شعر تحت عين الرقيب

من نافل القول، إن تاريخ الكتابة الشعرية بمجموع أعراقها وأجناسها ولغاتها، هو في الآن ذاته، تاريخ الرقابات الممارسة عليها. فحيث تحضر الرغبة في ترميز الكلام، يحضر الرقيب لا محالة، إما من أجل محو القول، أو من أجل إسكات الناطق بلسانه. وإن اقتضى الأمر محوه جملة وتفصيلا. وبالنظر لتنوع بنيات القول الشعري التي تتنازعها الثنائية المتعارف عليها بالشكل والمضمون، فإن سيف الرقابة سيصلت حتما على جمالياته التعبيرية، بمجموع مكوناتها الأسلوبية والبلاغية والإيقاعية، كما سيصلت في الحدة نفسها على مكوناته الفكرية. بمعنى أن ما قل من القول الشعري سيكون كافيا لتحريض فلول لا بداية ولا نهاية لها من الرقابات.
ما يدعونا للتسليم بالخطورة القصوى التي يجسدها الشعر، على مختلف المنابر المؤسساتية، التي تنصب ذاتها الوصية على مقومات «الهوية» والحافظة لخصوصيتها من عبث العابثين. والأصل في ذلك، يعود إلى كونها المقومات ذاتها التي تتأسس على أرضيتها هوية القصيدة، خاصة حينما تكون ممثلة بنماذجها الأصلية والتراثية، في واجهة الذاكرة الثقافية، متخذة بذلك أبعادا قداسية، تختبر في ضوئها مصداقية النماذج الطارئة والمستحدثة، الوافدة على فضاءاتها.
ومن المؤكد أن حرص الرقابة على التربص بأي «خرق» يطال النصوص الأصلية، يعود إلى اقتناعها بقدرة الشعر على استقطاب مختلف الشرائح الثقافية، فضلا عن قابليته للتسرب إلى أقاصي فضاءات القراءة، بفعل ما يمتلكه من جاذبية و»غواية».
وكما هو معلوم، فإن مصدر هذه الجاذبية/الغواية، يكمن في تحلل القول الشعري، من أي تعاقدات قبلية، تجبره على تبني الحقائق المخالفة للقيم السائدة، والمكرسة من قبل المؤسسات الوصية. بما يعنيه ذلك من تحيزه الضمني للحقائق «السرية» والمسكوت عنها، التي تثير عادة فضول اللاوعي المجتمعي، وتغريه بملاحقتها، رغم تبنيه الفعلي أو الإجباري للمنظومات المؤسساتية والرسمية. فالشعر له منهجيته الخاصة والمتفردة في الكشف عن «حقائق» الحقيقة، باستفادته من تموضعه خارج الأنساق التعبيرية الشائعة والمتداولة. ذلك التموضع الذي يتم بموجبه تحجيب الرسائل وتغريبها، خلف مناورات مجازية واستعارية، من شأنها تعويم هوية الرسائل المعنية، وتضليل القصد المتربص بفحواها. وبالنظر لتمرس الشعر بمناوراته وألاعيبه المجازية، منذ فجر القول إلى الآن، فإنه استطاع أن يمتلك هوية جمالية، أمست بفعل المقاربات الحداثية غاية في ذاتها. ما أهلها/الهوية للذهاب بسؤال المعنى، إلى تلك المسالك النائية والمعتمة، التي تتمنع رؤيتها على قذى عين الرقيب.
والجميل في الأمر، أن جاذبية وجمالية القول الشعري، أمست أمرا واقعا، لم يعد ممكنا التنكر لسلطته، ما حدا بالرقيب إلى الإقرار بها، بموازاة تحييده خارج دائرة الحقيقة، بغية أن يظل محض أداة للفرجة والمتعة العابرة، والمنفصلة جذريا عن «عقلانية» التدبير الحياتي، ومقتضياته المعرفية والفكرية. ولنا في مقولة الرقيب المأثورة «أعذب الشعر أكذبه» خير دليل على ترسيخه لمفارقة، يراد لها أن تكون متوزعة بين حد العذوبة وحد الكذب، أي مفارقة الاعتراف الضمني بالسلطة الجمالية التي يتمتع بها الشعر، لكن – وهذا هو الأهم – مع الترسيخ الحاسم لفكرة خلوه من «الصدق» المحيلة مبدئيا على فكرة افتقاره إلى «الحقيقي».

فالشعر يتخلص بهذا المعنى، من قدرية التعاقب المتحكمة مبدئيا في مصائر الأحوال والأفعال، ليستبدلها بنظام توقيتي جديد، تحتل فيه إرادة القول مركز الصدارة.

وفي السياق نفسه نستحضر الرقابة التي مارسها أفلاطون على ساكنة «جمهوريته» خاصة منهم الشعراء، الذين تعامل معهم باعتبارهم الأعداء اللدودين للعقل، بفعل افتقارهم إلى القيم الفلسفية. كما عرض بجنايتهم على الناشئة لما يحدثونه من تشويش معرفي، من شأنه الخلط بين الواقع والخيال، فضلا عن إيغالهم في الغموض المناقض لمبدأ الوضوح الذي تدار به مرافق الجمهورية.
وهي المبررات نفسها التي اعتمدتها وتعتمدها الرقابات الظلامية كافة، في مختلف الأزمنة والأمكنة، من أجل التصدي لخطورة هذا النوع الأدبي المشاغب، الذي «لا تؤتمن!» جماليته المبطنة – في تصورها – بالريبة والشبهة.
وقد ساهمت الحداثة الشعرية في تصعيد حالة التوجس لدى الرقيب، أولا: من منطلق ردها الاعتبار لسلطة «الفكر» الذي أمعن في تسليط أنواره التشكيكية على ظلمة الثوابت، مستهدفا إياها بالنقد، خاصة منها إشكالية «الحقيقة» التي أدى تفجير «أحادية «بعدها، إلى انفتاحها على مفهوم «الاختلاف» بما يتفرع عنه من مفاهيم التعدد، والتنوع. وكلها عوامل أثرت بشكل كبير في هيمنة «الرؤية التأويلية» للعالم، المتميزة نظريا بتحررها من هيمنة المطلق، ومن استبدادية تعاليمه.
وثانيا: من منطلق تفاعلها الإيجابي مع منهجية التحديث، التي تبثها تباعا الخطابات الفلسفية المعاصرة حول مفهوم الزمن، متخلصة بذلك من التقطيع السكوني لحركيته، التي دأب على تأطيرها «تقليديا» براهنية حاضر، يتوسط ماضيا زال واختفى، ومستقبل هو أيضا في حكم الغيب. فمقابل هذا التقطيع السكوني، تفتح الرؤية الشعرية الباب على مصراعيه لمختلف الشطحات الفكرية والجمالية، التي يمكن أن يقدمها لنا التأويل، وقد غدا معززا بإوالياته المنهجية، حيث ترتفع الحدود القائمة عادة، بين الزمن الفكري التأملي، والزمن التاريخي، كي ينبجس من تفاعلهما زمن شعري، يكون فيه الماضي مهيأ للإطلالة من شرفات المستقبل، والعكس بالعكس.
فالشعر يتخلص بهذا المعنى، من قدرية التعاقب المتحكمة مبدئيا في مصائر الأحوال والأفعال، ليستبدلها بنظام توقيتي جديد، تحتل فيه إرادة القول مركز الصدارة. والمقصود بإرادة القول هنا، «الحق» في إعادة ترتيب أزمنة الأحوال والأفعال، بمختلف مرجعياتها، على ضوء ما تقتضيه الشعرية التأويلية من تقديم وتأخير، ومحو ومزج، بعيدا عن إكراهات التعاقب وأعرافه. ذلك أن الحداثة، وانطلاقا من لازمنيتها، تتصرف في أزمنة الذاكرة التاريخية، بوصفها مادة معنية بتعدد القراءات، في أفق ضبطها المحتمل لحركية الصيرورة الحضارية، التي هي مجال بناء وتخريب، يطالان كل ما تمتلكه الصيرورة من أنساق. ما يعني احتمال تعرضها لنماذج متنوعة من نماذج الانحرافات والخروقات المبيتة أو العفوية، الجديرة بإعادة التقويم، من أجل إعادة اكتشافها على غير الصفة التي حشرتها فيه الأعراف. ولعل أحد أهم المقصديات المنزاحة، التي لا يتوقف الشعر عن تجريب حدودها، هي استشراف ذلك اللامتناهي المقبل من عمق المسارات الزمنية، بما يتخلل تراكماته من أعطاب وبياضات، منسية كانت أو مفكرا فيها. مع التذكير بأن شعرية هذا الاستشراف، غير معنية مطلقا باستنساخ ما كان أو ما سيكون، بقدر ما هي معنية بإضاءة ما تم استشرافه بصورة مغايرة ومختلفة، والتي من شأنها تحويل مسار ما كان من قبل في حكم الماضي، في اتجاه توقعاته اللامنتظرة، خاصة وأن متعة الشعر تتمثل في تردده الدائم على مواقع الإشكاليات المحظورة، التي يحتمل أن يجد فيها ضالته، من خلال عبوره الجامح لبرزخ الأسئلة الجديدة والعالقة. ومن المؤكد أن هذه الترددات العليمة بمخاطرها، هي التي يتشكل بذبذباتها نسيج النص بصيغته المفردة طبعا، والقابلة لتغيير قشرتها، كلما دعت حتمية التغيير لذلك، نكاية في قذى عين الرقيب.

شاعر وكاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية