بوعلام بن حوة في محل ديسكو مغراب
عندما فكر ديجي سنايك في تصوير مقطع من أغنيته الأخيرة في محل «ديسكو مغراب» في وهران، لم يكن يعرف صاحب المحل والمنتج الموسيقي بوعلام بن حوة. لم يكن قد التقى به قبلاً. اسم ديسكو مغراب تجاوز الحدود، نسمع عنه دون أن نعرف صاحبه. هاتفه وتفاجأ أن بوعلام بن حوة نفسه قد أضاع مفتاح ستارة المحل الحديدية، الذي أغلق قبل 17 سنة، محافظاً على شكله كما كان، ممتلئاً أشرطة وصوراً في الداخل. اضطر بوعلام، الذي بات يقيم في شمال فرنسا، إلى العودة والاستعانة بقفّال كي يصنع مفتاحاً جديداً، ويُصور المشهد، ولن يلتقي الرجلان سوى بعد عشرة أيام من صدور الفيديو، ويتعانقان في ضاحية باريسية، كما لو أنهما يعرفان بعضهما بعضا من سنين.
أغنية ديجي سنايك، التي عنونها ديسكو مغراب، في تحية عرفان إلى أشهر صانعي نجوم موسيقى الراي، أعادت الحياة إلى هذه الشركة، التي ذكّرت الناس بزمانهم الجميل، أعادتهم إلى سنوات الحلم، فبوعلام بن حوة، أو ديسكو بوعلام ـ كما يحلو للبعض تسميته ـ هو قطعة أساسية من تاريخ الموسيقى الجزائرية، لكن يجب أن لا ننسى أنه نتاج من سبقوه في هذا المجال، ليس أول منتجين وليس آخرهم، لكنه أكثرهم حرصاً على خدمة الموسيقى الخالصة، بعيداً عن قوانين السوق الموسمية والموضة.
اسم بالخطأ
مطلع 1980، لم يكن الراي قد صار «راياً» بل يُطلق عليه «بوب ـ راي» كلمة (راي) ستتكرس بدءاً من عام 1985 مع تنظيم أول مهرجان لهذه الموسيقى، وكان قد مضى عام على تولي الشاذلي بن جديد رئاسة البلد. هذا الأخير فضل السير في خط مُعاكس للرئيس الذي سبقه، في الانفتاح ورفع المحرمات، والأهم من ذلك في فتح السوق على المنافسة، ففي تلك الفترة شاع استخدام الكاسيت (الشريط المدمج) كبديل أقل تكلفة من الأسطوانات. وفي وهران كان يوجد شاب حينها يدعى بوعلام بن حوة، يمتاز بخاصيتين: شطارته في التجارة وأذنه الموسيقية. داوم على حضور السهرات الفنية على الساحل الوهراني، وامتلك حرفة اصطياد الأصوات الجيدة، مستفيدة من انفتاح اقتصادي قصد استيراد تجهيزات استديو تسجيل فني. في البداية لم يُغامر، بل راهن على أسماء معروفة، من بينها الشاب خالد، الذي ذاع صيته وقتها بفضل أغنية (طريق الليسيه) وكان قد أطلق خمسة ألبومات في أسطوانات 45 لفة. دعاه بوعلام قصد تسجيل ألبوم (كان أول وآخر تعامل بين الرجلين) على أن يذكر اسم الشركة في بداية كل أغنية. اتفقا على أن يكون اسمها: مغراب ميوزيك. لكن خالد أخطأ وقال ديسكو مغراب. من يومها صار اسمها كذلك. لم يتضايق بوعلام بن حوة أن صار اسم المحل والشركة غير الذي خطط له، وواصل المغامرة بأن استثمر كل دينار يملكه في المشروع، وراح يسجل أعمال مغنين كانوا في بدايات مسارهم، بل كان له الفضل في أن أخرجهم من الظلمة إلى النور، على غرار مامي، نصرو، المازوني، عبد الحق، قانا المغناوي، بل إنه تكفل أيضاً بتوزيع أعمال مغنين كانوا يسجلون أعمالهم في فرنسا، من أمثال الشيخة الريميتي، كما يحسب له أنه صنع موضة الثنائيات في موسيقى الراي، في الجمع بين المغنين، معتمداً في الغالب على ثنايات تجمع بين رجل وامرأة. في عام 1987، ظهر في وهران مغنٍ لم يتعد الحادية والعشرين من عمره، اشتهر بأغنية في مديح ممارسة الحب (درنا لامور في براكة مرنكة) أداها مع مغنية اسمها الزهوانية. لم يتماطل بوعلام في دعوة ذلك المغني إلى استديو التسجيل، فلبى الدعوة، وكانت أول أغنية يؤديها في ديسكو مغراب بعنوان: «تندمِ على الفراق». ذلك الفتى كان اسمه الشاب حسني، من يومها سيرتبط اسمه باسم ديسكو مغراب، وتصير هذه الشركة المختصة في الإنتاج الموسيقي علامة جودة، كلما تلفظ مغن باسمها في بداية أغنية تنبأ الناس بأنهم بصدد عمل يملأ الروح والعقل نشوة. للمصادفة فإن آخر أغنية سيسجلها الشاب حسني في (ديسكو مغراب) تحمل عنوان: «راني نادم على الأيام».
شاهد على الغائبين
نهاية الثمانينيات، وقد مرت قرابة العشر سنوات على ميلاد «ديسكو مغراب» كان سوق موسيقى الراي قد بلغ أوجه، وتعددت شركات الإنتاج، التي لم تعد حكراً على وهران، بل ظهرت نظيرات لها في العاصمة، أو في شرق البلاد، بات الراي بيزنس، تجارة رابحة، تزايد عدد المغنين وتزايد تهافت الناس عليهم، كما أن التلفزيون الذي طالما أغلق أبوابه أمامهم بحجة بذاءة كلماتهم اضطر للتصالح معهم. صار الراي أكثر من مجرد موسيقى، بل ظاهرة اجتماعية في الجزائر، وبين أفراد الجالية في أوروبا، وإن فضل ديجي سنايك تقديم تحية في أغنيته الأخيرة إلى ديسكو مغراب، فلا بد ألا ننسى آخرين كانوا سبباً في نجاح الراي أيضاً، على غرار المنتج رشيد بابا أحمد في تلمسان، الذي اغتاله المتطرفون عام 1995. اشتهر رشيد في أداء الروك، في سبعينيات القرن الماضي، برفقة شقيقه فتحي، قبل أن يصير منتجاً، ويؤسس شركة «رالي للموسيقى» ويتولى تسجيل أعمال مغنين مهمين، على غرار الثنائي فضيلة وصحراوي، أو الشاب أنور، كما لا يفوتنا أن نذكر أسماء شركات أخرى سبقت ديسكو مغراب في تأسيس الصنعة، على غرار (زاد اليوم) (السعادة) (سان كريبان) (سانتانا) وغيرها. مع بداية الألفية الجديدة، نابت سوق القرصنة على سوق التسجيلات، وشرعت الشركات في إغلاق أبوابها واحدة تلو أخرى، من بينها (ديسكو مغراب) وهاجر بوعلام بن حوة إلى الخارج، محافظاً على محله في وسط وهران شاهداً على نوستالجيا الزمن الفائت، كلما مررنا بالقرب منه، نتذكر الشاب حسني، خالد، الشاب الغازي، الهندي، وبقية الأسماء التي صنعت لوناً من ألوان الموسيقى في الجزائر، وما يزال الملايين يستمعون إلى أعمالهم، كل يوم.
روائي جزائري