اتهامات لـ«حميدتي» بمحاولة تفتيت مجلس أهلي شرقي السودان

حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»: وجهت قيادات في المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة، في السودان، انتقادات واسعة لنائب رئيس المجلس السيادي محمد حمدان دقلو الشهير بـ»حميدتي»، مؤكدين رفضهم للجنة العليا لحل قضايا شرق السودان.
واتهموا اللجنة التي يترأسها «حميدتي»، بعدم الحياد والسعي إلى تفتيت المجلس الأعلى لنظارات البجا، عبر «سياسة فرق تسد وشراء الذمم».
وكان رئيس المجلس السيادي السوداني، عبد الفتاح البرهان، قد أصدر نهاية العام الماضي، قراراً بتكوين لجنة عليا لحل قضايا الشرق برئاسة نائبه «حميدتي»، وشملت مهامها «اتخاذ التدابير اللازمة لحل أزمة شرق البلاد، عبر معالجة جذور الأزمة وتوحيد رؤى مكونات المنطقة».
وفي وقت لم تحرز فيه اللجنة تقدما واضحا على الأرض، تمضي الأوضاع في الشرق نحو المزيد من التعقيد، خاصة بعد تصاعد الخلافات بين مكونات المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة، بعد إعلان رئيس المجلس محمد الأمين ترك، تجميد عمل التنظيم العشائري، ذي النفوذ الواسع في المنطقة.
فبعد اجتماع في مدينة أركويت، التي تبعد نحو 205 كيلومترات غربي بورتسودان، عاصمة ولاية البحر الأحمر، أعلن ترك، الخميس، تجميد عمل المجلس، وتشكيل لجنة تحضيرية للمؤتمر العام.

رفض تعطيل المجلس

وأصدر قرارا بتسليم كل متعلقات المجلس من أختام وأوراق مروسة لأمانة حكومة ولايتي كسلا والبحر الأحمر، شرق السودان. وبعد ساعات قليلة من اجتماع أركويت، أعلنت مجموعة من مكونات المجلس في مدينة بورتسودان، بقيادة مقرر المجلس عبد الله أوبشار، عدم الاعتراف بقرارات ترك، مشددة على أن الاجتماع الذي تم في أركويت مجرد اجتماع أهلي لا علاقة له بالمجلس الأعلى لنظارات البجا.
وقالت في بيان، إن «المجلس يباشر أعماله كالمعتاد»، مشددة على أنه «كيان قومي مفوض كمؤسسة، وليس أفرادا» .
وأضافت: «المجلس لديه مؤسسات وأمانات ولجان مختصة وهيئة قيادة هي من تحدد الحاجة إلى عقد مؤتمر من عدمها»، مؤكدا أن المجلس «يقوم في الوقت الراهن بدوره كاملا».
وشدد على رفض ما وصفها بـ»المحاولات المستميتة لتعطيل المجلس وتجميد أعماله»، معتبرا ذلك محاولة لتمرير أجندة خاصة بمسار الشرق في اتفاق السلام الموقع في 3 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، والذي يرفضه المجلس.
وأضاف: «ليس هنالك أي جهة بإمكانها إلغاء أو تجميد المجلس الأعلى لنظارات البجا إلا عبر مؤتمر عام». وأعلن عن تكوين هيئة قيادة عليا، لمواجهة ما طرأ من تباين آراء حول ثوابت القضايا الرئيسية، ومقابلة مستجدات المرحلة ومتابعة الأعمال والتقرير في الشأن التنظيمي والمؤتمرات والموقف من المطالب وسير القضايا موضوع اهتمام المجلس.
وندد البيان بما وصفها بـ»الأطماع الخارجية والمؤامرات الداخلية» التي ظلت تحاك ضد شرق السودان.
وقال «إن المجلس الأعلى لنظارات البجا ظل يتصدى لكل المؤامرات المقبلة من الحكومة المركزية ويسعى لاستعادة حقوق ومطالب مواطني شرق السودان»، مشيرا إلى إن «جهات نافذة في الدولة أصبحت تمارس سياسة فرق تسد عبر الإغراءات وشراء الذمم تمهيدا لتمرير مسار الشرق في اتفاق السلام وبيع وخصخصة الموانئ وضرب النسيج الاجتماعي».

العمل على «حلّ المجلس»

وأضاف: «ظلت تلك الجهات تعمل على حل المجلس أو تجميده وإقالة أو اعتقال قياداته، إلا أنه ظل يتصدى لها»، مشددا على أن اجتماع رئيس المجلس في أركويت، لا يعني مؤسسات المجلس، ولم يتم من قبل الجهات المنوطة.
وأشار إلى اجتماع لجنة قيادية من المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة مع رئيس المجلس، مساء الأربعاء، نبهت خلاله إلى أن اجتماع أركويت ومخرجاته لا يمثل المجلس، وأن ترك من جهته أكد لهم أن هذا الاجتماع يخص مكونا محددا داخل المجلس، ومن أجل التنوير فقط ولا يعني المجلس، وأن الحاضرين من المكونات الأخرى عبارة عن شهود على ذلك.
وتوافق اجتماع الأربعاء، حسب البيان على انعقاد اجتماع للمجلس في 25 يوليو/ تموز المقبل، إلا أنهم فوجئوا يوم الخميس، بقرار ترك تجميد المجلس.
ووصف البيان تجميد أعمال المجلس، وقرار تسليم أختام المجلس والأوراق المروسة لأمانات حكومتي كسلا والبحر الأحمر، بالخطوة الغريبة، مشيرا إلى أن المجلس ليس إدارة حكومية.
وندد كذلك بما وصفها بمحاولة تخويف قادة المجلس عبر مطالبة السلطات باتخاذ ما يلزم من إجراءات ضد كل من يصرح أو يصدر بيانات باسم المجلس، داعيا مكونات الشرق للتماسك. وفي 7 يونيو/ حزيران الجاري، أعلن رئيس المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة، استقالته من رئاسة المجلس، بعد أيام من استقالة والي البحر الأحمر علي أدروب، والتي تمت بعد اعتصام مجموعة من مكونات المجلس أمام أمانة الولاية مطالبين باستقالة الوالي، الأمر الذي تحفظ عليه ترك من جانبه. ولاحقا تراجع ترك عن الاستقالة، إلا أن الخلافات ظلت تتصاعد وصولا للتداعيات الأخيرة.
ويشهد شرق السودان اضطرابات مستمرة منذ عدة سنوات، وصلت إلى إغلاق ميناء بورتسودان والطريق القومي الرابط بينها وبين مدن البلاد المختلفة.
وفي سبتمبر/ أيلول الماضي، أغلق المجلس الأعلى لنظارات البجا شرق البلاد لشهر كامل، الأمر الذي ضيق الخناق على الحكومة الانتقالية، قبيل انقلاب العسكر في 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. وبعد الانقلاب بأيام قليلة، أعلن ترك، فك الإغلاق عن الشرق، على الرغم من أن مطالبهم بإلغاء مسار الشرق في اتفاق السلام لم يتم تحقيقها. واتهم المجلس المركزي للحرية والتغيير، وقتها مجلس البجا، بموالاة العسكر ودعم الانقلاب.
والأسبوع الماضي أعلن وزير المالية السوداني، جبرايل إبراهيم، عن توقيع اتفاق مبدئي مع دولة الإمارات العربية، يتعلق بتشييدها ميناء جديدا على البحر الأحمر، الأمر الذي جدد المخاوف وسط مكونات الشرق، من سيطرة أبو ظبي على قطاع الموانئ.
ولاحقا قال رجل الأعمال السوداني أسامة داوود، إنه سيكون شريكا في الاستثمار في الميناء الجديد.
الناشط في قضايا الشرق، خالد نور قال لـ»القدس العربي» إن بوادر الأزمة والانشقاق بين مكونات المجلس الأعلى لنظارات البجا كانت واضحة، وقد بدأت باختلاف وجهات نظرهم بخصوص لجنة ترسيم الحدود التي قام بتكوينها «حميدتي»، لترسيم الحدود في شرق السودان وفق مناطق وجود كل قبيلة.
وزاد: الخلافات تواصلت لاحقا في عدد من القضايا، كان آخرها «القشة التي قصمت ظهر البعير»، اعتصام عدد من مكونات المجلس الأعلى لنظارات البجا أمام مقر حكومة ولاية البحر الأحمر ومطالبتهم باستقالة والي البحر الأحمر علي أدروب، بينما تحفظ ترك على تلك المطالب، وانتهى الأمر إلى تقديمه استقالته من رئاسة المجلس، قبل أن يتراجع عنها لاحقا.
وأضاف: ظلت التيارات المتباينة داخل المجلس في حالة صراع، وكان ذلك واضحا في تصريحاتهم ومواقفهم.ولفت إلى أن الخلاف الحالي بين الإدارات الأهلية والقادة السياسيين داخل المجلس، وأن إعلان ترك استقالته أحدث حراكا واسعا بين الإدارات الأهلية الموالية له، والتي حددت موقفها إلى جانب ترك، وبالتوازي قامت مجموعة البحر الأحمر برفض قرارات ترك، وقالت إن المجلس سيواصل مهامه.
ولفت إلى أن ما حدث في المجلس هو انشقاق سينهي وجود المجلس بشكله القديم ، وأنه في حال استمر لن يكون للمجلس أي أثر ملموس في المنطقة.
وأشار إلى أن تكلفة بقاء المجلس أصبحت عالية جدا في ظل استمرار الاحتراب الأهلي وعدم الاستقرار في الشرق، وأن ابتعاد الإدارات الأهلية عن السياسة سيكون له أثر إيجابي في الإقليم بغض النظر عن دواعي تفكيك المجلس الأعلى لنظارات البجا.
أما الخبير الاستراتيجي أمين مجذوب فأكد لـ»القدس العربي»، أن المجلس الأعلى لنظارات البجا بالأساس مجلس أهلي اجتماعي، لا علاقة له بالسياسة، لذلك كان من المتوقع أن تحدث فيه انشقاقات قبلية مثل التي حدثت في أعقاب مؤتمر أركويت الخميس الماضي، الذي تم بين مكونات قبيلة الهدندوة، والذي رفضت مخرجاته قبائل أخرى، مما أحدث انشقاقا في المجلس.
وأضاف: طالبت المجموعة المنشقة بتشكيل هيئة قيادة للمجلس، الأمر الذي يعني أن الناظر ترك أصبح خارج اهتمام المنشقين الذين رفضوا كذلك لجنة مجلس السيادة بقيادة حميدتي. وأشار إلى استمرار المطالب لترسيم الحدود بين القبائل وليس بين المحليات، معتبرا ذلك مؤشرا خطيرا، خاصة في ظل التهديدات بإغلاق الطرق والموانئ في الشرق في حال عدم تحقيق هذه المطالب. وأضاف: من الواضح أن الانشقاقات ستتسع بسبب طبيعة المجلس القبلية.
وكذلك هذه الانشقاقات، حسب مجذوب، مرتبطة باستقالة والي البحر الأحمر قبل أسبوعين، وزيارة حميدتي لشرق السودان في مارس/ آذار الماضي، وما تسرب من اتفاق حول تشييد ميناء جديد على بعد 200 كيلومتر شمال بورتسودان، فضلا عن الأحداث المتوالية التي حدثت في الموانئ السودانية المطلة على البحر الأحمر، من حرائق وغرق باخرة المواشي وغيرها من الحوادث.
ولفت إلى ظهور رئيس الوزراء الأخير في حكومة الرئيس المخلوع عمر البشير، قبل الثورة، محمد طاهر ايلا، والذي كان قبلها واليا للبحر الأحمر، مشيرا إلى أن عودته للمسرح السياسي لا يمكن إغفالها عند الحديث عن التداعيات الأخيرة في شرق السودان، خاصة مع أنباء عن قرب عودته للبلاد.
وأشار إلى أن مجلس نظارات البجا يسعى كذلك للبحث عن موطئ قدم في الحوار الدائر في الخرطوم لحل الأزمة السودانية.
وقال إن الأزمة في شرق السودان معقدة ومركبة، ويمكن أن يكون لها تأثير بالغ على الاقتصاد السوداني، خاصة أن الأخير يعتمد على المواسم الزراعية الصيفية والشتوية والاستيراد والتصدير لبعض مطلوبات الموسم الزراعي، والمرتبطة في غالبها بالموانئ السودانية على البحر الأحمر والطريق القومي شرقي البلاد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية