاني مقاماته وهي طريقة جديدة لم يكن يعرفها النثر العربي لكنها سادته فيما بعد.

توزع الكتاب الجديد الصادر عن الدار المصرية اللبنانية لمؤلفه السباعي محمد السباعي على ثلاثة فصول بالإضافة الى ثبت بالأعمال العلمية للدكتور عبد الوهاب عزام وقد جاء الكتاب في 512 صفحة من القطع الكبير.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية