باحث إسرائيلي يدعو تل أبيب لتعلّم دروس الحرب في أوكرانيا وتطبيقها في حرب محتملة مع غزة

حجم الخط
1

الناصرة – “القدس العربي”: يدعو باحث إسرائيلي وجنرال بارز في الاحتياط لاستخلاص دروس الحرب في أوكرانيا من أجل تمكين الجيش الإسرائيلي من الاحتفاظ بتفوقه النوعي مقابل المقاومة الفلسطينية في غزة وحسم حرب محتملة بسرعة مشددا على ضرورة التمسك بالعلاقة المتينة مع الولايات المتحدة وبالتزامن الحفاظ على علاقات مع روسيا منبها لخطورة المعركة على الوعي والرواية في العالم. ويقول الجنرال في الاحتياط الباحث عاموس جلعاد في مقال نشره مركز السياسات والاستراتيجية إن تقديرات أغلبية الخبراء أشارت عشية اندلاع الحرب الأوكرانية إلى أن روسيا ستحسم الحرب بسرعة، بسبب موازين القوى المختلة لمصلحة موسكو، المعركة في جورجيا (2008)، وضم شبه جزيرة القرم (2014)، والتدخل العسكري الفعال في سوريا (2015)، أثبتت مكانة الجيش الروسي وقوته وتفوقه، كما النتائج المتوقعة للحرب بين الدولتين. ويتابع “رغم ذلك، وبعد مرور أكثر من 100 يوم من القتال الدموي، فإن الجيش الروسي لم ينجح في تحقيق أهدافه الاستراتيجية. وبرزت مرة أُخرى، القاعدة الأساسية في الحروب وهي أنه من دون استراتيجية شاملة تشتق منها خطة عملياتية ملائمة ودقيقة تستند إلى جاهزية عسكرية كافية للقوات، لن يكون من الممكن تحقيق الحسم في ساحة المعركة. فاللقاء بين صورة الجيش الروسي مع أرض الواقع في معارك دامية في أوكرانيا، أضر بقوة الردع الروسية، وزعزع البنية الأمنية التي أراد تحقيقها”.
وبرأي جلعاد دللت الحرب في أوكرانيا على الفجوة الكبيرة التي كانت لدى القيادة الروسية عشية نشوب الحرب بشأن كل ما يخص وضع العدو (كفاءة ودافعية)؛ كفاءة الجيش الروسي، وردة فعل المجتمع الدولي، والأثمان الهائلة التي سيدفعها الاقتصاد الروسي، ومكانة روسيا واستقرارها. معتبرا أن هذه الفجوة بين نظرة مضللة للواقع وبين ساحة المعركة (الواقع ذاته) يمكن أن تتجلى على الصعيد التكتيكي في إنجازات محدودة، أمّا على الصعيد الاستراتيجي، فإن هذا يأخذ صورة فشل سياسي – نظامي له تداعيات بعيدة المدى من شأنها أن تضر بالمصالح الجوهرية للأمن القومي الروسي
ويقول إن الحرب الأوكرانية في ذروتها، ومن الصعب تقدير ما سيحصل مستقبلاً في هذه الدراما التي تجري أمام أعيننا، والتي لها تداعيات واسعة ومباشرة على النظام العالمي والأمن الدولي والشرق الأوسطي. كما يقول الباحث الإسرائيلي إنه رغم ذلك، فإن على الجيش الإسرائيلي منذ الآن أن يستخلص العبر بسبب احتمالات الخروج إلى معركة في قطاع غزة أو لبنان ضد عدو غير متكافىء يعيش في بيئة حضرية – مدنية، ويمتلك أسلحة متطورة وقوية ودقيقة.

العبرة المركزية

والعبرة المركزية بنظره هي أنه يجب ألاّ تقف القيادتان السياسية والعسكرية جامدتين أمام ما هو قائم، وأن تدرسا بصورة نقدية كل فرضية أساسية، وأن تصوغا استراتيجيا ملائمة لقدرات وجاهزية الجيش. ويحذّر بالقول إنه من شأن وجود فجوة لدى القيادتين السياسية والعسكرية في قراءة الواقع أن يؤدي إلى أثمان عالية جداً، كما يجب أن يكون هناك تنسيق وتبادل دائم بهدف التأكد أن جميع أجزاء المنظومة العسكرية – السياسية تتشارك في الرؤى والفهم عينه في كل ما يخص أهداف المعركة وطريقة العمل ورؤية “اليوم التالي” للمعركة بهدف تحسين الميزان الاستراتيجي الشامل. كذلك يرى أن المعركة في أوكرانيا تدلل على أهمية التفعيل الملائم للقوة العسكرية والأسلحة والتكنولوجيا المتطورة بهدف ترسيخ التفوق العسكري في أرض المعركة. ومن هنا، فإن ثقافة الابتكارات ليست مسموحة فحسب، بل ضرورية أيضاً، وعلى القيادة العسكرية أن تستثمر في مسارات التعلم والتغير بشكل دائم بهدف الحفاظ على التفوق العسكري.
ويرى أن “رؤية الجيش الإسرائيلي بـ”العمل حتى النصر” تهدف إلى الرد على التحدي الموجه ضد التفوق العسكري، فقد تم صوغ هذه الرؤية عام 2019 بقيادة رئيس هيئة الأركان أفيف كوخافي، بالاستناد إلى الفرضية القائلة إن القوة العسكرية للجيش يجب أن تمر بعمليات تعديل مستمرة وكثيرة في ظل التغيرات التي يمر بها العدو، وتطور ما سُمي بـ”جيوش الإرهاب” التي تستند إلى أسلحة دقيقة. ويعتقد أن هذه الرؤية لم تتطرق إلى سؤال “ما الذي سيُحسم؟”، إنما تطرقت بعمق إلى سؤال “كيف سنحسم؟”، الأمر الذي يعني نقاشاً نقدياً يدور حول قدرات الجيش وطرق القتال ذاتها التي عليها أن تعظّم من التفوق النوعي وتعزز من الفعالية العسكرية للجيش.
ويتابع جلعاد “يمكن أن نجد أصداء النقاشات بشأن التغيرات الداخلية في الجيش الإسرائيلي في الكتاب الجديد الصادر عن الجنرال عيران أورطال، قائد مركز “دادو – للتفكير العسكري المتعدد المجالات (جسم داخل وحدة العمليات في الجيش)، تحت عنوان “الحرب السابقة”. ويفصّل الكتاب النقاشات والتخبط والصعوبات الحقيقية المرتبطة بالتغييرات الداخلية في الجيش أمّا الرسالة الرئيسية فلها علاقة بالتقدير أن الجيش الإسرائيلي يقف على مفترق طرق، وبالتالي عليه تبني طريقة “التجديد” (تغيير في البنية)، كما تغييرات شاملة بهدف إعادة تكوين ذاته من جديد في المنافسة الاستراتيجية مع الأعداء. ويقول أورطال إن هذا التغيير مرتبط بتغييرات جوهرية على ثلاثة صعد: الرؤية، والتكنولوجيا، والتنظيم ووظيفتهم استنفاد القوة الكامنة الموجودة، ما يسمح بقفزة عسكرية حقيقية”.

تنسيق كامل لتأمين التفوق النوعي

ويستنتج جلعاد أن هذه الرؤية تفرض عملية تنسيق كاملة للمعركة العسكرية، من خلال إظهار كفاءة قتالية عالية جداً تحقق التفوق النوعي على أرض المعركة المستقبلية. ويقول إنه رغم ذلك، فإن الرؤية ستكون عملية فقط في حال عبّرت عن تطور حقيقي في القدرات العسكرية والخطط الحربية، وعن اندماج جميع الوحدات في منظومة واحدة. منبها لوجود صعوبة في المنظومات الكبيرة بصورة عامة، والمنظومات العسكرية بصورة خاصة، على صعيد إجراء التغييرات، وكثيراً ما يتم التعامل مع التغييرات البنيوية/التكنولوجية، أو إدخال سلاح جديد وبدون حق، على أنها خطوات تجديد. ويؤكد الجنرال الإسرائيلي في الاحتياط أن الحرب في أوكرانيا دللت على أنه من الأفضل معرفة الفجوات في الكفاءة والقدرة قبل اندلاع الحرب وليس خلالها. كما بيّنت الحرب برأيه حاجة الجيش الإسرائيلي إلى ترسيخ التفوق العسكري أمام الأعداء والمنافسين الإقليميين، والحفاظ على حرية العمل خلال المعركة بين الحروب وفي الحرب ذاتها. ويتابع “في هذا السياق، فإن إدارة سياسية متزنة تتماشى مع مصالح الأمن القومي في مقابل القوى العظمى لها أهمية استراتيجية على صعيدين، فالتفوق العسكري يستند إلى عملية بناء القوة والشراء والحصول على سلاح متطور من الولايات المتحدة من خلال الحفاظ على التفوق النوعي المنصوص عليه في القانون الأميركي، كما أن التنسيق الاستراتيجي مع الولايات المتحدة يعدُّ عاملاً مركزياً في رؤية الأمن القومي الإسرائيلي وقوة الردع، وهو رصيد يجب عدم شرخه أو زعزعته”.

بين روسيا وأمريكا

إلى جانب هذا، فإن عمليات الجيش في الجبهة الشمالية تستوجب برأيه وجود آلية تمنع حدوث احتكاك مع الجيش الروسي، إلى جانب الاستثمار في عمليات سياسية وعسكرية يومية بهدف الحفاظ على حرية الحركة والعمليات. ويضيف “في هذا السياق، فإن للحديث اليومي المستمر مع الروس أهمية عملياتية في المعركة لمنع تمركز إيران في سوريا، ومنع تهريب الأسلحة المتطورة، لكن هذا الحوار يمكن أن يضر بالعلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة في ظل اشتداد المعارك في أوكرانيا. هذا الوضع معقد ويستوجب معرفة وذكاءً استراتيجياً في إدارة الحديث اليومي مع الروس، وفي الوقت ذاته الانتباه كي لا يُلحق الضرر بالعلاقات الحميمة مع الولايات المتحدة”.

صبر المجتمع الدولي

ويقول إنه هنا، من المهم الإشارة أيضاً إلى أن موضوع الشرعية والوعي يبدو كقضية مركزية في أوكرانيا لها تأثيرات على المناعة القومية، وعلى الأثمان التي يجب أن يدفعها الطرف المهاجم للمجتمع الدولي (عقوبات اقتصادية، وإقصاء عن المؤتمرات والنقاشات الدولية، وعزلة دولية). كما يرى جلعاد إن صبر المجتمع الدولي على معركة يسقط فيها الكثير من المدنيين الأبرياء، وتلحق ضرراً كبيراً بالبنى التحتية والمنظومات المدنية، تقلص كثيراً بعد الصور التي يجري التقاطها من الحرب في أوكرانيا. ويؤكد جلعاد أنه على إسرائيل أن تفهم أن ساحة الشرعية والوعي هي ساحة حرب بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، حيث تنشط خلال الحرب قوى ومنظمات دولية ومدنية هدفها إلحاق الضرر ونزع الشرعية عن إسرائيل، كما إلحاق الضرر بحرية الحركة العسكرية والتسبب بضرر سياسي طويل الأمد. وعلى إسرائيل أيضا برأيه أن تستثمر في جهود الشرعية كجهود قومية شاملة تمزج بين القدرات الاستخباراتية والدبلوماسية والسياسية لكبح انزياح الرأي العام الدولي، الذي يمكن أن ينعكس على حرية العمل العسكري، وعلى مكانة إسرائيل الدولية.
ويخلص غلعاد للقول” البداية للتفكير وبعدها للفعل” – عرّف الجنرال تامير (قائد سلاح البر)، يدعي خلال مؤتمر مركز دراسات السياسات والاستراتيجية، المهمة المركزية للجيش على أنها الانتصار في حرب قصيرة عبر إظهار تفوق عسكري، ونقل المعركة إلى الطرف الآخر من خلال تحييد تهديد إطلاق النار، وتقليص الضرر الذي سيلحق بقوات الجيش والجبهة الداخلية، إلى جانب تعزيز الردع استناداً إلى قدرات حقيقية وكفاءة مهنية عالية. ورغم ذلك، فإنه من دون استراتيجيا شاملة تسعى لتحسين ميزان القوى الاستراتيجي الإسرائيلي، وتقوية قوة الردع، وتعريف “وضع النهاية” على أساس التنسيق الكامل للتوقعات بين المستويين السياسي والعسكري، سيكون حسم المعركة موضع شك وستكون الأثمان على الصعيد الاستراتيجي – العملياتي والتكتيكي باهظة جدا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية