سينما عربية بصفتها فلسطينية… «فرحة» و«الغريب» و«أميرة»

حجم الخط
0

منذ بدايات تناول السينما الروائية العربية للقضية الفلسطينية، أواخر ستينيات القرن الماضي، مروراً بسبعينياته وحتى اليوم، انقسمت الأفلام، أو الآراءُ النقدية حيالها، إلى التجاري بالمعنى القيَمي، والفني والجدي معنىً جمالياً ومقولةً سياسية. فلا تحكُم في الفيلم جودةُ العمل، سينمائياً وحسب، متى تعلق بالقضية الفلسطينية، بل كذلك، جدية الطرح، والجدية هذه غير المقولة السياسية وإن جاورت إحداهما الأخرى. المقولة تكون واضحة في الخلاصات التي يقدم بها الفيلمُ القضية، أما الطرح فقد يكون جدياً إنما بمقولة تعايشية أو تطبيعية، أو أسوأ.
الأفلام الروائية للثورة الفلسطينية، بدأ بها عرب لا فلسطينيين، أسماء قليلة تحضر هنا، توفيق صالح من مصر في فيلمه «المخدوعون» (1972) وبرهان علوية من لبنان في فيلمه «كفر قاسم» (1974) وقبلهما في فيلم مزج ما بين الروائي والتسجيلي والتجريبي، هو «مئة وجه ليوم واحد» (1972) لكريستيان غازي من لبنان. لحقها فيلم العراقي قاسم حول «عائد إلى حيفا» (1982). والحديث هنا عن السينما الجدية وصاحبة المقولة الثورية في زمن الفلسطينيين آنذاك، بتفاوت في الجودة الحاضرة أولاً في «المخدوعون» وثانياً في «كفر قاسم». وهي، الأفلام الأربعة، ما تُعتبَر، فعلاً، سينما روائية للثورة الفلسطينية، لكن الأسماء هذه، والحديث دائماً عن مخرجين عرب، ليست الوحيدة التي نقلت القضية الفلسطينية إلى الشاشة، بل رافقها في تجربة الفيلم الروائي غيرها كانت سطحية، أبرزها «كلنا فدائيون» (1969) لكاري كربيتيان من لبنان، ونال الفيلم انتقادات واسعة وُوسم بالـ«مجدرة وسترن» (إحالة ساخرة إلى ما سُمي بالسباغيتي وسترن) لاستخدامه قيمة الفدائيين المعنوية في إخراج فيلم تجاري استهلاكي، يجعل من الفدائي بطلاً خارقاً بشكل ميلودرامي، دون جدية من ناحية ولا مقولة محكمة من ناحية ثانية. هذا النوع من الأفلام واصل حضوره إلى يومنا، مروراً بأفلام وصلت حد الهزل في تجاريتها واستهلاكيتها، في العقد الأول من الألفية وبالتزامن مع الانتفاضة الثانية، ضمن إنتاجات ضخمة وفارغة للاستديوهات المصرية. وبالحديث عن المصريين في سينما القضية الفلسطينية، اثنان من بين أفضل ما تناول القضية، عربياً، كان لمخرجَين مصريين، «المخدوعون» المأخوذ عن رواية «رجال في الشمس» لغسان كنفاني، و«باب الشمس» (2004) ليسري نصرالله والمأخوذ عن الرواية بالعنوان ذاته لإلياس خوري، وكلاهما بإنتاج وصناعة عربية متشاركة (سورية بشكل خاص). فيلم آخر أقل وطأة إذ لم ينل انتقادات إنما لم يُعتبَر بمكانة غيره من الأفلام الروائية، هو «السكين» (1971) للسوري خالد حمادة، المأخوذ عن رواية «ما تبقى لكم» لكنفاني. لم يكن الفيلم، وحسب، بالجودة الكافية للاحتفاء به، ودون أن يكون مسيئاً، فالاستناد إلى رواية لكنفاني ليس ضمانة لجودة فيلم ما.

في عام واحد، 2021، وبثلاثة أفلام متزامنة، حضرت القضية الفلسطينية بشكل ملحوظ، وبعد انقطاع لسنوات طويلة في حضورها ما بين السبعينيات وأفلامها المذكورة أعلاه، واليوم. الأفلام الثلاثة هي «فرحة» لدارين سلام من الأردن، و«الغريب» لأمير فخر الدين من الجولان السوري المحتل، و«أميرة» لمحمد دياب من مصر. نبدأ بالأخير الذي وُسم بالإساءة السياسية من ناحية، وبالتواضع السينمائي من ناحية ثانية. تناول «أميرة» مسألة حساسة هي النطف المهربة من السجون الإسرائيلية، وأثار نقاشاً عاماً كونه أساء إلى قضية الأسرى ومشاعرهم، وكان هنالك شبه إجماع، أو تقاطعات كثيرة تفيد في كونه مسيئا وكذلك متواضعا. في حالته هذه تصعب إحالته إلى فكرة السينما الفلسطينية التي أخرجها عرب، فسينما أي قضية هي التي تميل إليها وتتناولها بما يُبقي على تناقضات القضية الداخلية، دون أن تتخطاها إلى الخارجية فتدخل في ساحة تناقضات أساسية هي ما بين أصحاب القضية من ناحية وأعدائها من ناحية ثانية، أي الاحتلال وسياساته، وكل ما يصب في سرديته وروايته ومقارباته للمسألة، سينمائياً وأدبياً وبحثياً وغيره. وكي لا أقول إن «أميرة» خدم تلك السردية، أكتفي بالقول إن مقاربته لمسألة الأسرى كانت صالحة لخدمة تلك السردية، المضادة لمقولات الأسرى وأهلهم والمستخفة بمشاعرهم. الفيلم، بذلك، لا يصف إلى جانب كل من «فرحة» و«الغريب».
الفيلمان الآخران يصبان في ما يمكن تسميته بسينما القضية الفلسطينية، أو لتماهي اسم القضية بالصفة الفلسطينية، يُسمى الفيلمان «سينما فلسطينية» أخذاً بعين الاعتبار، كذلك، تماهي الانتماءات الفلسطينية والأردنية في حالة سلام، وتماهي الانتماءات الفلسطينية والجولانية السورية في حالة فخر الدين. الفيلمان الجيدان والجديان، يحيلان إلى غيرهما مما صنعه مخرجون ومخرجات عرباً كانت القضية الفلسطينية موضوعاً أساسياً في سيرتهم الفيلمية. والحديث هنا (وهذه قيمة إضافية) عن فيلم أول لكل من سلام وفخر الدين، ما يعيد فلسطين وحكاياتها إلى ساحتها العربية المتماهية مع، والمفتوحة على، ساحة أصغر هي الفلسطينية.
نقل «فرحة» قصة فتاة عشية النكبة وفي قرية جليلية، تسعى وراء حلمها في الدراسة، تحتل العصابات الصهيونية قريتها، وتفقد فرحة والدها وتبقى لأيام محبوسة في مخزن ترى من خلال ثقب بابه جرائم الصهاينة. ونقل «الغريب» قصة رجل يعاني من ارتباكات في علاقته مع من وما حوله في قرية جولانية، في حالة نفسية وأسئلة انتمائية له، أوجدتها تشابكات احتلال الجولان وبطريركية المجتمع وحرب سورية الراهنة.
خرج كلا الفيلمين عن النمط الفلسطيني السائد سينمائياً، فابتعدت سلام في الزمان إلى عام النكبة، وابتعد فخر الدين في المكان إلى الجولان. نجد هنا سينما فلسطينية أتاحت لها مرجعيتها العربية الخروج من منطق «الآن/هنا» الفلسطيني المنحصر في الضفة الغربية والقدس مكاناً وفي الحاضر زماناً، مضافاً إليه تنويعاً في الناصرة وحيفا مكاناً لكنه كذلك لا يخرج عن الحاضر زماناً. لا يعني ذلك أن يكون الحصر في «الآن/هنا» تناولاً سلبياً بالضرورة، هو كذلك متى تكرر دون مبرر ولا جودة ولا ابتكار، لكن أفلاماً لمخرجين فلسطينيين حاضرة، تناولت في قصتها الآن والهُنا الفلسطينيين وكانت ممتازة. إنما، مجرد الخروج عن الظرفين المكاني والزماني هذين، يُعتبَر، لتراكم الظرفين في أفلام عديدة، بدايةً تتهيأ لتنويع مرغوب في عموم السينما الفلسطينية.
هذا ما مثله «فرحة» و«الغريب» الأول الأردني بقدر ما هو فلسطيني، والثاني السوري بقدر ما هو فلسطيني. وهذه مساحات تنفذ من خلالها القضية الفلسطينية كموضوع سينمائي إلى آفاق عربية لها تنويعها الخاص، ولها تجديدها مكانياً وزمانياً، وبالتالي حكائياً.

كاتب فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية