قديما عيب على أبي تمام جرأته على تشقيق الكلام ومخالفة القياس، أو ما يسمى مجاز الاشتقاق وهو كثير في الشعر القديم. ومثاله قوله في مدح المعتصم:
بالقائم الثامن المستخلف اطَّأدت // قواعد الملك ممتدا لها الطوَلُ
وتفرد المستشرق شبيتالر ومحمد محيي الدين برواية «اعتدلت» مكان «اطّأدت». وهي رواية لم نعثر عليها في أي من نسخ الديوان المعروفة. وما نخالها إلا من وضع النساخ، بسبب ما أثير حول لفظة «اطَّأدت» وهي الرواية المتواترة. وقد آخذه عليها كل شراح الديوان، ما عدا الصولي الذي فسرها بـ(ثبتت) قال: «أصله من أطد يأطد إذا ثبت». وعقب المرزوقي على تفسير الصولي ولم ير له وجها، فالرواية الصحيحة «اتطدت» وهو افتعل من «وطد».
وأشار أبو العلاء إلى أنها وردت في شعر البحتري وأضاف: «وينبغي أن يكون اشتقاق»اطّأدت» من الطود، بني على «افتعلت» من ذلك… ثم همزت للضرورة، لأن تاء «الافتعال» إذا كان قبلها طاء قلبت إليها». وأنهى أبو العلاء كلامه بالعبارة المأثورة لديه: «ويجوز أن يكون الطائي سمع «اطّأد» في شعر قديم فاستعمله». ورجح المستشرق يوهان فك أن تكون «اطّأدت» صيغة إضافية ترجع إلى لهجة خاصة تحلها محل «اتطدت» المتوقعة؛ أي صيغة الافتعال من وطد. وهي الصيغة الصحيحة. ويبدو رأي فك مغريا، ولعله الأقرب إلى الصواب، فثمة شواهد غير قليلة تؤيده: شعر أبي تمام نفسه ومتخيره من الشعر القديم، حيث جمع في الحماسة والوحشيات من شعر قبيلته طيء ما نقف فيه على ظواهر لغوية اشتهرت بها هذه القبيلة مثل استعمال «ذو» مكان «الذي» وقلب الياء في باب رضي وبقي ودعي ألفا، وما إليها من ظواهر.
على أن اشتقاقات أبي تمام، لم تجئ كلها مخالفة للقياس، وأكثرها يجري على أصول العربية وقوانينها في اشتقاق الصيغ وتصريفها. وهو مظهر مما أسميناه «شعرية اللغة» حيث ترد الكلمة في سياق من مشتقاتها. والمقصود بهذه الشعرية إنما هو التنويع الشعري على ما نسميه «جذرا» في نظام اللغة أو أصلا أو «ثابتا؛ وكأن التحول الشعري عند أبي تمام، هو في جانب منه، من تحول اللغة الداخلي: فـ»الأصل» في العربية صامت يتكون من صوامت وحسب، هي «الدال» وما يقدحه في الذهن من فكرة عامة، أو صورة ذهنية هي مدلوله. على أن «الأًصل» لا يوجد لذاته أو بذاته، بل هو ليس سابق الوجود، فهو جزء من كلمات «مختلفة» تتأدى في حيزه بوساطة المصوتات التي تضفي على الكلمة معناها أو مدلولها، على أساس من طابع المصوت وكميته، أو مدته من حيث الطول والقصر. وعليه فإن المصوتات هي التي تنهض ببناء الكلمة المصوغة، على نحو يتيح لنا الرجوع إلى «صورتها « أو «وزنها» أو «صيغتها» أو»بنائها».
ما يعنينا في هذا السياق، أن هذا النظام «نظام تعاقب المصوتات» أو بعبارة أدق «نظام التحول الداخلي» القائم على إدخال المصوتات في الأصل الاشتقاقي. ويؤثر هنري فليش هذه التسمية لأنها تسمح بإدخال التضعيف ضمن مجموع التغييرات الداخلية، من جهة، وتحدد وصف هذه التغييرات بأنها «داخلية» من أخرى. وهو نظام من خصائص العربية؛ أدار عليه أبو تمام اشتقاقاته الخاصة مثلما أدار عليه أسلوب الجناس، من حيث هو حركة لغوية داخلية محكومة بقوانين صوتية.
ومن أمثلة ذلك قوله يذكر قتل بابك وصلبه في سامراء:
وأباح نصل السيف كل ممهد // لم يحمرر دمه من الأطفال
هكذا رواه المرزوقي. و»ممهد» أي صبي في المهد لم يتغير دمه من الصفرة إلى الحمرة.
وكذلك قوله في مدح سليمان بن نصر:
يا سليمان ترف الله أرضا // أنت فيها بمستهل الغمام
ففي هذين البيتين تستوقفنا صيغتا» ممهد» (من المهد) «وترف» (من الترف) وهما توضحان الكيفية التي يستثمر فيها أبو تمام «نظام التحول الداخلي» في العربية حيث إدخال المصوتات داخل الأصل طريقة أساسية من خصائص الفصحى. وإضافة هذه المصوتات مقيدة بطابع المصوت وكميته، وتضعيف الصامت الثاني من الأصل في «مهد» و»ترف» يعتبر إضافة عنصر آخر أساسي إلى إمكانات هذه التغيرات الداخلية. ومن معانيه المبالغة وكونه محولا عن اسم (المهد، الترف). وما أعمق ما كتبه فليش عن التضعيف، الذي يمثل في الذوق العربي عملية النطق بالصوت الصامت مرتين متتاليتين دون انفصال، فضلا عن دوره البنائي في العربية، خاصة أن هناك كلمات لا يفرق بينها سوى التضعيف. ولا يوقفنا هذا النظام نظام «التحول الداخلي» على الهيئة التي تتخذها العلامة وعلى قواعد تنسيقها وحسب، وإنما يَبِين أيضا عن وظيفة التركيب في نظم المعنى وتنظيمه. فإنتاج معنى مختلف من الفعل المزيد «مهد» إنما ينجم عن النظام المتعلق بوحدتين لغويتين أو أكثر، بحيث ننتقل من الثلاثي «مهد» بشتى معانيه مثل بسط ووطأ إلى المزيد» مهد» بسائر معانيه المستعملة مثل سوى وسهل وهيأ وقدم، فإلى المعنى التمامي المستحدث أي الصبي في المهد الذي لم يتغير دمه إلى الحمرة.
وهو في تقديرنا معنى مزيد أو فضل معنى أو توسع في معنى الملفوظ وإفاضة، بل هو عبور من الكلام إلى اللغة نفسها، إذ يطعم الكلمة بما ليس منها مطابقة أو تضمنا والتزاما. وليس أصعب من هذا العبور الذي هو بمثابة وضع لغوي فهو لا يكون إلا إذا ترضّى ذائقة الجماعة وحظي بموافقتها. وكلمة «ممهد» موجودة في اللغة، لكن ليس بهذا المعنى الذي استحدثه أبو تمام أو «ولّده».
وعاب ابن سنان في «سر الفصاحة» على أبي تمام، لفظة علمية مثل «كيمياء، وعدها من «الألفاظ العامية المبتذلة، وليست من كلام الخاصة، ولا يحسن نظم مثلها». جاء ذلك تعقيبا على قوله:
ليزدك وجدا بالسماحة ما ترى // من كيمياء المجد تغنَ وتغنمِ
لكن من اللافت حقا أن يسوغ الآمدي هذا الاستعمال. قال: «قد أنكر عليه قوم «كيمياء السؤدد» واستهجنوه، وليس عندي بمنكر، لأنه أراد بكيمياء السؤدد، أي سر السؤدد، الذي هو أخلصه وأجوده» في إشارة منه إلى بيت آخر وردت فيه لفظة «كيمياء» بالصيغة التي ذكرها. إن لهذه الكلمة «كيمياء» شأنا في النص غيره في القراءة، وهي إنما تُقرأ في سياق التعبير الاستعاري الذي ينتظمها. ومن وظائف الاستعارة توسيع معنى لفظ أو اصطلاح هو عادة وقف على فئة خاصة من الناس. فلفظة (كيمياء) هي من اللغة العلمية التي يعيد الشاعر»تحيينها» شأنها شأن ألفاظ واصطلاحات علمية كثيرة الدوران في شعر أبي تمام. ولا نستغرب أن يختلفوا بشأن لفظة مثل «كيمياء» لسببين في الأقل:
أولهما أن هذه الألفاظ مخصوصة بمعان دقيقة موضوعة لها. وكل منها قائم بنفسه، متحقق بحقيقته، فإذا انتقلت إلى سياق استعاري أو كنائي «رمزي» اضطربت دلالتها، وربما ضاعت هي نفسها. وبضياعها يضيع عالم اليقين اللغوي. وكأن استبدال السياق ضرب من المسخ، ينسخ تأثير الكلمة، أو يسلبها قوتها الإيحائية.
وثانيهما أن لفظة «كيمياء» نفسها قد اختلفت الآراء فيها وفي أصلها. فهي عند البعض لفظة عربية أصيلة، مشتقة من «كمى الشيء وتكماه: ستره». وهي عند آخرين لفظة أعجمية معربة عن الفارسية أو العبرانية. نقل الصفدي أن أصل اللفظة «كي ميا» بمعنى: متى، تجيء على الاستبعاد. ونقل أن أصلها العبراني هو»كيم به» وتعني أنها من الله. أما عند أبي تمام، فإن استعمال لفظة كهذه، مما يوائم مذهب الصنعة الذي اشتهر به، ذلك أن «علم» الكيمياء القديم قام على أساس تحويل المعادن الرخيصة إلى معادن نفيسة. ويعرفه ابن خلدون بأنه «علم ينظر في المادة التي يتم بها تكوين الذهب والفضة بالصناعة»؛ أي من غير معادنهما أو بواسطة ما اصطلحوا على تسميته بـ»الإكسير» أو «حجر الفلاسفة» مستندين إلى فكرة مفادها أن المعادن المنطرقة كلها نوع واحد، وأن مرد اختلافها إلى الكيفيات الموجودة فيها من حيث هي أعراض متغيرة.
وقد شاعت هذه «الصنعة» عند القدامى، من الذين اشتغلوا بالكيمياء ونسجوا الأساطير حول نشأتها. لكن ظهر منهم من أنكرها وقال باستحالة وجودها.
فلعل شغف أبي تمام بهذه اللفظة، من شغفه بفكرة النوع أو الجوهر الواحد للمادة والأعراض المتغيرة فيها،من جهة، وهي التي أدار عليها لغته وشعره، وبأسلوب الرمز والإلغاز في بناء الصورة خاصة، من أخرى. وهو الأسلوب الذي توخاه حكماء الكيمياء القديمة في عرض نظريتهم، لكن برموز واصطلاحات خاصة بهم، أو هي من المتفق عليه عندهم. وقد نظموا بعضها شعرا كما فعلوا في علوم أخرى مثل علم النحو.
كاتب وشاعر تونسي