لندن ـ «القدس العربي»: يملك ساديو ماني في حساباته المصرفية ما يضمن رخاء أحفاد الأحفاد، ويستطيع شراء أفخم القصور والاستعراض بأحدث المحركات وأكثرها رفاهية في عواصم الأثرياء في أوروبا، لكن بالبحث عنه في محركات العالم الافتراضي، وتحديدا ما يتعلق بحياته الاجتماعية بعيدا عن أضواء وصخب نجوميته الطاغية داخل المستطيل الأخضر، سنلاحظ من الوهلة الأولى، أننا أمام شخصية يفوح منها التواضع والإحسان، بطريقة تكاد تتعارض مع نمط العصر الحديث، ويتجلى ذلك في ملابسه البسيطة وهاتفه الذي يحتاج شاشة جديدة، مقابل تحقيق ولو جزء من أحلام الفيلسوف الإغريقي أفلاطون، بتحويل قريته بامبالي التي كانت مغمورة ومجهولة، إلى أقرب نسخة للمدينة الفاضلة. وهو ما بدأ يتحقق على أرض الواقع، كما رصدت الصحف والمواقع العالمية آخر مستجدات أعماله الخيرية والإنسانية في مسقط رأسه، بطريقة فاقت في بعض الأيام الاهتمام الإعلامي بقصة انتقاله إلى بايرن ميونيخ.
معجزة سول
وُلد أسد التيرانغا في أبريل/نيسان 1992، لأسرة تعيش تحت خط الفقر، في قرية بامبالي، التي لا يزيد عدد سكانها على 25 ألف نسمة، وبينما كان يتشكل وعيه وإدراكه بالحياة بعمر السبع سنوات، تلقى أول صدمة، بفقدان الأب، لعدم وجود مستشفى في القرية، وفقا لروايته في الفيلم الوثائقي «فتى من بامبالي»، كانت أشبه بالذاكرة المدمرة المبكرة، التي ألهمته فكرة بناء أول مستشفى في بامبالي العام قبل الماضي، لكن ما بين صدمة وفاة الأب المبكرة وبين الوصول للمال والشهرة والمجد، مر بالعديد من المواقف واللحظات الصعبة، التي جعلته بالصورة أو الشخصية التي يبدو عليها الآن. وبدأت بكثرة مشاكله مع عمه والوالدة ساتو توري، لعدم قدرتهما على تلبية احتياجاته المادية، خاصة بعد معجزة سول، حين فاز منتخبه الوطني على حامل لقب كأس العالم المنتخب الفرنسي في افتتاح مونديال 2002، وبالأحرى في بداية تعامل الأطفال والأسر الففيرة في البلاد مع اللعبة الشعبية الأولى عالميا على محمل الجد، وما تبعها من صداع الحصول على قيمة تذكرة الأحلام، لقطع مسافة 500 ميل إلى العاصمة داكار، أملا في إقناع الكشافة الفرنسيين بموهبته وأحقيته في تحقيق حلمه، باحتراف كرة القدم والسير على خطى جيل المعجزة الحج ضيوف وأليو سيسيه وباقي الأساطير الذين سطروا حكاية الوصول لربع نهائي أول مونديال في الألفية الجديدة.
رحلة الصعود
يروي صاحب الـ30 عاما، أنه لم يجد مفرا من فكرة الهرب من العائلة، بعد نجاحه في اقتراض قيمة تذكرة السفر إلى الأكاديمية في داكار، معها أصبح كل شيء تاريخا، بداية بالرجل المسن، الذي وضع علامات استفهام بالجملة على الحذاء الممزق والملابس المتهالكة، مقارنة بالمظهر الخارجي لباقي الأطفال، يقول عنها: «سألني الرجل المسن: هل جئت للاختبار هنا؟ أليس لديك سروالا أفضل من هذا؟ أخبرته أنني جئت بأفضل ما لدي، وما أريده هو اللعب لأظهر نفسي، وفور دخولي الملعب، كان بإمكانك رؤية المفاجأة على وجهه»، وعلى الفور، لم يتردد الكشافة في إرساله إلى فرنسا، لامتلاكه كافة الشروط المطلوبة، بالجمع بين الموهبة والحاجة للمال، أو كما يقول بنفسه: «كانوا يبحثون عن القلة المختارة لأفضل وأفقر الأطفال في داكار»، ولا ينسى أنه لم يتمكن من مكالمة والدته يوم وصوله الأراضي الفرنسي، لعدم وجود رصيد في هاتفه، لكن في اليوم التالي اتصل بها وأخبرها أنه وصل فرنسا، فقالت: «أي فرنسا؟»، حتى أنها لم تصدق نجلها إلا بعد مشاهدته في التلفاز في ظهوره الأول مع ميتز في الدرجة الفرنسية الأولى، ورغم هبوط الفريق إلى القسم الثاني، إلا أنه كان محظوظا بما فيه الكفاية، بانضمامه في نفس العام للمنتخب الأولمبي السنغالي، ثم بذهابه إلى سالزبورغ النمساوي، الذي قاده لوضع قدميه على أول سلم الشهرة والنجومية الحقيقية، بنثر إبداعه مع ساوثهامبتون ثم سنواته الخوالي تحت قيادة يورغن كلوب في قلعة «الآنفيلد»، باعتباره حجر أساس ذاك المشروع الذي قضى على عقدة البريميرليغ بعد غياب 30 عاما، وقبلها معانقة دوري الأبطال السادسة، ولولا سوء الطالع بالاصطدام أمام ريال مدريد في نسختي 2018 و2022، لختم رحلته الأسطورية في الجزء الأحمر لمدينة ليفربول بأكثر من ستة ألقاب جماعية.
