رحيل عبد السلام العُجيلي ضفة الرقة الثانية وأيقونتها الجميلة: طبيباً بين الناس وأديباً هاوياً في أوقات فراغه

حجم الخط
0

رحيل عبد السلام العُجيلي ضفة الرقة الثانية وأيقونتها الجميلة: طبيباً بين الناس وأديباً هاوياً في أوقات فراغه

أنور بدررحيل عبد السلام العُجيلي ضفة الرقة الثانية وأيقونتها الجميلة: طبيباً بين الناس وأديباً هاوياً في أوقات فراغهدمشق ـ القدس العربي منذ أسبوع مضي كنت في الرقة أتابع الندوة الدولية لحوار الحضارات، وكعادة كل من يزور الرقة زرّنا الكاتب الكبير عبد السلام العُجيلي أو عدّناه في منزله وهو مريض، فتلقانا بابتسامته الندية، وانحنينا نقبل وجنتاه، وكانت بيننا السيدة القاصة فوزية المرعي التي لم تتخلف عنّا، بل أرخت جديلتها عليه، فبادرها بالشعر المحليّ:يامْ الجديلة والقامة عديلة وكل القبيلة بحبك هيمانة… …لكن المرض حال دونه ودون إكمال ما بدأ. وفي صباح يوم الأربعاء الخامس من نيسان (إبريل)، إذ كنا في تشييع الشاعر محمد الماغوط من مشفي دار الشفاء في دمشق إلي بلدته سلمية، أتانا نبأ وفاة الأديب العُجيلي فتذكرت قصيدته تلك التي لم تكتمل، وتذكرت ألق عينيه وهو يستقبل زواره، فبدا لي الموت غادراً. وحين جلست لأكتب عن العُجيلي راثياً تذكرت كلمة السيد أحمد شحادة خليل محافظ الرقة حين قال في افتتاح ندوة العُجيلي للرواية العربية إن الفرات العظيم ليس أكثر من ضفة أولي للرقة، لأن ضفتها الثانية التي لا تقل غنيً عنها تتمثل في العالم الجليل والأديب المرموق الدكتور عبد السلام العُجيلي لأن كثيراً من الأعلام استمدوا كنيتهم أو شهرتهم من المدن التي ولدوا أو عاشوا فيها، إلا الرقة فلا ندري من أضفي علي الآخر شهرة هي أم العُجيلي؟ ولد الدكتور عبد السلام العُجيلي ـ علي الأرجح ـ عام 1918، كما يقول الأستاذ محمد الجدوع في كتابه التاريخ والعُجيلي حين كانت الرقة بلدة صغيرة أكثر منها مدينة، مع أن بعض المصادر تتباين في تأريخ ولادته ما بين عامي 1912 و 1920، إلا أن الثابت لدينا أنه أنهي دراسته الابتدائية في مدينة الرقة عام 1929، حيث اضطر أن يغادرها إلي مدينة حلب ليكمل دراسته في ثانوية المأمون، ثم ارتحل إلي دمشق حيث درس الطب في جامعتها، وعاد إلي الرقة إثر تخرجه طبيباً ليزاول مهنته في معالجة الناس، لكن العاصمة دمشق سرعان ما استردته نائباً عام 1947 عن مدينته الرقة، وكان أصغر نائب في ذلك المجلس. ورغم انتماء العُجيلي إلي بلدته ولنمط الحياة والعلاقات في باديتها،إلا أنه عُرف باتجاهاته الوطنية والقومية، إذ حاول في سن مبكرة الالتحاق بالمجاهدين ضد الغزو الصهيوني الاستيطاني لفلسطين، لكنه رفض لحداثة سنه، فعاود الالتحاق بجيش الإنقاذ عام 1948، وقلما نجد طبيباً ونائباً يلتحق بجيش الإنقاذ في تلك الفترة، حين عجزت الجيوش العربية عن إنقاذ فلسطين، وقد كتب العُجيلي عن هذه التجربة جيش الإنقاذ صور منه وكلمات عنه وكان آخر إصداراته. شغل الدكتور العُجيلي وزارات عدة فكان وزيراً للخارجية وللثقافة وللإعلام عام 1962 في زمن الانفصال، مبرراً ذلك سعيه لإعادة الوحدة بين سورية ومصر، لكن أحلامه خابت فغادر حقل السياسة ليعود طبيب الرقة وأديبها كما يصفه الروائي والقاص وليد إخلاصي: وكأنما قُدّر للعُجيلي في حياته أن يكون رسول رحمة لآلاف المرضي من أهل المدينة وبدو صحرائها المتناثرة من حولها… ولو أن الزمن عاد إلي الوراء لوجدنا سامر القبيلة يدور بين الخيام في الأحياء المتناثرة، وهو يوزع تمائم العافية، ولتبين لنا أنه قد حمل في الزمن الحاضر أسم عبد السلام العُجيلي . وقد تحدث العُجيلي عن تجربته السياسية بالقول :”حين كان اليمين غالباً في بلادنا كنت يسارياً، وحين غلب اليسار رآني الكثيرون يمينياً . لكنه يسارع إلي نفي هذا الاتهام مستشهداً أن كتاباتي حملت من العناصر التقدمية البناءة أقوي بكثير عما حواه نتاج كثير من كتاب الجبل . يقول العُجيلي عن نفسه أنه طبيب محترف، بينما يمارس الأدب هواية في أوقات فراغه، ولكنه سيدهش الكثيرين حين نعلم أن مؤلفاته بلغت 44 مؤلفاً موزعة ما بين 14 مجموعة قصصية، وسبع روايات وخمس كتب جمع فيها محاضرات له، إضافة لثلاثة كتب عن أسفاره المتعددة، ومثلها في الطب، ومثلها مقالات مجموعة، وله ثماني كتب أخري منوعة، لكنه لم يصدر إلا ديوان شعر واحد عام 1951 باسم الليالي والنجوم . تعود بداياته الأدبية إلي محاولات في المسرح وهو طالب ثانوي، ثم نشر أولي قصصه تومان عام 1936 في مجلة الرسالة المصرية ، وإذ كان استفاض في كتابة القصة القصيرة، فإنه عاد إلي المسرح لاحقاً حين كتب نصين في المسرح الغنائي لفرقة الرقة للفنون الشعبية، وهما برج عليا وصيد الحباري ، نالا تقديراً وجوائز في مهرجانات عربية وعالمية، رغم أن النصين غير مطبوعين حتي تاريخه. عُرف عن العُجيلي حبه للسفر والرحلات حيث جاب البلاد العربية والأوروبية كما جاب الأمريكيتين، وقد كتب عن أسفاره حكايا من الرحلات و دعوة إلي السفر وضمّن تجاربه الأخري في الكثير من أدبه القصصي والرائي، وبشكل خاص عندما يتحدث عن العلاقة بين الشرق والغرب أو بين الرجل والمرأة. لكن العُجيلي يؤب إلي رقته باستمرار، وإلي ناسها وهمومهم، فيكتب عنها في مجموعته الأولي بنت الساحرة عام 1948، كما كتب لاحقاً في رواياته باسمة بين الدموع، المغمورون، أرض السيّاد وأفاض في الحديث عنها فيما كتب من منوعات ومحاضرات، وكان في كتاباته كما أشار سابقاً منتمياً علي قضايا الناس وإلي العناصر التقدمية في الحياة، فهو أول من وثق قضية الفلاحين الذين غمرت المياه أراضيهم في بحيرة سد الفرات، ولم ينالوا حتي الآن تعويضاً عادلاً. كتب الأستاذ الأديب ماجد رشيد العويد من حياة هذه المدينة استمد العُجيلي كثيراً من أدبه، وكتب عشرات القصص مستوحياً روحها من طبيعة الناس ومن أفكارهم، ما يمكن أن نمثل عليه بقصص مثل (النهر سلطان وكفن حمود) بل أملك أن أقول أن قصصاً مثل رائعته قناديل اشبيلية يمكن للدارس أن يجد فيها أثراً رقيّاً ويتابع الأستاذ العويد أن العُجيلي سنَامُ مدينته، والذي هيئت له موهبته وتواضعه أن يرفع من شأنها في زمن نال الهبوط من بعض عواصمه . وكتب الناقد المصري صلاح فضل عن العُجيلي قائلاً: ومع أنه قد شهد فترة المد والانحسار الأيديولوجي القومي والماركسي فقد استطاع أن ينجو من تياراتها مُلتزماً دائماً بقضايا الإنسان العربي وحقه في الرخاء والحرية والعدل . ويتابع عن آخر رواياته أجملهنّ الصادرة سنة (2001) قائلاً: المدهش أنّ هذا الشيخ يُفاجئنا وقد تجاوز الثمانين من عمره بعدة أعوام برواية فاتنة بعنوان أجملهنّ تغمر قراءها بعنفوان تجربتها الشابة، وما يتوهج فيها من عشق الجمال وسحر الأنوثة وطزاجة المناظر الطبيعية، وهي لا تنتمي إلي مُجرّد أدب الرحلات المألوف، بل تنفذ إلي أسفار القلب وفتوحات الروح في فلسفتها الرائعة عن الدين والحياة، والحب والجنس، والشرق والغرب . وحول اللغة في كتابات العجيلي يقول الناقد د. محمد عبيد الله من الأردن إنّ الأستاذ العجيلي نسيج وحده، في لغته المتألقة التي تذكرك برصانة الكتاب الأفذاذ من أمثال الجاحظ وابن المقفع والتوحيدي و أضرابهم، والعجيب أنه يُعبر بتلك اللغة العالية عن قضايا معاصرة حيوية، فيبث الحياة في لغته وموضوعاته معاً، ودون أن تبدو تلك اللغة قاموسية أو مُصطنعة… إنها لغة حيّة لأنّ صاحبها يحس بها، ولا يفتعلها أو يفرضها علي قارئه من موقع الاستعراض اللغوي، اللغة عند العجيلي تحتاج إلي دراسة أسلوبية خاصة، تكشف سرّ العلاقة بين الأديب ولغته، وتقرّ بعلم الأسلوب من لغة القصة والرواية . وإذا كنا لا نستطيع بهذه العجالة أن نقيّم أدب العجيلي وتجربته الإبداعية، أو أن نلمّ بكل ما كتب عنه من دراسات وأطروحات، فإنّ السيد محمد جدوع في كتابه التاريخ والعجيلي يُشير إلي أربعة عشر أطروحة أكاديمية قدمت باللغات الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والهولندية والروسية إضافة إلي العربية، وبعض تلك الأطروحات أعيد ترجمتها إلي اللغة العربية.وفي دراسة ثانية للناقد الدكتور عبد الإله أبو هيف بعنوان النقد الخاص بعبد السلام العجيلي يقول: ارتهن النقد الخاص به بالأدلجة غالباً في المرحلة الأولي التي استمرّت حتي نهاية الثمانينات من القرن العشرين، بينما تطوّرت الكتابة النقدية حول إبداعه في المرحلة الثانية منذ عام 1990 وحتي الآن . ويُركز أبو هيف في المرحلة الأولي علي كتب:1 ـ عدنان بن ذريل: عبد السلام العجيلي، دراسة نفسية في فن الوصف القصصي والروائي، ط1، 1970.2 ـ مصطفي شحادة: الكشف التحليلي الشامل لما كتبه عبد السلام العجيلي وما كتب عنه 1936-1972.3 ـ طه الطه: الدكتور عبد السلام العجيلي- دراسات بيبلوغرافية لفترة ما بين عامي 1970-1980.4 ـ إبراهيم الجرادي: دراسة في أدب عبد السلام العجيلي دمشق 1988. وقد حوي هذا الأخير مجموعة من المقالات النقدية لأهم الباحثين والنقاد في سوريا حول أدب العجيلي.أما في المرحلة الثانية فقد اختار الباحث كتابين، الأول فن القصة القصيرة- مقاربات أولي عام 2000، لمحمد حيّ الدين مينو، والثاني هو جدليّة الإبداع ـ دراسة بنيوية في قصص عبد السلام العجيلي ـ 1990 ، لمحمد نديم خشفة، وهو بالأصل أطروحة جامعية قدمت باللغة الفرنسية، وأعاد المؤلف تعريبها.كما قدمت مجلة الكويت ملفاً خاصاً بالعجيلي في عدد 248 ـ حزيران (يونيو) 2004 بعنوان حقول القص… حصاد المعاني شارك في كتابته ستة عشر كاتباً وكاتبة من سوريا والوطن العربي تكريماً لإبداع العجيلي.إضافة للعديد من الكتب والدراسات النقدية التي تناولت أدب العجيلي ضمن دراستها لفن القصة أو الرواية السورية.وكان مُلتقي العجيلي للرواية العربية الذي أقامته مديرية الثقافة في الرقة أواخر العام المنصرم، هو آخر تكريم له، ومن المنتظر أن تصدر أعمال هذه الندوة في كتاب هام.نذكر أخيراً أنّ رواية قلوب علي الأسلاك ومجموعة قناديل أشبيلية”: قد ترجمتا إلي اللغة الفرنسية، كما ستقوم دار”لارماتان قريباً بطباعة ترجمة لكتابي العجيلي عيادة في الريف و”فصول أبي البهاء وتوجد ترجمات لبعض قصصه في مجلات مُتفرّقة بالفرنسية أيضاً. كذلك ترجمت قناديل أشبيلية إلي اللغة الإيطالية، كما ترجم إلي الأسبانية بعض من أعماله باسم حكايات بدوي متوسطي كذلك ترجمت إلي اللغة الروسية مجموعة قناديل أشبيلية و الرؤيا مع ترجمات ألأخري لبعض قصصه في أغلب اللغات الحية.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية