شمس الدين عبداتي رئيس المركز الدولي لحل النزاعات في المغرب: «الانحراف الإعلامي» خطر على السلم الاجتماعي

حاوره: عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
0

يرتقب أن تحتضن عاصمة المملكة المغربية الرباط، فعاليات الملتقى الأول حول «دور الإعلام في الوقاية من النزاعات وفي حلها» الذي ينظمه المركز الدولي لحل النزاعات في العاصمة المغربية، حيث يناقش دور الإعلام في الوقاية من النزاعات وأيضا في حلها.
ويوضح المركز في ديباجة التقديم المرفقة لبيان الملتقى، أنه يناقش بشكل شفاف وصريح كثير من المواضيع ويبحث أيضا عن إيجاد الآليات الناجعة للارتقاء لإعمال ركن متين من أركان العدالة ألا وهو الوسائل البديلة لحل النزاعات.
في حواره مع «القدس العربي» يثير شمس الدين عبداتي، رئيس المركز، مسألة حل النزاعات بطرق الوساطة والتحكيم، ويسلط الضوء على الدور المنوط بوسائل الإعلام في هذا الباب، كما يبسط مفاهيم الوساطة والتحكيم التي يعتبرها البعض وسائل موازية للقضاء.
وفي ما يأتي نص الحوار.
○ المركز الدولي لحل النزاعات، هل نتحدث هنا عن نزاعات ذات طابع سياسي دولي أم نزاعات محلية بين الفاعلين في مجالات الشغل والاقتصاد وحتى السياسة أي وربما بين الأحزاب والنقابات داخليا؟
• التحكيم والوساطة هما وسائل بديلة لحل النزاعات، والبعض يعتبرها وسائل موازية للقضاء الرسمي، وهذه الوسائل لها مميزات متعددة منها السرعة والسرية وانخفاض التكلفة، وحرية الاختيار: اختيار القانون الواجب التطبيق، اختيار المحكمين والوسطاء، واختيار المكان والمدة الزمنية، وكل النزاعات القابلة للصلح قابلة للتحكيم أيضا. غير أن مركزنا لا يعالج المنازعات السياسية، ومجال عمله هو القطاعات التجارية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والأسرية.
أما المنازعات السياسية فلها مؤسساتها القضائية والوطنية والدولية والتي تعنى بمثل هذه النزاعات، وتستخدم مجموعة من الطرق منها الدبلوماسي ومنها المساعي الحميدة والمفاوضات والتوفيق والوساطة والتحكيم الدوليان، ومجموعة من وسائل الضغط الأخرى لإنهاء نزاع ما… الخ.
التحكيم الذي يعنينا نحن في المركز، فهو بشكل عام وسيلة لحل بديل وليس وسيلة بديلة عن القضاء ما يفسره البعض خطأ، ويعني حل النزاعات بين طرفين أو أكثر، عن طريق، طرف ثالث مستقل ونزيه، وأحكام التحكيم أي (الحكم) إلزامية. والتحكيم أيضا يقوم على ثلاثة أسس أو مبادئ، أولها أساس إرادة الأطراف، وثانيها هو إقرار المشرع لهذه الإرادة أي اعتراف الدولة بقرارات التحكيم وأصدارها لقانون ينظمه، وثالثها هو الثقة في المحكمين والمحامين والخبراء الذين يشاركون فيه جميعا.
○ التفكير في ملتقى يناقش دور الإعلام في الوقاية من النزعات وحلها، هل هو إيمان من المركز بأن الإعلام ما زال يمتلك السلطة المعنوية وحتى المادية من خلال تنويره للرأي العام وبالتالي مساهمته في إنهاء النزاعات؟
• الفكرة بطبيعة الحال بتنظيم ملتقى كهذا، ليست اعتباطية، بل تأتي في سياق فكري ينبع من استراتيجية المركز بأن الإعلام كسلطة رابعة معنوية، وكسلطة ثقافية واجتماعية وتنويرية أيضا وسياسية وتربوية، له دور فاعل في حركة المجتمع وقضاياه، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية، وبما ان مجاله متعدد: من الأخبار إلى التوعية والتثقيف، فإن له دورا كبيرا ذا طابع مزدوج، أما انه يعزز التفاهم والحوار بين كافة هذه المكونات، ويساهم في توفير مناخ ملائم لحل النزاعات والصراعات أو يزيد من فعل الاصطدام وتأجيج الصراعات والنعرات، وإثارة كل العوامل المؤججة للصراعات والنزاعات.
كما تأتي فكرة تنظيم الملتقى انطلاقا من إدراكنا التام في المركز بأهمية الإعلام بكل صيغه المطبوعة والمسموعة والمرئية والإلكترونية على الصعيدين الوطني والدولي في نقل الحقائق والأخبار بمختلف أنواعها إلى الجمهور، وما له من دور كذلك في تشكيل الرأي العام والتأثير عليه سلبا أو إيجابا.
وهذا الفاعل (الإعلام) في المجتمع وفي كل تجلياته وأنشطته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والقضائية والقانونية، فحتما لابد ان تحصل في إطار التفاعل بين كل هذه المكونات الإعلامية بينها وبين غيرها خلافات ونزاعات، كما تحكم، كافة هذه المؤسسات الإعلامية سواء كانت مقروءة أو مسموعة، تقليدية أو حديثة عبر المواقع الإلكترونية أو وسائل التواصل الاجتماعي، واجبات ومسؤوليات، محكومة بسيادة القانون المتعلق بحرية الإعلام والصحافة، وحماية حقوق الغير، وضرورة الموازنة بين حرية التعبير واحترام حرمة الحياة الخاصة، والحيلولة دون خلق اختلافات ونزاعات من شأنها ان تساهم أولا، في ابتعاد وسائل الإعلام عن دورها الحقيقي وهو المساهمة في نشر ثقافة السلام والسكينة وتغليب لغة الحوار والتفاوض بشكل بناء وعن وعي وإدراك للمشكلات، وثانيا، هو إعطاء الانطباع للمختلفين والمتنازعين من أشخاص ذاتيين أو مؤسساتيين عموميين أو خواص بأن المشكل مشترك ويجب حله بشكل مشترك، وهذا هو ما يدعو إلى اللجوء للوسائل البديلة لحل النزاعات بدلا من اللجوء إلى القضاء الرسمي. وثالثا، الابتعاد عن المساطر النظامية واعتماد المساطر الاختيارية لما لها من مميزات عديدة منها، السرية وحرية الاختيار بين القانون الواجب التطبيق، وحرية المكان والزمان، وحرية اختيار المحكم أو الوسيط، أيضا ضعف التكلفة، واختيار الحل بشكل مشترك، مما يساهم في استمرار العلاقة بين المتنازعين.
○ فكرة الملتقى تأتي في وقت تصاعد فيه النقد الموجه للإعلام، على اعتبار أنه صار مؤججا للنزاعات بدل إطفائها، كما أنه يتلقى سيلا من النقد بخصوص دوره في تنوير المجتمع حيث أنه يتهم بصناعة التفاهة ونخص بالذكر هنا الإعلام الذي صار رديفا لمواقع التواصل الاجتماعي، فهل هي محاولة لرد الاعتبار للإعلام النزيه والمهني أم من اجل إعادته إلى سكته الأصلية إن كان قد زاغ عنها؟
• لقد بات تأثير وسائل الإعلام في نوعية الخبر المقدم من قبلها بطريقتين، الأولى: هي التبعية السياسية أو الاقتصادية للوسيلة والتي توجه طريقة تغطيتها للخبر ان لم نقل ما تمليه عليها هذه الجهة أو تلك، فقد يكون الخبر أبيض إذا توافق مع توجهاتها، وقد ويكون أسود إذا تعارض مع توجهات هذه الجهة أو تلك. ومن الطبيعي أن يكون معظم الذين يستفيدون من هذه الوسيلة أي الذين لا يهمهم صحة الخبر بقدر ما يهمهم تزويد أفكارهم ومعتقداتهم وقناعاتهم بالمعلومات المناسبة من وجهة نظرهم وتخدم بالتالي مصالحهم. فقد نرى صحفا ومجلات ومحطات إعلامية قد تكون معروفة سلفاً بلونها اليساري أو اليميني المعتدل أو المتطرف. وهي تنشر الأخبار على الطريقة التي تهم مسيريها أو مموليها، وقد تكون هناك فئة شغوفة بالاستماع إليها وقراءتها ان كانت في شكل منشورات أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وهذا النوع من الإعلام الموجه ان صح الوصف قد لا يكون خطيرا أو قد يكون ضرره محدودا بفعل الرقابة، لأن هويته معروفة مسبقا.
غير ان الخطورة تكمن فيما بات يعرف بالسبق الصحافي وكأن الأمر يتعلق بحلبة سباق، وهدفه هو نشر خبر قبل غيره بغاية توسيع مساحته في السوق الإعلامية والإخبارية، ما يشكل خطرا على الاستقرار المجتمعي، بفعل لجوء الوسيلة الإعلامية إلى تضخيم الخبر أو بإضافة منمقات مشوقة تستدرج المواطنين لقبولهم لها، عن جهل بخلفيات تلك الأخبار، بحيث تكون مصاغة أحيانا بشكل يجعل من الخبر الصادق كاذبا ومن الخبر الكاذب خبرا صحيحا ومقبولا.
ولا شك في أن نشر أو بث مثل هذا النوع من الأخبار، قد يشكل بؤرا للنزاع وللخصومات والصراعات في المجتمع سواء كان مدنيا أو اقتصاديا أو سياسيا أو ثقافيا وحتى علميا، لأنه (حق اريد به باطل).
ولعل هذا الملتقى يكون مناسبة لإثارة هذا النوع من الإعلام وتوجيه أصحابه إلى الخطورة التي يشكلها على استقرار المجتمعات وعلى السلم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي والتربوي، لا سيما أن هذا الانحراف الإعلامي يجب ان يطاله القانون لما له من خطورة على مسارات التنمية، لأن نشر أخبار كاذبة عن إجراءات ما حكومية مثلا أو غير حكومية من شأنها ان تدفع بالمواطنين إلى القيام برد فعل غير محسوب العواقب ويكون بالتالي مصدرا للقلاقل مما يشكل عرقلة للمخططات التنموية.
○ تبقى النزاعات من بين العوائق الأساسية التي تقف حاجزا أمام التحالفات العالمية في شموليتها، فهل سيحاول الملتقى أن يقف على الحقيقة كاملة وأن يكشف الأسباب وبالتالي الخوض في الحلول أم هو مجرد تسليط للضوء لا غير؟
• هذا أمر يرجع إلى ما سيتفق عليه المنظمون من حيث شمولية المحاور، لان الورقة التقنية هي مشروع يبقى قابلا للتوسع والشمولية مع مراعاة الحياد التام للمركز عن ما هو سياسي (السياسية المحلية والإقليمية والدولية) هذا من حيث المبدأ، فالموضوع يتعلق بدور الإعلام بكل صيغه في المساهمة في حل النزاعات، كما له دور عكسي في تأجيج هذه النزاعات لغايات ومصالح مختلفة، وهو الأمر الذي نتوخى من الملتقى ان تكون مخرجاته لها توجه إصلاحي في اتجاه إعلام متخصص، وملتزم، يثقف ويلعب دورا كبيرا في توعية المواطنين، إعلام مواطن ومسؤول، واقتصادي وتنموي، وجاذب للاستثمار، وواع بمسؤوليته الوطنية والإقليمية والدولية، إعلام يساهم في الاستقرار الأمني والقضائي والاجتماعي.
للإعلام دور كبير في تحريك الأسواق وتوجيهها، فهو منشط لعملية وعجلة التنمية الاقتصادية، وهو يستخدم لذلك مجموعة من الوسائط المتعددة، إضافة للصحافة والفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، بل بات إعلاما متجولا بالمعلومات والأخبار يرافق المستثمر والتاجر والفاعل الاقتصادي والقانوني والقضائي عبر جواله أو بريده الإلكتروني وغايتنا هو ان يدرك الإعلامي دوره على الوجه الصحيح والمفيد، وفي مناخ خال من الصراعات والنزاعات المعرقلة للعمل وللتنمية.
○ أمام تفاقم النزاعات على المستوى العالمي، لماذا تبدو الهيئات الأممية عاجزة عن إيقاف التطاحن بين الأمم وإشاعة ثقافة السلام؟
• هذا السؤال يتعلق جوابه بالمنظمات الدولية والإقليمية المعنية، وان كان من وجهة نظري الخاصة هو ان الأمر يتعلق بعدم وعي الشعوب بأهمية السلام، ولكن أيضا يتعلق الأمر بمسؤولية الفاعلين السياسيين وتجاهلهم لآراء الشعوب المعنية، وعدم إشراكهم في المواقف والقرارات المتخذة باسمهم والتي لا تكون دائما في صالحهم، وبالتالي تبقى القرارات الفوقية غير قابلة للتطبيق على أرض الواقع، لأن الوقع المعيش ببساطة دائما مختلف عن النظر من الزجاج، لذلك تبقى كل الإجراءات والمجهودات غير مجدية بالشكل المطلوب.
○ ماذا لو سألناك عن دور المجتمع المدني في مسألة النزاعات الدولية وهل المجتمع المدني العربي بأحزابه ونقاباته وهيئاته قادر على أن يكون له دور في إيجاد حلول لهذه المعضلة المتواصلة على الصعيد العالمي؟
• المجتمع المدني له دور كبير وفاعل في حل النزاعات، لكن يبقى الامر على المستوى المحلي والإقليمي وليس دوليا، وان كانت بعض المنظمات الدولية تشركه في الرأي والمشورة فيما يسمى بصناعة السلام خاصة على مستوى الوسائل البديلة لحل النزاعات، خاصة على المستوى الإقليمي والمحلي، كما هو الحال بالنسبة للمغرب في دور المجتمع المدني في حل النزاعات الاجتماعية: الأسرية، العمالية… الخ
○ يبدو أن الأحزاب السياسية في المغرب مثلا منخرطة فقط في حل نزاعاتها الداخلية فهل سيتسنى لها الوقت أن تكون شمولية في اهتماماتها والمقارنة يجوز إسقاطها على أحزاب سياسية في دول عربية أخرى؟
• أعتقد ان تجربة الأحزاب المغربية في حل نزاعاتها ما زالت غير ناضجة بالقدر الذي يمكن تصديرها وجعلها نموذجا قابلا للتصريف، وان كان من الممكن الإقرار بخاصية المغربي بميوله لحل النزاعات كشيء فطري، على المستوى التنظيمي ما زال الأمر مبكرا في اعتقادي لتصديره، لان ما يحدث من خلافات بين الأحزاب هي خلافات ظرفية غير مؤسسية، وغالبا ما تنتهي بمبادرة وسيط مقبول لدى الطرفين على مائدة عشاء أو غداء وتنتهي بانتهاء الموسم، باستثناء تلك الاختلافات الإيديولوجية، لأن الأمر هنا يتعلق بالتوجهات الخاصة بكل طرف وحريته في ذلك.
○ بخصوص الملتقى، ماذا عن أسباب النزول ولماذا اختيار هذا التوقيت بالضبط والعالم يعيش إيقاعه الخاص من نزاعات يبدو أن لا حل لها؟
• ما من نزاع إلا وله حل لان الإنسان لا تولد معه الرغبة في الدخول في نزاع مع الآخرين، بل هو شيء مكتسب من خلال البيئة الاجتماعية والمحيطة التي نتحرك فيها، والاكتساب هو أحد عناصر التعلم، بغض النظر عن نوع هذا التعلم أو هذا الاكتساب أكان مفيدا أم مضرا صالحا أو طالحا.
لذلك تعتبر بيئتنا الاجتماعية هي التي تزودنا بالتعليمات والمهارات والسلوكيات الأخلاقية والأدبية منذ الطفولة، وتبقى كذلك ان لم يتم تقويمها وتعديلها بقيم سلوكية وتربوية مقبولة وسليمة، فما هو النزاع أصلا؟ فالنزاع لا يوصف بهذه الصفة إلا إذا تم عرضه على القضاء، أما قبل ذلك يسمى خلافا، والخلاف يعرفه بعض الأخصائيين بأنه هو (الخلاف الذي ينشأ بين شخصين أو أكثر، أو بين فئتين أو حزبين أو كيانين، أو عائلتين، على موضوع معين سواء كان ذلك موضوعا قانونيا أو بسبب وجود تعارض في المصالح) أما النزاع قد يختلف عن الصراع، بحيث إن الصراع عبارة عن مشاكل طويلة الأمد وعميقة الجذور تحتوي على قضايا تبدو للوهلة الأولى أنها غير قابلة للتفاوض وعصية أمام الحلول والمقترحات لحلها. غير انه كل هذه الأشكال سواء كانت خلافات، نزاعات، صراعات، لابد ان تحل كلا حسب طبيعتها والوسائل المتخذة لحلها، يتوقف الأمر على المكتسبات والمهارات التي يتوفر عليها الوسطاء من المحكمين والمفاوضين، وعموما لكل نزاع طبيعته ولكل خلاف أسبابه وأدوات حله.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية