لندن ـ «القدس العربي»: يرافق ملف مفاوضات النووي الإيراني في منطقة الشرق الأوسط قلق كبير لدى الدول الخليجية والكيان الإسرائيلي، ولم يعد الأمر يتعلق بالقلق فقط من القنبلة النووية الإيرانية وإنما بمستوى التسلح وخاصة القدرة الصاروخية لطهران. وهذه التطورات بدأت تدفع نحو إقامة «ناتو عربي» قد يكون ملحقا للحلف الأطلسي طالما أن إيران تعد جزءا من التحالف الصيني-الروسي.
وطيلة العقدين الماضيين، اهتم العالم بالملف النووي الإيراني لأن من شأنه أن يخلق تغييرا في منطقة الشرق الأوسط، ذلك أن توفر دولة على قدرة عسكرية نووية يعني تغيير قواعد اللعبة لاسيما إذا توفرت على السلاح النووي التكتيكي. ويدرك الغرب صعوبة استعمال إيران القنبلة النووية إذا حصلت عليها، لكنه يتخوف من نجاح إيران في الحصول على السلاح النووي التكتيكي.
وكان العالم قد استبشر بالاتفاق النووي المتعدد الأطراف الذي تم التوصل إليه خلال نيسان/ابريل 2015 وقعته إيران مع الدول الست الكبرى وهي الصين والولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، وهو اتفاق سمح لطهران بالحق في الطاقة النووية السلمية، وفتح آفاقا جديدة للدبلوماسية العالمية. غير أن هذا الاتفاق لم يدم كثيرا بسبب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلغاءه لأنه لا يرغب في رؤية دولة شرق أوسطية وإسلامية وبالأخص إيران تتحكم في الطاقة النووية وإن كانت طاقة سلمية.
وتبرز كل المعطيات إلى فشل التوصل إلى اتفاق نووي جديد رغم ماراثون المفاوضات الحالية، ورغم وجود جو بايدن في البيت الأبيض وهو الرئيس الذي كان نائبا للرئيس باراك أوباما عندما تم التوصل إلى اتفاق 2015.
وبالموازاة مع صعوبة نجاح مفاوضات البرنامج النووي نظرا لتشبث إيران بحقها في التخصيب النووي وشروط الغرب، يوجد مسلسل آخر يتبلور بشكل سريع وهو إقامة حلف عسكري بين إسرائيل والدول العربية في الشرق الأوسط لمواجهة ما يفترض «السياسة التوسعية لإيران» في المنطقة. وتتسارع الخطوات بعدما نجحت في خلخلة عدد من قواعد اللعبة بنجاحها في التغلغل في لبنان عبر حزب الله وفي فلسطين عبر حماس نسبيا وفي اليمن عبر الحوثيين وتنسيقها الكبير مع العراق.
ولا يمكن فصل التكتلات العسكرية الجارية في الشرق الأوسط والمزمع تنفيذها في المستقبل بمعزل عن مصير المشروع النووي الإيراني. ذلك أن إيران عازمة على تنفيذ مشروعها لسببين:
في المقام الأول، قدرتها على الاستمرار في مقاومة الحصار الاقتصادي. وتتجه إيران أكثر نحو الصين وروسيا لاسيما بعد الاتفاق التاريخي معها السنة الماضية. وكانت إيران قد طلبت الأسبوع الماضي الانضمام إلى مجموعة البريكس الاقتصادية التي تضم كلا من الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا.
في المقام الثاني، تدرك إيران أن استمرارها في المشروع النووي لن يجعل الولايات المتحدة تهاجمها، فمن جهة، عملية غزو على شاكلة ما تعرض له العراق سنة 2003 من القوات الأمريكية والبريطانية عمل مستحيل، ومن جهة أخرى، القصف الجوي ولو بالسلاح النووي التكتيكي لن يضع حدا لبرنامجها النووي.
وتستغل إسرائيل الخوف الخليجي من إيران لتعقد تحالفات عسكرية أحادية ثم جماعية مع الخليج. وكانت البداية مع الاتفاقيات الأحادية مع كل من الإمارات والبحرين، التي بدأت سنة 2020. وتطورت إلى مشروع متعدد جرى الاتفاق عليه خلال منتصف حزيران/يونيو الماضي، ويتجلى في نشر منظومة رادارات في عدة دول عربية بشكل علني أو غير علني ومنها البحرين والإمارات تحت مبرر مواجهة «التهديدات الإيرانية». كما تستغل إسرائيل امتناع الولايات المتحدة عن تزويد دول الخليج بأنظمة متطورة مضادة للصواريخ مثل باتريوت ونظام ثاد.
في الوقت ذاته، تسعى إسرائيل إلى بناء تكتل عسكري شبيه بالحلف الأطلسي سيضم عددا من دول الشرق الأوسط، وسيكون الجناح الشرقي للحلف الأطلسي وتحت إشراف الولايات المتحدة. في هذا الصدد، قبل أيام، نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية خبرا يتعلق بلقاء مسؤولين عسكريين أمريكيين مع نظرائهم في كل من إسرائيل والأردن ومصر وعدة دول خليجية. ونسبت الصحيفة إلى مصدر مطلع القول إن الاجتماع عقد في مدينة شرم الشيخ المصرية، وبحث آليات سبل التنسيق ضد تنامي قدرات إيران الصاروخية وبرنامجها الخاص بالطائرات المسيرة.
ولا يعد حلف شرق أوسطي عسكري بمشاركة إسرائيل فكرة جديدة في المنطقة، بل طرحه الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما ثم شدد عليه خلفه دونالد ترامب ويحييه من جديد الرئيس الحالي جو بايدن. ويهدف هذا الحلف إلى ثلاثة أهداف رئيسية وهي:
أولا، تسعى الولايات المتحدة إلى جعل دول الشرق الأوسط تتولى أمنها القومي بدون الاعتماد على البنتاغون. وكان البيت الأبيض قد أخبر دول المنطقة سنة 2011 بأن الأولوية لواشنطن ستكون منطقة آسيا نظرا لارتفاع قوة الصين، وأصبح الوضع ملحا الآن بعد الحرب الروسية ضد أوكرانيا لأن الحرب الباردة مع الصين وروسيا لن تسمح لواشنطن بالتواجد في كل الجبهات.
ثانيا، إدماج إسرائيل في منظومة عسكرية شرق أوسطية سيجعلها تستفيد من الاستثمارات العربية في مجال السلاح، بحكم أن جزءا هاما من السلاح سيكون من الصنع الإسرائيلي لاسيما المنظومات العسكرية المضادة للصواريخ والطائرات المسيرة. كما ستجني إسرائيل ربحا سياسيا وهو الاندماج التام في الشرق الأوسط.
ثالثا، إقامة حلف عسكري سيعني الدفاع المشترك. ولهذا، تسعى إسرائيل إلى نشر منظومة مضادة للصواريخ في الدول الخليجية وتركز أساسا على العربية السعودية.