لا شك أن احتلال بلاد الرافدين وتفكيك الدولة العراقية ونظامها وإبداله بنظام ثيوقراطي، أدخل هذا البلد في نفق سياسي مظلم يصعب تقدير نهايته.
وبغض النظر عن خطورة هذا التحول الخطير في شكل الدولة وتركيب مؤسساتها الطائفية، ساندت العديد من الدول الغربية والإقليمية هذا التغيير وأعلنت اعترافها الرسمي بالعملية السياسية الطائفية الجديدة، على الرغم من خلوها من أبسط قواعد الديمقراطية وحقوق المواطن العراقي في المساواة والعدل والعيش الكريم، حيث يعتقد الكثيرون ان الدافع الحقيقي وراء هذا الاعتراف السريع، هو الإسراع في تفكيك العراق لأسباب تتعلق بحجم وأهمية دوره في معادلة الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ناهيك عن إرادة الولايات المتحدة الأمريكية في استراتيجيتها الاقتصادية الهادفة إلى تطويق منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي الغنية بالنفط، لتحريك عجلة التنمية والاقتصاد المتدهور لنظامها وأنظمة الدول الغربية الحليفة لها. وهذا ما ساهم في دفع إيران لانتهاز الفرصة وعزز طموحاتها الاستعمارية التاريخية في العراق والمنطقة، ليؤدي بالتالي تحول العراق والدول المجاورة إلى مركز صراع إقليمي بات يهدد السلم الإقليمي والعالمي.
وقد عززت هذه التداعيات الخطيرة بشكل واضح الاستراتيجية القومية والعقائدية التي تطبقها إيران في العراق وسورية ولبنان واليمن. وهذا يدل على تصميم إيران على تثبيت مكانتها كقوة مهيمنة في الشرق الأوسط، بمساعدة الولايات المتحدة والدول الغربية، بعد التنسيق والانسجام الأخير في ما يتعلق بالملف النووي، في ظل مؤشرات أرسلتها إدارة أوباما في واشنطن لتأكيد التزامها التوقيع على اتفاق في ما يتعلق بملف إيران النووي قبل نهاية شهر مارس المقبل. وهذا دليل على أن الإدارة الأمريكية عازمة على تحويل نجاح محادثات هذا الملف مع طهران إلى هدف أساسي لنجاح استراتيجيتها لتأمين مصالحها المتمثلة في تغيير الخريطة الجغرافية لدول المنطقة، حيث كانت عملية احتلال العراق في 2003 بمثابة وضع حجر الأساس لمشروع تفتيت منطقة الشرق الأوسط. فثمة بداية تبلور لملامح هذا المشروع قد بدأت في الظهور، سواء كان هذا في العراق او في سورية أو اليمن، فكان التنسيق الإيراني المُتستر تحت غطاء شعار الممانعة والعداء الكاذب لإسرائيل، الذي جاء به نظام الخميني، وجعله قناعا للمراوغة والتضليل ليكون في النهاية الستار الواقي لجرائم دعمها وتسليحها مليشيات الأحزاب الطائفية وزج فصائل الحرس الثوري وقوات ما سمته «بجيش القدس» في لبنان وسورية واليمن والعراق.
في الوقت نفسه وانسجاماً مع تطور الأحداث على الساحة العراقية وتقدم مراحل التقسيم الاجتماعي والديموغرافي التي أفرزتها جريمة احتلال العراق ودخول الثقافة الطائفية التي فرضها التدخلان الأمريكي والإيراني، وجدت العديد من الوسائل الإعلامية الأمريكية والغربية أن الوقت أصبح مناسبا لدفع عملية التقسيم. محملة أسباب احتلال العراق وما جاء به من نتائج خطيرة على العراقيين أنفسهم، حيث يرى البعض في الغرب ان ما يحصل في بلدنا ما هو إلا شأن داخلي «فالعراقيون، شيعة وسنة وكردا ومسيحيين وايزيدين، يقتلون بعضهم بعضا، لأنهم لم ولن يفلحوا في العيش معا لسبب هو أن العراق «بلد صنعته بريطانيا» وان هذا التكوين الاصطناعي سينهيه العراقيون أنفسهم فالحرب الأهلية ستلغي خريطة المجتمع العراقي الواحدة، ومن ثم سيتم رسم خريطة إثنية تُضمن لكل مكون الاستقلالية والأمان والحماية من بطش المكون الآخر. ويعززون هذا القول بالتأكيد على أن تنظيم «الدولة الإسلامية (داعش)» لم يكن في استطاعته التوسع والصمود لولا وجود حاضنة سنية في أماكن وجوده، تقدم له الدعم والإسناد المعنوي والبشري، لأن قادة المكون السني في العراق لم يقبلوا بحكم الأحزاب التي جاءت بها إيران إلى السلطة. كما ان قادة الأحزاب الشيعية وميليشياتها في العراق ليسوا مستعدين لتقاسم السلطة مع المكونات الأخرى، وهم في النهاية يدينون لإيران قلبا وقالبا، فهم جنودها وأدواتها في تقسيم الكعكة العراقية، وما تقوم بها هذا المليشيات، كما حدث في جرف الصخر وبروانة …الخ، ليس سوى مراحل الفرز ورسم الخريطة الجديدة للعراق.
بيد ان زيف هذه الادعات والتصريحات تقابله حقيقة ما حدث في العراق من جرائم واخطاء. لقد أدى تدخل الولايات المتحدة عام 2003 إلى تدمير الدولة العراقية وتفكيك مؤسساتها العسكرية والأمنية، التي تميزت بأنها المؤسسات الوحيدة التي وحدت البلاد وحفظت سيادة الدولة العراقية، كما أن سياسة تغيير النظام «العراقي لم تكن سوى سياسة طائشة وعمياء، تجاهلت واقع المجتمع العراقي وواقع الشرق الأوسط وعلاقته الأمنية والاجتماعية مع اوروبا والغرب واحتمالات تأثير تطور الاحداث في العراق وسوريا في زيادة واتساع رقعة الإرهاب لتصل إلى أوروبا، التي أصبحت تدفع ثمن أخطاء غزو العراق وتغيير خريطته الاجتماعية، فمن خلال غزو العراق، فتحت إدارة بوش أبواب جهنم، في الوقت الذي لم يكن العراق خاضعا لإيران ولم تكن هناك ثقافة جهادية بعكس ما نشاهده اليوم، حيث تواجه الولايات المتحدة بلدا تتقاسمه المنظمات الجهادية والمليشيات الإيرانية في الجنوب والغرب.
لا شك ان الولايات المتحدة الأمريكية في غزوها للعراق قد حملت في ثناياها فكرة تقسيم هذا البلد المهم تاريخيا واقتصاديا. ولا شك أيضا ان كل مؤشرات فشل مخطط تقسيم المنطقة والعراق بدأت تلوح، رغم عمق الأخطار القادمة المتمثلة في انقسام العراقيين طائفيا، فالخروج من هذا الكابوس يعتمد بالدرجة الأولى على مدى قابلية العراقيين، شيعة وسنة، على التفاهم والوحدة والابتعاد عن التعاطف مع تنظيم «داعش» و»ميليشيات إيران» اللذين يشكلان بدون أدنى شك مشروعا واحدا هدفه تقسيم البلاد.
فدلالات فشل الغزو الأمريكي للعراق يدفعه ويتقاسمه الغرب اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً مع العراقيين. احتلال العراق جلب الدمار وقضى على الأمان وساهم في ظهور الإرهاب والتطرف الديني الذي ذهب ضحيته الملايين من العراقيين والسوريين، وبات يهدد أيضا المجتمعات الغربية المتعددة الأجناس والأديان. وهو الثمن الذي يدفعه الغرب نتيجة أخطاء الإدارات الأمريكية في غزوها للعراق وسعيها الفاشل لتقسيمه طائفيا وقومياً.
فتركيا وإيران لن تقبلا أبدا بإقامة دولة كردية مستقلة في العراق، قد تدفع المناطق الكردية في أراضيهما إلى العمل بالمثل. كما ان علاقة الغرب التاريخية مع بلاد الرافدين هي علاقة حضارية، تُدرس ثقافتها ويُحترم تاريخها، وهي حقيقة على الأرض وليست قصة أو حلما ترجمته خرافة «مشروع جون بايدن». بلاد الرافدين هي مد حضاري، وخُلق إلهي ذكرها الله في كـُتبه السماوية في القرآن، وذكرها في الإنجيل والتـــوراة. بقاؤهــــا أو فناؤها لم يكونا أبدأ شأنا دنيويا. فعراقنا خالد كخلـــود كلكامش، رسمته السماء بحروف إبراهيمية أصيلة، لا يُدنس بكفر وحقد عمائم إيران الفارسية ولا يـُمحى بمؤامرة كخلافة البغـدادي الأطلسية.
٭ كاتب من تيار المواطنة العراقي
أمير المفرجي