مفترق طريق
في الوقت الذي كان يكافح فيه لتعزيز أرقامه وسيرته الذاتية في بلاد الضباب، احتاج فترة ليست قصيرة لتوطيد علاقاته بالشعب السنغالي بوجه عام وأبناء قريته بامبالي بالتحديد، حتى أنه ظل يحظى بمعاملة المحترف اللامع حتى اللقطة الفارقة في بطولة أمم أفريقيا 2017 أمام الكاميرون في ربع النهائي، عندما أهدر ركلة الجزاء، التي تسببت في خروج المنتخب من البطولة، ومعها جاءت ردود الأفعال الغاضبة في مسقط رأسه، بهجوم وحشي على قصر عمه، بجانب تحطيم سيارته رباعية الدفع، على إثره اضطرت العائلة للخروج من القرية، إلى أن تدخلت الشرطة بعد 24 ساعة من الأعمال العدائية، رغم بكاء ماني واعتذاره للشعب في رسالته بعد المباراة. لكن بعد ذلك، تغيرت العلاقة من النقيض إلى النقيض، بعد ظهور بصمته وتأثيره على حياة البسطاء، مثل مساهمته بنحو مليون يورو لبناء المستشفى والمدرسة الثانوية، بجانب توفير خدمة الانترنت (4G)، ومعاش شهري بقيمة 70 دولاراً لعشرات العائلات والطلاب، والآن يسابق الزمن للانتهاء من إعادة تطوير مكتب البريد وتوفير محطة وقود بمواصفات آدمية، لتسهيل الحياة على مواطني القرية، وغيرها من المشاريع التجارية التي حولت بامبالي إلى مدينة جديدة، وفقا لوصف حساب «أفريكا فاكت زون»، الذي أناب عن جماعة «الباباراتزي» في عطلة ماني الأخيرة في قريته، والتي قضاها في متابعة ما يجري على أرض الواقع في المشاريع الإنسانية والخطط الاجتماعية الجديدة، وأيضا في ممارسة لعبته المفضلة مع زملاء الطفولة والأصدقاء في ملاعب خماسي من طراز «الماما أفريكا»، بدلا من الاسترخاء على أشهر الشواطئ في جنوب أوروبا والكاريبي، كما يفعل جُل المشاهير ونجوم الكرة في الوقت الراهن، حتى أنه لم يقطع الإجازة وأعماله الخيرية، إلا لوضع الرتوش الأخيرة على صفقة انتقاله من ليفربول إلى بايرن ميونيخ الأسبوع الماضي.
عهد جديد
بعيدا عن ساديو ماني الإنسان، يمكن اعتبار ذهابه إلى «آليانز آرينا»، بالعهد أو البداية الجديدة لكل الأطراف. بالنسبة لليفربول والمدرب يورغن كلوب، هو حجر أساس المشروع الذي حقق النجاحات الهائلة على مدار السنوات الست الماضية. صحيح محمد صلاح هو هداف الحقبة، وفان دايك هو صمام الأمان، وفي منتصف الرحلة عثر المدرب الألماني على ظهيرين آرنولد وروبرتسون بالجودة التي كان يبحث عنها، لكن لا أحد ينسى أن ساديو جاء قبل الجميع، باعتباره الصفقة الأولى والكبرى التي ساهمت بشكل أو آخر في عودة الريدز للمشاركة في دوري الأبطال، لتتوافد بعد ذلك الأسماء التي شكلت هوية ليفربول الذي نعرفه الآن، وخروجه الآن، يعطي مؤشرات واضحة لنهاية مرحلة وبداية أخرى، بالتخلي عن حجر أساس المشروع الأول واستبداله بأغلى صفقة في تاريخ النادي نونييز، برفقة كبير الهدافين محمد صلاح وديوغو جوتا ولويس دياز وبدرجة أقل البرازيلي المخضرم فيرمينو، بعد تمرسه على دور البديل الحاسم. في المقابل، يسعى مدرب البايرن ناغلزمان، للبدء في تطبيق أفكاره وقناعاته، بوقف إستراتيجية اللعب والمبالغة في الاعتماد على المهاجم رقم 9 الصريح، واستبدال ذلك باللعب بمهاجم كاذب، وسيكون بطل الرهان هو ماني، بعد مباركة انتقال روبرت ليفاندوسكي إلى برشلونة، وحتى إذا ظل الهداف البولندي لنهاية عقده الممتد لموسم آخر، سيتخلص المدرب من صداع ولغز مستوى ليروي ساني وسيرج غنابري وباقي الأجنحة التي تراجع مستواها تحت قيادة المدرب الجديد، مقارنة بالصورة الرنانة التي كانوا عليها مع المدرب السابق فليك، فيما ستكون فرصة مثالية للاعب، لإضافة المزيد من الألقاب والبطولات الجماعية لأرشيفه مع دخوله عقد الثلاثينات، وحال سارت الأمور كما يخطط لها، وظهر بنفس نسخته الحالية مع العملاق البافاري، فبنسبة كبيرة سيستمر في منافسة صلاح ورياض محرز وباقي نجوم أفريقيا على جائزة الأفضل، ولم لا يكون أوفر حظا من كريم بنزيمة في موسم آخر، والآن جاء دورك عزيزي القارئ لتشاركنا الرأي في معلوماتك عن أعمال ماني الإنسانية ومدى تأثير خروجه من ليفربول وما سيقدمه لزعيم الكرة الألمانية.