الإنسان وريث صراعات متعددة، ومتنوعة. ما تكاد تخمد حتى تشتعل من جديد، بشكل آخر، أو من نوع آخر، أو في مكان آخر. صراع مع العوامل الطبيعية، صراع مع الوحوش والضواري، والأشد خطرا وفتكا، هو صراع الإنسان مع بني جنسه من البشر!
لقد أصبحت معركته مع العوامل الطبيعية والوحوش والضواري- إلى حد ما -تحت السيطرة، والجزء الأكبر من تلك المعركة أصبح في ضمير الماضي، أما صراعه مع بني جنسه فإنه ما زال قائما، وما زال الخط البياني للإبداع في صناعة الأسلحة بارتفاع ملحوظ إلى يومنا هذا! إن دل هذا على شيء، فإنه يدل على هشاشة الحضارة الإنسانية، التي لم تستطع الانتقال من منطق القوة والإخضاع، إلى منطق التفاهم والإقناع. فما هي العلاقة بين فكرة الصراع وتفعيلها على مستوى الواقع؟
إذا كانت كل فكرة هي مشروع عمل، فإن انحياز الإنسان لتبني مشاريع الصراع يفضح رغبته في السيطرة. إذ أن ما يميز الأفعال هو مقاصدها، وليس أي شيء آخر. ويعتبر السجن من أقدم الأسلحة التي استخدمها الإنسان لإخضاع الآخر، أو إبعاد خطره عن المجتمع. والزنزانة هي وليدة فكرة السجن وملخصه وصورته الأكثر بلاغة، فالسجن يمثل حالة عزل جزئي، من حيث هو حيز مكاني يتيح للسجين ممارسة اجتماعيته مع أمثاله من السجناء، أي أنه حالة اجتماعية محدودة، ومقيدة في الزمان والمكان والأشخاص والأفعال. أما الزنزانة، فهي حالة بين مرحلتين، مرحلة السجن من جهة، وحكم الإعدام من جهة أخرى. لذلك فإن غالبية من يحكم عليهم بالإعدام ينقلون إلى زنزانات فردية قبيل تنفيذ الحكم. وللإعدام أشكال متعددة، ومتنوعة، أخطرها ما يقوم على إعدام حس الإنسان بكرامته، أو قتل مقومات فطرته الاجتماعية، لذلك فإن علاقة السيد بالعبد – حسب هيغل – هي أول علاقة اجتماعية نشأت عن صراع بين طرفين، انتهى بإبقاء المنتصر على حياة المنهزم، لكي يجعل منه عبدا، أي (وعيا) تابعا.
إلا أن السجن في كل أشكاله، لم يكن حتميا في حياة الإنسان، أو حالة عامة، فغالبية الناس لم يعيشوا هذه التجربة. لذلك رأينا وسمعنا أن الذين ضاقوا ذرعا بفطرتهم الاجتماعية، وحاولوا الخروج عليها، لجأوا إلى العزلة الطوعية، التي تعددت أشكالها، من حدها الأدنى المتمثل في اللجوء إلى القراءة، إلى الخلوة في لغة المتصوفة، إلى التأمل، والمجاهدات، لكيلا يتنازل الإنسان عن خصوصيته الفردية، لصالح المطابقة قليلة التفكير مع الجماعة، كما يقول إدغار آلان بو. والعزلة بهذا المعنى كانت وما زالت موجودة.
فالزنزانة وكورونا والميتافيرس ليست سوى إطارات مفاهيمية لبراديغم paradigme يبدو أنه يتحرك في مناخ سوسيو حضاري، حيث يمكن ضبط إيقاعه وفق الخطط المرسومة لحركته. أما بالنسبة للعالم الثالث فالأمر مختلف، وهذا الاختلاف هو بيت القصيد. فالعالم لم يعد بين قوسي فلسفة مارتن هيدغر.
عزلة آنية، محدودة، وفي الوقت نفسه هي عزلة إرادية، يقوم بها بعض الناس لغايات خاصة بهم. وهي تعتبر نوعا من الرياضات، لذلك كان إميرسون يحث المعلمين الحكماء أن ينصحوا طلابهم بأهمية قضاء فترات في العزلة، والمداومة عليها. ليس لقتل اجتماعية الإنسان، بل لتنقية النفس مما يكدرها. فالفضاء الاجتماعي، بما يتيحه للناس من قدرة على تداول شؤونهم، والاطلاع على أفكار وتجارب الآخرين، هو بمثابة مدرسة، منهاجها الحياة. وهذه المدرسة تشجع حتى العبيد على تجاوز عبوديتهم. لذلك كان هذا الفضاء عائقا أمام الكثير من المشاريع التي تهدف إلى تطويع البشر، واستغلالهم.
فكيف تحول الناس من كائنات اجتماعية إلى كائنات متجاورة؟!
فكرة هذا التحول كانت إحدى هواجس علماء الاجتماع، الذين أدركوا مخاطرها، وحذروا منها. وثمة دول وحكومات حاولت استعادة نمط (العائلة الممتدة) وشجعت على ذلك. بيد أن الزمن لا يعود إلى الوراء، وتطور وسائل الاتصال الذي قضى على تلك الآمال لم يتوقف، فكان الإنترنت، وفيسبوك، أحد أهم أبنائه، ثم الواتس أب، ثم انفتح الباب على مصراعيه، فكانت تغريدات التويتر، وصور الأنستغرام، ثم تتالت البرامج، وتعددت المواقع، والنتيجة إبعاد الإنسان عن التفاعل الواقعي مع محيطه الاجتماعي، وإسكانه في عالم بديل. عالم مواز يعتمد على الصوت والصورة والكلمة المكتوبة. مساحة في عالم افتراضي، تمكن مستخدمها من التواصل مع الآخرين، والتفاعل معهم، دون أن يغادر سريره في غرفة النوم! وتعلقنا بتلك المواقع وإن بدأ طوعيا، وأخذ شكل التسلية عند البعض، إلا أنه مع الوقت بدأ يستأثر باهتمامنا، ويلبي الكثير من احتياجاتنا (التواصل، البيع، الشراء، المراسلات) إلى أن أدمناه. وبدأ القائمون عليه يدرسون الطريقة المثلى لربطنا بتلك المواقع أكثر وأكثر، من خلال تلبية تلك المواقع لاحتياجاتنا. هذه الثورة التي بدأت ترسم ملامح عالمنا الجديد، لن تسلم منها حياتنا الشخصية، بل كانت حياتنا الشخصية في صلب التغييرات التي أحدثتها تلك الثورة، ما حدا بالباحث جمال سند السويدي عام 2013 إلى إصدار كتاب يحمل عنوان «وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في التحولات المستقبلية: من القبيلة إلى فيسبوك». ولم يتوقف تأثير تلك الثورة على ما رصده الباحث في كتابه، فسرعة تقدمها، وتوالي الابتكارات في أنظمتها، والتطور المتلاحق في أجهزتها، والتنوع الهائل في برمجياتها، لا يقاربه شيء. فالعالم الذي استطاع أن يضع داخل دماغ الشخص المصاب بمرض الباركينسون ميكرو- حاسوب يقوم بوظيفة الأعصاب التالفة في الدماغ، من حقه أن يحلم بالـ(نانوـ روبوت) الذي ما زال اختراعه يراود خيال المدير التنفيذي في Googl رايمند كورزويل ذلك الرجل الذي تجاوز عمره 65 سنة، وحصل على 24 براءة اختراع، ما زال على قيد العبقرية التي قاربت الجنون! فالعالم الافتراضي لم يعد مجرد محاكاة حاسوبية للعالم الواقعي، أو بيئة ثانية يلجأ إليها الناس في أوقات الفراغ، لقد أصبح موازياً للعالم الواقعي، ومتقدماً عليه في كثير من الأحيان. إن تفاقم سيطرة هذه التقنيات الحديثة على الإنسان، ومحيطه، أيقظت الكثير من المخاوف، خاصة بعد الانتفاضة التي أحدثتها ثورة الميتافيرس. وكل الذين في إمكانهم أن ينظروا بعمق إلى دلالات ذلك التحول، وتأثيره في الإنسان بوصفه كائنا اجتماعيا، هم خارج دائرة القرار في هذه المعادلة.
نحن الآن أمام ثلاثية (المتخيل والرمزي والواقعي) وأدوات تلك المفاهيم قد قدمت المتخيل والرمزي على الواقعي. لاحقا سيتقلص الواقعي بحدود الحاجات البيولوجية للفرد، وستختفي لغات، وتندثر علوم، ويندثر معها تاريخ طويل من حياة البشرية. فعالم الإنترنت الذي نعرفه في طريقه إلى الزوال، والوريث المنتظر رصيده (50 مليون دولار) وجيش من الخبراء، وهو يحمل اسم (الميتافيرس). عالم رقمي ينتمي إلى الجيل الخامس من منجزات الاتصالات. هذا الجيل يمكنك أن تعيش حياة افتراضية موازية للحياة الواقعية، من خلال نظارة خفيفة، توفر اتصالا بجميع الحواس. يمكننا من خلال تلك النظارة أن نحضر الاجتماعات والحفلات والصفوف الدراسية، ونحن في منازلنا!
ثمة مفصل مها في رحلة التباعد الاجتماعي يقع بين الميتافيرس، ومنجزات ثورة الاتصالات السابقة عليه. مفصل تدور حول نشأته شكوك كثيرة. هذا المفصل يدعى (كورونا) أو (كوفيد 19). فيروس مثير للشبهات والاهتمام في آن واحد. فقد تخطت الوفيات بسببه الخمسة ملايين نسمة حول العالم، وانتشرت بسببه فكرة التباعد الاجتماعي التي كادت أن تتحول إلى ثقافة عامة لدى جميع الناس، وفي كل أنحاء العالم! هذا الفيروس، وموعد ظهوره، يجعلنا نقف للحظات مع عالم الفلك البريطاني مارتن ريس (1943) الذي وضع كتابا بعنوان (ساعتنا الأخيرة) ونشره منتصف عام 2003، في هذا الكتاب يؤكد ريس على مخاوفه من إرهاب نووي، وفيروسات معدلة، ومميتة، وانفلات أجهزة من صنع الإنسان، وهندسة وراثية تغير من طبيعة البشر، إلخ.. والأهم من ذلك أن ريس يعتبر عام 2020 عام (الخطأ البيولوجي). فهل هذه المعلومات تنبؤات عالم فلك، أم أن الرجل على دراية بما يدور في مراكز الأبحاث العالمية؟ أيا كان الجواب، فإن الرجل قال كلمته في كتاب منشور، والوقائع تجعل كلماته أقرب إلى الحقيقة.
نستخلص من هذا كله أن تحولا طرأ على طبيعة المطلوب، فما هو المطلوب بعد كل تلك التحولات؟ هل المطلوب هو الحقيقة أم المعنى؟ ثم ما هو المعنى؟ هل هو الدلالة أم العبرة؟ وما هي العبرة التي يمكن أن نستخلصها من كل ذلك؟ هذه التساؤلات ولاّدة بطبيعتها، ولا يمكن ضبطها بأجوبة قاطعة. فالزنزانة وكورونا والميتافيرس ليست سوى إطارات مفاهيمية لبراديغم paradigme يبدو أنه يتحرك في مناخ سوسيو حضاري، حيث يمكن ضبط إيقاعه وفق الخطط المرسومة لحركته. أما بالنسبة للعالم الثالث فالأمر مختلف، وهذا الاختلاف هو بيت القصيد. فالعالم لم يعد بين قوسي فلسفة مارتن هيدغر.
كاتب سوري