إقامات فكرية في أرخبيلات الشعر

ما من فكر عظيم، ومتوج بحظوة أنواره، إلا وتسكنه ذات شعرية، يعود لها فضل تجديد طاقته المعرفية على امتداد أمكنته وأزمنته. وهي القناعة التي تجعل من الشعر إطارا ملائما، لاستضافة أهم المفاهيم الفكرية والفلسفية، بما فيها تلك الأكثر براغماتية. ومرد ذلك، يعود إلى كونه الأرخبيل الآهل بالهبات، الذي تطمئن أسئلة الوجود إلى الإقامة في فضاءاتها، خاصة منها الأسئلة الأصلية، التي رافقت انطلاقة مشروع إقامة الوجود البشري في هذا العالم، باعتبارها أسئلة معنية باستكناه مكامن الحقائق الجوهرية، والمستنكفة لكل تصنيف، يحشرها داخل الخانات التي تتنازع ملكيتها كل من المنظومات العقلانية، والمنظومات الشعورية والحسية، فضلا عن الإشارات التي تتبادل بثها نيازك اليقظة والحلم.
إن الشعر وتبعا لذلك، يأخذ شكل مرجع معلن وسري في آن، الذي تستند إليه جل الخطابات، في منهجية ترسيمها لحدودها. لا فرق في ذلك بين الخطاب الفلسفي، والخطاب الديني والأسطوري. كما لا فرق في ذاك بين الخطاب السياسي والاجتماعي، ثم بين الفن الموسيقي والسينمائي، وغيرها من الاختصاصات ذات الطابع العلمي الدقيق، إلى جانب ما تزخر به قرائح العقلاء وهلوسات المجانين. حيث ترتفع – بقوة الشعري – الحواجز الفاصلة بين مقولات هؤلاء، وأطاريح أولئك، كي تغدو متحررة تماما من أسر مرجعياتها، ما يساهم في تجديد حياتها، وفي مضاعفة ديناميتها الإجرائية، كي تنخرط في تدشين منعطفات نوعية وإضافية، من مسارات ترحالها المعرفي.

فالشعر من هذا المنطلق، يبدأ حيث تنتهي الحبسة الفكرية والفلسفية، متجاوزا بذلك محدودية دائرة السؤال النظري، في اتجاه أرخبيلاته التي تمارس فيها أسئلة الكائن متعة خلخلتها لصروح اليقين، بعد أن فوضت له الذات الكونية، مسؤولية الحديث بلسان حالها المتعدد المنازل والمقامات. فما من مسكوت عنه في أرخبيلات السؤال الشعري، وما من استنفاد يتهدد مفاهيمها وإشكالياتها. إنها الفضاءات التي تتقاطع فيها المسارات، سواء كانت متجهة إلى العدم، أو مقبلة منه، وسواء كانت محتفية بجلال الكينونة، أو كاشفة عن بهتانها. بخلاف المنظومات الفلسفية التي يحتجب أفقها فور استنفادها لما تطرحه من أسئلة، فبقدر ما تكون هذه المنظومات وهي في أوج عطائها، عبارة عن مفاتيح إجرائية، مؤهلة لفتح ما لا حصر له من الخزانات الدلالية، إلا أنها وفي مراحل تالية، قد تنقلب على صلاحيتها، لتحكم إغلاق خزانها على ذاتها، وعلى الناطقين بلسان حالها. لذلك سيكون من الطبيعي، الجزم بأن أهمية الشعر، تكمن في إعلانه عن سلطة حضوره، حيث تحكم الحبسة قبضتها على خطاب المنظومة الفكرية.
فالمفهوم، ومهما كان مثقلا بحمولته الفلسفية، ومؤطرا بصرامة قوانينها، فإنه لا يلبث أن يستعيد حريته فور ولوجه أرخبيلات القول الشعري، الذي يتجاوز بفضله حدود التأويل المنصوص عليه في القول الفلسفي. إنها الحرية التي تمده بالمزيد من هوامش القول، والتأويل، والمساءلة، خاصة حينما تكون مثقلة بإحالاتها الميتافيزيقية، فمفاهيم من قبيل الوجود والزمن والبقاء والعدم، والكائن والكينونة والهوية، والذات والحرية والعقل والذاكرة، على سبيل المثال لا الحصر، وبمجموع ما يتفرع عنها من خطابات ومقولات ومنظومات ومواقف، وما تستلزمه من منهجيات، ستظل موضوع مقاربات دائمة، قابلة للتعدد والتنوع والاختلاف. والأصل في ذلك، قابليتها للتكيف مع كل ما يجد من أسئلة، وما يتفرع عنها من هوامش تفسيرية، وتعريفية، وتأويلية.

ولعل حضور «الثغرة» الممهد لتداعي البناء، هو ما يعجل بالحاجة الماسة إلى ترميمه «شعريا» بغية تمديد فترة صلاحيته. مع التذكير بأن الثغرة ذاتها، هي بمثابة النواة المنتظرة لانبجاس خطاب، يحتمل أن يكون مضادا تماما للأصل الذي تشكل فيه.

واستنادا إلى معطيات تاريخ الفكر المقارن، فإن المفاهيم غالبا ما تضيق بالتأطير النظري الثابت، لتجنح باستمرار إلى تغيير جلدها، دون أن تكون بالضرورة شبيهة بالأفعى. فكل ما يتم إقراره في شأنها من تصورات، لا يلبث أن يصبح لاغيا ومتجاوزا، بحكم ما يطال سيرورتها المعرفية من تحولات، حيث يمكن القول إن تشكلها رهن بطبيعة الدينامية الثقافية المحايثة لها، باعتبار أنه منجز لا يتحقق بالسلاسة المتوقعة، بقدر ما هو نتاج سلسلة متتالية من الشد والجذب المعرفي، المتطلع إلى تحيين حلول مؤقتة للإشكاليات المطروحة.
والتأكيد على الحلول المؤقتة هنا، يعني مبدئيا استحالة تتويجها بأي يقين مطلق، من شأنه تكريس استمراريتها اللامشروطة. ما يعني أن تقبلنا وتفاعلنا مع التدبير التأويلي والتفسيري للمفهوم الفكري أو الجمالي، مصدره الاطمئنان إلى التطابق الظرفي، القائم بين آليات التلقي والمقتضيات العامة التي يتميز بها هذا التدبير. لذلك سيكون من الطبيعي أن تتعايش الخطابات المتناقضة والمتعارضة حول المفهوم ذاته، في حقبة زمنية واحدة، يتسع معها المجال لإضافة المزيد من الإبدالات التصحيحية والتغييرية، حيث ينبغي الإقرار باستحالة وجود بناء نظري مثالي، تستوفي لبناته كل شروط تناضدها وتلاحمها. فالثغرة تكون حاضرة هناك في مقتله رغم احتجابها، بوصفها العلامة الدالة بامتياز على حتمية انهياره، إن على المدى القريب، أو البعيد.

ولعل حضور «الثغرة» الممهد لتداعي البناء، هو ما يعجل بالحاجة الماسة إلى ترميمه «شعريا» بغية تمديد فترة صلاحيته. مع التذكير بأن الثغرة ذاتها، هي بمثابة النواة المنتظرة لانبجاس خطاب، يحتمل أن يكون مضادا تماما للأصل الذي تشكل فيه.
وبالنظر إلى أن مجال اشتغال الخطاب الفكري، خاصة منه الفلسفي، يتميز بتوجهه الافتراضي والاحتمالي، فإن مفاهيمه تكون مدعوة للتسلح بيقين مضمر، يعدها بوهم تحقق انتظاراتها. وفي اعتقادنا أن اليقين المطلق بتحقق ما يندرج في حكم الاحتمال، جد ضروري في عملية بناء الخطاب، خاصة حينما يراوح بين مقاربته لأسئلة الطبيعة ولما وراءها. ذلك أن تسرب الحد الأدنى من الشك إلى يقينه، من شأنه تحجيم حركيته، ما يؤدي عمليا إلى إفراغه من حمولته الفكرية والاستشرافية. وهو إلزام ضمني، يتنكر له الشعر جملة وتفصيلا، لأنه غير معني بـ»البرهنة» على ما يخوض فيه من قول، وبوح وإيماء وشطح وإحالة وإيحاء، وغيرها من المقومات المؤطرة بجماليات مجازية واستعارية، لا تخضع بتاتا لقوانين الإلزام والتعاقد التواصلي. ولعل خاصية تحرر القول الشعري من تعاقدات البرهنة، هي المؤثرة في انفتاحه على مختلف الشطحات المجازية والاستعارية، التي تميزه عن باقي الخطابات الفكرية والجمالية، التي تجد فيه رافدا فعليا لبلورة أطروحاتها، دون أن تجاهر بذلك.

مع الإشارة إلى أن القياس المبطن بشحنته الشعرية، هو الإطار الذي تعتمده الخطابات الفلسفية في برهنتها على مقولاتها، خاصة منها المتعلقة بالإشكالات الميتافيزيقية، حيث تعمل على إضاءة مقومات ما هو مجرد، بمقومات ما هو مادي وملموس، انطلاقا من اقتناعها بقدرتها على التقاط ما تعتبره عنصرا مشتركا بين الطرفين. وهو سياق يوحي بحضور تلك الرؤية الشعرية، التي تتمكن بقوة جماليتها من استمالة القراءة وإقناعها، ففي غمرة تناول الخطاب الفكري لإشكالياته المعقدة، التي لا تخلو أحيانا من جفافها، فإنه لا يتردد في الاستنجاد بضوء التوليف الشعري، الذي يفتح الطريق أمام القراءة، كي تنتشي جماليا بما تتمثله، ضمن السياق العقلاني الذي يكون مهيمنا، باعتباره الأصل في بناء الخطاب. ما يدعونا للقول، إن الخطاب الفكري /الفلسفي ومهما بلغ من الموضوعية والعقلانية، سيظل بحاجة ماسة إلى ما تيسر من شعرية القول وشفافيته، التي تنتزعه من مضايق الاستحالة المغلقة، حيث الفضاءات المنفتحة على حظوة الإمكان. حظوة تسمح للذات بالإعلان عن هويتها عبر جمالية البوح، لعلها تتخلص ولو إلى حين، من نهب القيم المشتركة الشبيهة بغيلان أسطورية، لا تكف عن نهش كبدها، ما لم يتدخل ذلك الكائن الطائش، المسمى على سبيل الاستئناس الرمزي، بالشعر.

شاعر وكاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية