ميونخ. اليكم طريقة لقياس مدى اهتمام الأسرة الدولية في القضايا المطروحة على المحك: عدد الممثلين الموجودين للبحث في قضية معينة على هامش مؤتمر ميونخ للامن. رئيس المؤتمر النشط وولفغانغ ايشنغر حول المؤتمر إلى المنتدى الاهم في العالم في قضية العلاقات الدولية والامن، حيث يحتشد في كل عام في شهر شباط حوالي 300 مشترك من ارجاء العالم كله وعدد مماثل من الصحافيين في مبنى فندق بييرشر هوف الحصين. في القاعة المركزية و إلى جانبها قاعات جانبية اخرى وعدد لا ينتهي من الاجنحة والغرف والمطاعم والبارات تجري لقاءات سرية ليست من ضمن المخطط الرسمي للمؤتمر. ليست هناك مسألة مركزية على جدول الاعمال العالمي لا يتم التطرق اليها في برنامج المؤتمر، ولكن عدد القادمين لكل موضوع هو مسألة اخرى مغايرة تماما. وفقا لمقياس الحضور يتبين أن العالم في شباط 2015 مهتم جدا بما يجري في أوكرانيا، ويحاول فهم كيفية عمل دماغ وقلب فلاديمير بوتين.
وفي المرتبة الثانية نجد أوكرانيا، اما في الثالثة فنجد ايضا أوكرانيا وليس غيرها. ثلاث جلسات من المؤتمر خصصت لهذه المسألة وهي احتلت ايضا نصيب الاسد في خطابات قادة العالم الغربي. قضية الانحباس الحراري للكرة الارضية وحرية المعلومات والخصوصية والإعلام حظيت باهتمام متوسط. النقاش حول أفريقيا كان حاشدا بالحضور ولكن هذا الامر حدث لانه جرى في مطعم صغير نسبيا مع طعام فاخر والخطيب المركزي فيه كان كوفي عنان.
اسرائيل اعتادت تجاهل مؤتمر ميونخ. ولكنها في العامين الاخيرين ترسل ثلة مرموقة من الوزراء والمسؤولين الكبار. الا ان النظرة الان انقلبت والقادمون إلى المؤتمر لم يعودوا يهتمون بنا او بما يحدث في المنطقة باستثناء التطرق العابر لمكافحة داعش. اسحاق هرتسوغ جاء منفعلا إلى ميونخ لالقاء خطاب دولي هو الاول من نوعه باعتباره مرشحا لرئاسة الوزراء، فوجد امامه قاعة شبه فارغة وجمهور اوروبي وامريكي لا مبال.
المستشارة الالمانية ميركيل جاءت إلى ميونخ من موسكو وواصلت هناك لقاءاتها مع قادة روسيا وامريكا وفرنسا على طريق التوصل لاتفاق وقف اطلاق النار الذي وقع بعد ذلك بزمن قصير ودخل حيز المفعول يوم الخميس الماضي. مع ذلك الرياح التي هبت من فوق سطح مؤتمر ميونخ لم تكن رياح السلام وانما رياحا ساخنة للحرب الباردة. نائب الرئيس الامريكي جون بايدن صعد إلى المنصة والقى خطابا حادا جدا غير مسبوق في عدوانيته ضد روسيا وبوتين واتهمه باستخدام المؤسسات النفسية حتى يقمع معارضي حكمه واسكات امهات الجنود الذين ارسلوا إلى أوكرانيا. هذه ليست لغة من يعتقد بامكانية حل شيء ما مع الطرف الاخر من خلال الدبلوماسية. الولايات المتحدة خلافا لحليفاتها الاوروبيات تسعى لتسليح أوكرانيا بصورة معمقة ـ وهذا الامر بالنسبة لروسيا تدخل امريكي فظ في منطقة نفوذها.
لغة وزير الخارجية لافروف لم تكن اكثر سلاسة. عندما نفى في خطابه وجود قوات روسية خاصة في أوكرانيا، انفجر احد الحاضرين في القاعة ضاحكا. وزير الخارجية الروسي رد بصرامة وبدا وكأنه سينزل لضرب هذا الشخص بعد لحظات ـ اما الصحافيون والمحللون الغربيون فقد صبوا الزيت على النار عندما ادعوا ان روسيا هي نفس الدب السوفييتي الجبار والمنفلت الذي عرفناه في الماضي.
قادة امريكيون والمان تبادلت اطراف الحديث معهم في اواخر الاسبوع قالوا لي ان من الصحيح ان هناك وقف لاطلاق النار الا ان هذا الاتفاق محكوم عليه بالانهيار.
«مثلما خرق بوتين كل اتفاق سابق معه في الماضي». في هذه الوتيرة يبدو أنه ستكون هناك مسألة واحدة فقط ستعني القادمين لمؤتمر ميونخ في العام القادم ايضا ـ والمسألة الوحيدة التي بقيت مفتوحة هي عدد الاشخاص الذين سيقتلون في أوكرانيا بين هذا التاريخ وذاك.
يديعوت احرنوت 19/2/2015
رونين بيرغمان