رفع الفيتو التركي على انضمام السويد وفنلندا للناتو فجر انتقادات لاذعة في الداخل التركي وسط تحذيرات من أن البلدين لن يلتزما على الأغلب ببنود الاتفاق.
إسطنبول ـ «القدس العربي»: على الرغم من موافقة تركيا -المبدئية- على السير قدماً في إجراءات منح عضوية حلف شمال الأطلسي لفنلندا والسويد بموجب الاتفاق الثلاثي الذي جرى التوقيع عليه قبل أيام على هامش قمة الناتو في مدريد، إلا أن أنقرة ما زالت تحتفظ بورقة قوية بدأت التلويح بها وذلك في حال لم يلتزم البلدان بتنفيذ بنود الاتفاق.
وعلى الرغم من تأكيد كبار المسؤولين الأتراك طوال الأسابيع الماضية على أن بلادهم لن تسمح بانضمام فنلندا والسويد لحلف شمال الأطلسي بهذه السرعة، إلا أنه جرى الثلاثاء التوقيع على اتفاق ثلاثي يقضي برفع الفيتو التركي على انضمام البلدين مقابل تعهدات مختلفة جرى تقديمها لأنقرة، وهو ما فجر انتقادات لاذعة في الداخل التركي للاتفاق وسط تحذيرات من أن البلدين لن يلتزما على الأغلب ببنود الاتفاق.
ولم يدم هذا الجدل طويلاً حتى بدأ مسؤولون أتراك ووسائل إعلام مختلفة بالتلويح بأن الموافقة التركية على منح عضوية الناتو لفنلندا والسويد ليست نهائية- ويمكن التراجع عنها وذلك من خلال التلويح بورقة البرلمان التركي الذي من المقرر أن يوافق على مسار العضوية في مراحله الأخيرة.
وحسب اللوائح الداخلية لحلف شمال الأطلسي، يتوجب على برلمانات كافة الدول الأعضاء الموافقة على عضوية أي بلد ينوي الانضمام للحلف، وهو ما يعني أن البرلمان التركي ستكون لديه الكلمة الأخيرة في مسار الموافقة التركية على انضمام البلدين، وسيكون بإمكانه تأخير هذا المسار أو رفض العضوية وإحباط مساعي البلدين للانضمام.
ويتوقع أن تبدأ المفاوضات الرسمية للانضمام عقب الموافقة التركية المبدئية وبالتالي اكتمال الموافقة المبدئية لكافة الدول، على أن تجري مباحثات تفصيلية حول الجوانب السياسية والعسكرية والمالية والاستراتيجية وغيرها، وفي احتمال اكتمال هذا المسار بنجاح ستبدأ الدول الأعضاء عرض ملف انضمام البلدين على برلماناتها الوطنية وهي الخطوة الأخيرة قبيل الانضمام الكامل في حال موافقة جميع الدول.
واعتبرت أوساط تركية مختلفة أن هذا المسار والمتوقع أن يستمر لعدة أشهر قبيل الانتقال لمرحلة التصويت النهائي في البرلمان يتيح لأنقرة عدة أشهر تستطيع خلالها اختبار نوايا فنلندا والسويد في تنفيذ كافة المطالب التركية والشروط التي جرى الاتفاق عليها في وثيقة الاتفاق الثلاثي، حيث تدور شكوك واسعة لدى أوساط تركية مختلفة حول مدى التزام البلدين بهذه البنود.
والجمعة، ألمح الرئيس التركي رجب طيب اردوغان أن الاتفاق الثلاثي الذي نص على رفع الفيتو التركي على انضمام فنلندا والسويد «ليس نهاية الأمر» وقال في حوار مع الصحافيين على متن طائرة عودته من قمة الناتو في مدريد: «لا داعي للإسراع في التصديق على الطلبين في البرلمان» وهو ما اعتبر بمثابة تلويح علني بنية أنقرة تعطيل مسار الانضمام من خلال البرلمان في مرحلة لاحقة. واعتبر اردوغان أنه يتعين على أنقرة أولا معرفة ما إذا كانت الدولتان ستنفذان الوعود التي قطعتاها بموجب المذكرة، بما في ذلك تسليم المشتبه بهم الذين تطلبهم تركيا، وأضاف: «يجب أن يكون معلوما، هذه التوقيعات لا تعني أن القضية انتهت. بدون موافقة برلماننا لن يدخل هذا الاتفاق حيز التنفيذ. لذلك لا داعي للاستعجال» وتابع: «الكرة في ملعبهم الآن. السويد وفنلندا ليستا عضوين في حلف شمال الأطلسي حاليا».
وردا على سؤال حول تسليم المشتبه بهم، قال اردوغان، الخميس، إنه إذا لم ترسل دول الشمال هؤلاء الأفراد «فسنفعل ما هو ضروري من خلال مؤسساتنا ووحداتنا» لافتاً إلى أن السويد سلمت بلاده «4 إرهابيين من أصل 73 إرهابيا مطلوبين من قبل السلطات الأمنية التركية» وأضاف: «التعهدات المدرجة بمذكرة التفاهم مع فنلندا والسويد مهمة، لكن الأهم هو تنفيذها، ونتعامل بحذر مع الأمر بصفتنا دولة طُعنت من ظهرها أكثر من مرة بمكافحة الإرهاب».
وفيما اعتبر بمثابة رد على التصريحات التركية، شدّد وزير العدل السويدي مورغن يوهانسون الخميس على أنّ القرارات المتعلّقة بتسليم مطلوبين إلى دول أخرى يُصدرها قضاء مستقلّ، وأضاف: «القانون السويدي تطبّقه محاكم مستقلّة.. يمكن تسليم أشخاص غير سويديين إلى دول أخرى بناء على طلبها، لكن حصراً حين يكون هذا الأمر متوافقاً مع القانون السويدي والاتفاقية الأوروبية حول عمليات الترحيل» مذكّراً بتعذّر تسليم أيّ مواطن سويدي. كما جدّدت رئيسة الوزراء السويدية التأكيد على أنّ بلادها «مستمرة باحترام القانون السويدي والقانون الدولي» فيما يتعلق بعمليات الترحيل.
ويتوقع أن تشهد الأشهر القليلة المقبلة الكثير من التجاذبات السياسية بين تركيا والبلدين حول الكثير من النقاط التي شملها الاتفاق الثلاثي وتحتمل التأويل على أكثر من وجه وخاصة فيما يتعلق بتسليم المطلوبين ومنع الأنشطة التي تعتبرها تركيا إرهابية على الأراضي السويدية والفنلندية وأنشطة تمويل المجموعات الكردية وتنظيم غولن والموقع المتوقع لهذه الدول من العملية العسكرية التركية المتوقعة شمالي سوريا وقرارات حظر توريد الأسلحة وغيرها من الملفات.
وبناء على هذه التطورات يتوقع أن يتخذ اردوغان قراره النهائي بالإيعاز للبرلمان بالموافقة على انضمام فنلندا والسويد من عدمه، حيث يستطيع الرئيس إعاقة المسار من خلال نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم بشكل مباشر، أو حتى من خلال اللجوء إلى حليفه حزب الحركة القومية والقادر على إعاقة المسار لوحده لعدم امتلاك العدالة والتنمية الأغلبية البرلمانية الكافية لتمرير القرار وهو ما يرفع الحرج المباشر عن الرئيس.