بغداد ـ «القدس العربي»: تغيب ثقة المواطنين في الشمال والجنوب، بالقوى السياسية وبنظام الحكم في العراق، كما أنها مفقود بين القوى السياسية نفسها، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الأزمات منذ عام 2003، حسب باحثين وأكاديميين، شيعة وأكراد، دعوا إلى «حوار بمشاركة الجميع»، أشاروا إلى «فشل» في تطبيق بنود الدستور، والتي أبرزها توفير الخدمات ومحاربة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة.
ونشرت مؤسسة الشرق الأوسط للبحوث «الكردية»، مخرجات جلسات حوار ونقاشات جرت بين وفد كردي ونخب سياسية ومجتمعية ونيابية شيعية في كل من مدينتي النجف والعاصمة بغداد.
واستعرض بيان المؤسسة، التي شاركها في الإعداد للحوار «مركز عشتار لدعم الديمقراطية» في مدينة النجف، أهم نقاط الحوار والمقترحات التي طُرحت في كلا الجلستين.
علاقة تاريخية
وأوضحت أن «الشيعة والكرد، لهم علاقة تاريخية منذ زمن تأسس الدولة العراقية، ولهم نضال مشترك ضد الدكتاتورية، وشارك القادة والقوى السياسة الكردية والشيعية بجدية لبناء الدولة العراقية الحديثة، وقادوا معا كتابة الدستور، لكن في السنوات الأخيرة، وخاصة بعد إجراء الانتخابات المبكرة، أصبحت هذه العلاقة متوترة بشكل عام، ولو ترك لحالها، لأصبحت الإشكالات أعقد وأكبر».
وطبقاً للبيان، فقد «تغيّرت ديناميكيات العلاقة بين المكونات العراقية، والجيل الصاعد غير الجيل القادم، حيث لا يهتم بالماضي بالقدر نفسه ولا يقدر مدى أهمية عمق العلاقات بين المكونات، وفي الوقت نفسه بدأ الوعي السياسي الجماهيري يزداد، فعلى القوى السياسية أن تشخص الثغرات في نظام الحكم لسدها، ونقاط الخلاف والنقاط المشتركة التي يمكن أن توظّف من أجل السلم المجتمعي وبناء الدولة الحديثة ذات الحكم الرشيد».
ورأى المشاركون في الحوار البحثي أن «بناء الدولة العراقية، هو مسؤولية كبيرة على عاتق جميع الأحزاب السياسية وقادتها. هناك زعزعة للاستقرار السياسي. يحتاج العراق إلى إعادة النظر في سياسة الدولة تجاه المواطنين والخدمات وسيادة الدستور والقوانين».
وبيّنوا أن «العراق، هو بلد متعدد المكونات، فيجب على كل مكون أن يتقبل الآخر. كانت فلسفة الحكم في العراق الجديد ما بعد سقوط النظام مبنية على أساس (التوافق والشراكة والتوازن)، وهذا ما يحتاجه العراق الآن»، مشيرين إلى أن «القيادات في الإقليم عليها أن تقدم المستحقات المالية إلى المركز، وعلى الأخير أن يعامل الإقليم بالمثل وتقديم مستحقاته».
وأكد بعض المشاركين، حسب البيان، أن «القوى السياسية الشيعية واقعة تحت الضغط من قبل الشارع، حيث يقع الممثل السياسي تحت ضغط جماهيره وناخبيه بسبب ما يوصف بـ(تنازلات للأكراد)»، مشددين على القيادات السياسية الكردية أن «لا تحرج الممثل الشيعي أمام ناخبيه وجماهيره، والمثال الأهم الذي تكرر كثيرا في اللقاء كان مسألة (الانتقائية) في تطبيق قرارات المحكمة الاتحادية».
ووفق البيان، فإن «العلاقة الشيعية ـ الكردية علاقة نضال، وهي أطول من العملية السياسية الحالية، تطورت هذه العلاقة في العام 1982 أثناء الانتفاضة الكردية وزادت بعد الانتفاضة الشعبانية في العام 1991»، لافتاً في الوقت عيّنه إلى أن «الجيل الحالي اليوم لا يؤمن بالرمزية أبداً. القرار كان يأتي من كردستان بشكل أحادي، والشيعة كذلك كان قرارهم أحادي يأتي من خلال المرجعية الدينية، أما اليوم تقطعت الأوصال عموديا وافقيا، فيجب أن ينتفض من لديه المصلحة لمواجهة الخطاب، والحرب الإعلامية والمشاكل الحاصلة في البلد».
مشكلة حقيقية
وأضاف: «الشيعة لديهم المرجعية التي أنقذت البلد من خلال فتاويها، ولكن الآن وصلت إلى طريق مغلق، بل الجميع وصل إلى طريق مغلق. فاليوم هناك مشكلة حقيقية، لذلك يجب أن يتحول الخطاب السياسي والسلوك السياسي للعراق، والعلوية تكون للقانون والقرارات القضائية التي إن تجاوزناها، تجاوزنا مفهوم الدولة، وانتقلنا إلى مفاهيم تزعزع الأمن والاستقرار».
وشدد بيان المؤسسة البحثية على أن «تكون هناك قدرة جماعية على إيجاد عوامل مشتركة لتطبيق المفاهيم الدستورية التي اتفق الجميع عليها. المشكلة ليست بالدستور والمفاهيم، وإنما في عدم الثقة بين الأطراف السياسية واختلال علاقات القوى السياسية والأزمات الأمنية التي مرت بالعراق». وزاد: «عندما تتوفر الثقة الحقيقية بين الأطراف تعاد المفاهيم إلى مكانها، فيجب على القوى السياسية أن تعمل على تعزيز الثقة بين الأطراف الشيعية والكردية، لإرجاع المفاهيم الدستورية إلى مكانها. هناك إمكانية فعلية للحصول على هذه الأهداف، إذا ما بنينا دولة المواطنة، والكل يأخذ استحقاقاته مع مشاركته القرار والتوزيع العادل للثروات».
أشاروا إلى انعدام الخدمات وانتشار السلاح
وعدّ البيان، الحوار «ضرورة إنسانية وشرعية واستراتيجية وطنية، حيث لا يمكن النهوض بالبلد إلا بالحوار ومشاركة الجميع، على الرغم من أن جميعنا كنا شركاء إسقاط النظام الدكتاتوري، لكن يجب أن نعترف بفشلنا في بناء الوطن وإدارة التنوع وتطبيق الدستور، يجب أن نعترف بأن منذ تشكيل الحكومة الأولى، وكل الحوارات الموجودة، كانت أساسها مشاركة (غنائم السلطة) وليس تحمل المسؤولية لبناء الوطن».
ورأى أن «المكونين الكردي والشيعي، لم يعودا كما كانوا من قبل، متحدين في قراراتهم الاستراتيجية، فالآن تجزأوا في الخطاب والسلم، ولم يعدّ المواطن يثق بسياسييهم بشكل عام. يجب إرجاع الثقة للمواطن الكردي والشيعي بالبعض وبنظام الحكم على أساس الدستور».
وأقرّ المشاركون في الحوار، أن «هناك فشلا عميقا وحقيقيا في العراق فيما يخص تطبيق الدستور، وفيما يخص إرساء الحكم الرشيد وتقديم الخدمات ومحاربة الفساد المنتشر من قبل الأحزاب المشاركة إدارة الدولة. هنالك تراجع في مفهوم المواطنة وحصر السلاح بيد الدولة، وهذا معناها تراجع عن مفهوم بناء الدولة». وأضافوا: «الدستور يصف النظام أنه اتحادي، لكن هناك تنكرا واضحا لهذه الحقيقة».
وعلق بعض المشاركين، من الأكراد أن «هناك واجبات على الإقليم تجاه بغداد وبقية العراق، لكن عدم تقديم الخدمات في محافظات الجنوب هو نتيجة الفساد المنتشر حيث لا تلعب السلطة دورها الرقابي. فحصة الإقليم من الميزانية التي لم تعد ترسل إلى أربيل لم تجد طريقها إلى إعمار الجنوب. فالحل يجب أن يكون التوازن في مؤسسات الدولة، فنحن بحاجة إلى ترتيب نظام سياسي جديد دون التنكر عن ما هو موجود في الدستور، بل العودة الحقيقية للدستور». وأكدوا أن «السلاح المنفلت وغير المنظم ظاهرة خطيرة، ربما يعود أسبابه إلى ما مر بالعراق من احتلال وحل الجيش العراقي وما أحدثه الإرهاب. هناك حاجة لعلاج هذا الوضع الخطير».
واتفق المشاركون على أن «الانسداد السياسي وتأخير تشكيل الحكومة يحتاج إلى الحلول، على سبيل المثال: نحتاج إلى طرح مسودة الحلول على طاولة الحوار الكردي ـ الشيعي. يجب أن لا يكون هذا الحوار محصورا بين السياسيين فقط، وإنما بين جميع المكونات العراقية».
وشددوا على أهمية أن «يدافع الخطاب الإعلامي عن القيم والتعايش المشترك، مع ضرورة التواصل مع مصادر القرار وصناع القرار ومواجهتهم وإعلامهم بخطورة الخطاب التحريضي».
وحسب البيان، فإن «أكثر أنواع الكراهية المتفشية، هو الانتقاد الجارح والشتائم بحق الشخصيات والرموز السياسية والدينية والاجتماعية على القنوات الالكترونية والصفحات الشخصية التي لها نتائج سلبية على الشارع». وحث المؤسسات الإعلامية والمقربة من الجهات الحاكمة على «توفير الجو التسامحي، فضلا عن إيقاف التصريحات المستفزة وغير البناءة الاعلام الرسمي وغير الرسمي، بما فيها مواقع التواصل الاجتماعي».
وشدد على الحاجة إلى «ترتيب زيارات لمجاميع الشباب من الإقليم لزيارة النجف وبعكسها من النجف للإقليم، وتشجيع الحوار بين الأجيال المختلفة ووضع ورشة تأديبية لترسيخ التوافق والتسامح، ويمكن الاستفادة من، والانفتاح على، المنظمات الدولية التي تهتم بموضوع محاربة الكراهية والتعايش».
ورأى بعض المشاركين أن «هناك حقائق تاريخية تحتاج إلى لفت الانتباه لها. غير خاف أن الكرد لهم عقدة الظلم التاريخية من المركز، ونتيجتها هو الحلم الكردي لتكوين الدولة، وهذا ليس له علاقة بالشيعة، لكن الكرد يحتاجون إلى الاطمئنان من الجانب العربي والجانب الشيعي. ولا يخفى أن هناك خللا في العلاقة الشيعية – الكردية، هناك وجود أو عدم الاكتراث في تشجيع خطاب الكراهية من الجانبين، والتي تؤدي في النهاية إلى أزمات سياسية مفتعلة أو حقيقية». وأوضحوا أن «الدستور العراقي كُتب في 2005، وكان ذلك بداية جديدة لبناء دولة العراق، والوطن المشترك. لكن لم يتم تطبيق الدستور كما يجب». لكنهم أقروا بأن «هناك ثغرات مصيرية في تطبيق الدستور، لازال وبين كل الأطراف من المكونات العراقية، هناك طريقة انتقائية لتطبيق الدستور، لهذا دخل العراق في ازمات ووصلت إلى الانسداد الأخير وفشلت القوى السياسية في تشكيل حكومات المواطنة قادرة على ارضاء المواطن وقادرة على حماية سيادة العراق وقادرة على الشراكة الدولية».
وختم البيان بحثّ الجميع على «التواصل داخل مكوناتهم وبين المكونات، والتعرف على وجهات نظر المؤسسات الدينية والأكاديمية والاجتماعية والسياسية وجها لوجه».