حازم جواد في مراجعة متأخرة للتاريخ (1ـ 2)

حجم الخط
0

حازم جواد في مراجعة متأخرة للتاريخ (1ـ 2)

مطالب عارف بالوحدة لم تكن الإ لإزاحة قاسم عن السلطة.. ودعوات عفلق للوحدة لم تكن لوجه اللههجوم جواد علي قاسم قام علي هرطقة الشيوعي خيري.. و الزعيم كان الوحيد الذي امتلك خطة لتحرير فلسطينحازم جواد في مراجعة متأخرة للتاريخ (1ـ 2)د. علاء الدين الظاهر بعد ثلاثة واربعين عاماً من انقلاب 8 شباط (فبراير) نشر حازم جواد مذكراته والملفت للنظر انه علي الرغم مما آل اليه وضع العراق بسبب ذلك الانقلاب وبسبب استيلاء حزب البعث علي السلطة في العراق وظهور العديد من المراجعات او التراجعات الناضجة عن ذلك الانقلاب وعن عهد عبد الكريم قاسم فإن حازم جواد لا يزال يستخدم لغة المنشورات السياسية من فترة الستينيات واساليب احمد سعيد في الدعاية فها هو يصحو من نومة اهل الكهف. فالامور تقلب علي رأسها في مذكراته. الغادر يصبح مغدورا والمفتري يصبح مفتريا عليه.الفكر القومي العربيمر الفكر القومي العربي بمراحل متعددة. ففي البداية كانت هناك النزعة لاعادة الخلافة الاسلامية من الترك الي العرب ومن ثم اعادة انشاء الدولة الاموية وعاصمتها دمشق. ومن ثم جاءت التأثيرات القومية الاوروبية علي الشباب العرب الذين تعلموا في اوروبا او كانوا علي احتكاك بالثقافة الاوروبية. ثم جاء رد الفعل علي الحركة القومية التركية وتأثير هذا علي بعض الضباط العرب الذين وجدوا في هذا الحركة القومية التركية اعاقة لتقدمهم المهني. وبعدها جاء التأثير النازي علي الفكر القومي العربي. وبعد تلك الفترة جاء الفكر القومي المبني علي (اللغة) لساطع الحصري ثم اخذ البعد الاسلامي دورا فيه ضمن تنظيرات المرحوم عبد الرحمن البزاز ولم تنته لحد اليوم التنظيرات العروبية. ومن ضمن هذه الافكار جاء فكر حزب البعث.احتوي الفكر البعثي علي تعابير تبدو جذابة وعاطفية مثيرة مثل (الانقلاب علي الذات) و(روح الامة). ولأن معظم المتأثرين بها كانوا من طلاب المدارس او في بداية تعليمهم الجامعي وممن لم يمتلكوا القدرة علي النقد او حتي التفحص فقد اصبحت شعارات البعث وتعابيره اناجيل وقرائين مقدسة بحيث لم تطرح حتي ابسط الاسئلة علي هذا الفكر البعثي. ماذا يعني (الانقلاب علي الذات) اذا كان المؤمن بعقيدة البعث عربيا؟ هل يصبح هنديا او فرنسيا؟ ماذا يعني (الانقلاب علي الذات) اذا كان المؤمن بعقيدة البعث مسلما؟ هل يصبح هندوسيا او زارودشتيا؟ ماذا يعني (الانقلاب علي الذات) اذا كان المؤمن بعقيدة البعث شخصا سويا؟ ماذا يعني (الانقلاب علي الذات) اذا كان المؤمن بعقيدة البعث ذا سلوك جنسي مستقيم؟ وما هو تعريف (روح الامة)؟ وكيف يمكن قياسه؟ هذه الكلمة المبهمة والمترجمة اصلا عن الكلمة الالمانية (Volksgeist) والتي نزعت من جذورها الالمانية الرومانسية وأدخلت علينا بلا روح تماما مثل تسمية العراق بـ (بروسيا العرب) والتي تم شحن عقول اجيال من العراقيين بها من دون ان يدرك احد ان بروسيا الالمانية اختفت من الخارطة واصبحت جزءا من الاتحاد السوفييتي (حاليا الاتحاد الروسي) بل إن ثلث المانيا اصبحت جزءا من بولندا. فهل اراد ويريد البعثيون والقوميون للعراق ان يوحد العرب ويختفي من الوجود ويصبح جزءا من ايران او تركيا؟ وهل كان العراق فعلا مؤهلا ليلعب دور بروسيا في توحيد المانيا وهو المقسم طائفيا وعرقيا؟ لنحتكم الي تعريف علمي للبروسي وفقا لتعريف عالم الفيزياء نيلز بور اثناء نقاشاته بعد الحرب العالمية الاولي مع زميله الالماني فيرنر هايزنبرغ (البروسي هو من يُنمْذج نفسه علي الفارس التيوتوني الذي اقسم يمين الراهب المسيحي علي الفقر والزهد والطاعة لينشر النور المسيحي وفي يده السيف). أي عراقي ينطبق عليه هذا التعريف؟ بل أي عربي ينطبق عليه هذا التعريف؟ لكن تعابير مثل (بروسيا العرب) و(الانقلاب علي الذات) و(روح الامة) خلبت عقول صبيان المدارس وجلبت الكوارث علي سورية وعلي العراق.انجذب لهذا الفكر البعثي العديد من طلاب المدارس ومن خريجي دورات اعداد المعلمين الابتدائية والذين لم تعادل شهادتهم بالثانوية والعديد من مثيري الشغب او ممن يعرفون في العراق بـ (الشلايتية) وعدد من الضباط وكانت غايتهم الوحدة القفز الي السلطة من خلال الانقلاب العسكري وهم في مقتبل العمر من دون أي خبرة عملية او سياسية او تعليم يذكر. هكذا كان حال حازم جواد عندما اصبح وزيرا للداخلية وهو في السابعة والعشرين من العمر من دون ان يلتحق بأي وظيفة قبلها ومن تعليم غير مكتمل لا يزيد علي سنتين من الدراسة في دار المعلمين العالية. وهو لم يكن الحالة الوحيدة فكل قيادة حزب البعث كانت علي هذه الشاكلة في بلد لم يخلُ من الكفاءات والقدرات.الوحدة العربيةدعني أُذِع امرا للمرة الاولي، وجدت بين اوراق المرحوم والدي اشارة الي وجود اتفاق بين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف بدخول الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة. ولا اعرف اذا كان لوالدي معرفة مباشرة ام انه تأييد لادعاء عبد السلام عارف بوجود هذا الاتفاق لأن الوحدة العربية كانت من هوي والدي السياسي. واعتقد ان اللاحق وليس السابق هو الصحيح لأنه في نفس الاوراق يتحدث والدي عن تشكيل مجلس قيادة ثورة وعن مجلس من الخبراء يساعد مجلس قيادة الثورة وعن حكومة من السياسيين وكل هذه الامور لا معني لها اذا كانت الغاية من الثورة هي الدخول في وحدة فورية مع الجمهورية العربية المتحدة. كما ان محسن حسين الحبيب ذكر في مذكراته بأن الدخول في وحدة فورية مع الجمهورية العربية المتحدة كان فقط في حالة تعرض الثورة لعدوان خارجي. ومع ذلك ولغرض النقاش دعني اقر بوجود اتفاق بين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف بدخول الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة. كلنا نعرف انه في البلدان الغربية هناك برنامج انتخابي للاحزاب قبل الانتخابات لكن هذا البرنامج يتغير بعد الفوز في الانتخابات واستلام السلطة حيث ان هناك فارقا بين أن تكون في المعارضة وبين ان تكون في السلطة. كما ان نفس الضباط السوريين الذين وقعوا علي اتفاقية الوحدة حذروا عبد الكريم قاسم من دخولها. وكان هناك واقع رفض الاحزاب السياسية العراقية الرئيسية لدخول الوحدة. فتلك الاحزاب كانت قد عانت من قمع النظام الملكي ولم تكن مستعدة للقبول بحلها وإرسال قادتها الي بيوتهم كما حصل مع قادة الاحزاب السورية عندما دخلوا الوحدة. وهناك المشكلة الكردية والتي لم يكن عبد الكريم قاسم راغبا في تجاهلها.ليس هناك من حيث المبدأ (علي الاقل لدي شخصيا) اعتراض علي قيام الوحدة العربية. الاعتراض هو علي الطريقة التي تتم بها الوحدة العربية وتحت أي شروط. وهذا في اعتقادي هو نفس ما كان يفكر به عبد الكريم قاسم. الوحدة اذا قامت علي العاطفة فستنهار لأن العاطفة تثور بسرعة لكنها تخبو بسرعة اكبر. وهذا ما حدث بالضبط مع الوحدة السورية ـ المصرية وانهيار الجمهورية العربية المتحدة. اما اذا كانت الوحدة مبنية علي المصالح والمنافع وتتم دراستها من جميع الاوجه وتعود بالمنافع علي الاطراف المشاركة بها فهي وحدة ستبقي وتصمد. فما معني ان يدخل العراق في اتفاقية وحدة مع مصر تبتلع فيها مصر الموارد النفطية للعراق بينما يتضور أهل الجنوب العراقي جوعا؟ وحدة بهذه الطريقة ليست وحدة وإنما هي ارتكاب لجريمة الخيانة العظمي بحق العراقيين. هذا كان باختصار موقف عبد الكريم قاسم من الوحدة العربية. كانت رغبته في ان يبني كل بلد عربي نفسه ويدخل في اتحاد فدرالي. ومن الغريب ان عبد الرحمن البزاز وهو احد المتحمسين للوحدة العربية كان ايضا يدعو الي الاتحاد الفدرالي.اصبح من الواضح للجميع بأن مطلب عبد السلام عارف بعد ثورة 14 تموز (يوليو) بالوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة لم يكن صادقا وانما كان لإحراج عبد الكريم قاسم وإزاحته عن السلطة. ولو كان عبد السلام عارف صادقا لأعلن الوحدة الفورية مع مصر بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963. بل إنه ووفقا لمذكرات جميع وزرائه ترك كرسيه اثناء مفاوضات الوحدة مع جمال عبد الناصر عام 1964 ووقف خلف الكرسي ومسك به قائلا (لقد ضاع هذا الكرسي مني مرتين ولن ادعه يَضِع مني مرة ثالثة) ولم تنفع معه محاولات اقناعه بأن يصبح نائبا لعبد الناصر.لم تكن مطالبة ميشيل عفلق واصراره في عام 1958 علي دخول العراق الوحدة الفورية لوجه الله. فقد ادرك البعثيون السوريون انهم اخطأوا بدخول هذه الوحدة فقد تصوروا انهم سيحظون بحصة الاسد في السلطة لكن احلامهم تبخرت ووجدوا انفسهم لا في العير ولا في النفير في ظل سلطة شمولية قطبها واحد هو عبد الناصر. لذلك كان ميشيل عفلق يتصور ان دخول العراق لتلك الوحدة سيعطي توازنا للعلاقة مع عبد الناصر. ولو دخل العراق تلك الوحدة لانهارت بعد ثلاثة اشهر. هذه العلاقة غير المتكافئة بين البعثيين وعبد الناصر هي التي قادت الي استقالة وزرائهم من الحكومة وأدت الي انهيار الوحدة. بل ان البعثيين انفسهم كانوا اول من ايد الانقلاب العسكري الذي انهي تلك الوحدة. من هدم دولة الوحدة بين مصر وسورية؟ هل هدمها عبد الكريم قاسم؟ أليس حزب البعث نفسه هو احد المسؤولين عن انهيارها؟ومع ذلك يذرف حازم جواد دموع التماسيح علي تلك الوحدة. بل انه وحزبه البعثي كان احد الاطراف الرئيسية في مفاوضات النصابين والمحتالين فيما يعرف باتفاقية الوحدة الثلاثية لعام 1963. كان البعثيون السوريون يناورون من اجل تقوية مركزهم في سورية علي حساب الناصريين ونفس الحال كان مع بعثيي العراق. اما عبد الناصر فكان يناور من اجل تقوية موقع انصاره علي وجه الخصوص في سورية. وحتي مؤلف الكتب العديدة عن القومية والوحدة العربية عبد الرحمن البزاز لم يترك الفرصة تفوت من دون ان يقول ان العراق لا يستطيع دخول الوحدة بسبب مشاكل الاكراد ومن وصفهم بـ (الشعوبية) وهي كلمة غالبا ما كانت يعني بها الاغلبية الشيعية. غريب عجيب امر هؤلاء البعثيين والعروبيين. اقاموا الدنيا ولم يقعدوها عندما قال عبد الكريم قاسم يجب ان نحل المشكلة الكردية اولا قبل دخول الوحدة وعندما يستلمون السلطة يكررون نفس الكلام ويزيدون عليه. ولم يكد حبر هذه الاتفاقية الوحدوية الثلاثية يجف حتي انفجر الصراع علي العلن بين البعثيين والناصريين علي اشده سواء في العراق او في سورية. في العراق ذهب السفير المصري امين هويدي الي عبد السلام عارف يحذره بل يهدده في حالة اعدام بعض القوميين المشاركين في محاولة انقلابية فاشلة. وبعد محاولة محمد علوان الانقلابية الفاشلة في سورية ارسل علي صالح السعدي برقية تأييد الي رفاقه في سورية يقول فيها (اسحقوهم حتي العظم) ولم يكن بعثيوا سورية بحاجة لهذه النصيحة فقد قاموا بسفك دم القوميين من دون رحمة. هكذا كان مصير رفاق النضال المشترك من اجل الوحدة العربية وضد عبد الكريم قاسم. اذا استغرق الخلاف بين عبد الناصر وعبد الكريم قاسم سبعة او ثمانية شهور وانفجر بعد محاولة الشواف الانقلابية الدموية فإنه لم يأخذ اكثر من ستة او سبعة اسابيع ولم يكن حبر الاتفاقية الوحدوية بينه وبين البعثيين قد جف. وانتهي النضال من اجل الوحدة العربية بدعوة صالح مهدي عماش الي اتفاقية تعاون عسكري!!!!!ليس المهم من كان وراء انقلاب عبد الكريم النحلاوي لأن انهيار تلك الوحدة كان مسألة وقت ليس إلا لأن الوحدة قامت علي اساس هزيل واستمرت تحت حكم المخابرات. اجتمع بعض الضباط السوريين في نهاية عام 1957 وقرروا ركوب الطائرة والدخول في مفاوضات مع عبد الناصر من اجل الوحدة الفورية. ثم بعثوا احد الضباط ليخبر الرئيس المنتخب بقرارهم هذا. ولم يكن هذا الرئيس شخصا تافها وانما احد اوائل القوميين العرب: شكري القوتلي. وتجاوز هؤلاء الضباط علي سلطة الحكومة المنتخبة وعلي سلطة البرلمان المنتخب. فهل انقلاب النحلاوي جريمة ام تلك التي تجاوزت علي الدستور وعلي الرئيس المنتخب وعلي الحكومة المنتخبة وعلي البرلمان المنتخب. الجريمة لم تكن جريمة الانفصال بل جريمة اقامة الوحدة بتلك الطريقة. وسأشرح لماذا.لو جري استفتاء وقيل للسوريين ان اجهزة المخابرات هي التي ستحكم وان المصريين سيتسلطون عليهم وان الفلاحين المصريين سيتم توطينهم في سورية وإن البطالة المصرية سيتم حلها بتوظيفها في سورية بدلا من السوريين وإن التأميمات ستلحق بالقطاع الخاص وإن كل ضابط مصري سيتصرف وكأنه سلطان مولي عليهم وان الحياة الديمقراطية ستلغي فهل كان السوريون سيوافقون علي هذه الوحدة؟ وفي العراق هل يوجد عراقي يؤيد الوحدة لو قيل له ان الوحدة ستعني تسليم ثروته النفطية الي مصر وتوطين الفلاحين المصريين فيه؟هذا هو الفرق بين الوحدة التي تتم عن طريق المظاهرات التي يتم حشدها بإثارة العواطف وبين النقاش السياسي والمفاوضات. هذه هي وظيفة البرلمان وهذه وظيفة الحكومة التي تناقش هذه الامور والتي لو ناقشتها بموضوعية لوجدت ان الاختلاف كبير وفي جميع الوجوه بين النظامين السوري والمصري ولا يصلحان للوحدة. بل اصبح من الواضح لاحد الضباط المشاركين في مفاوضات الوحدة الفرق بين النظامين. كان الوفد السوري يتفاوض مع الوفد المصري وفجأة دخل بطريق الخطأ وزير الخارجية المصري محمود فوزي الي الغرفة فاعتذر وأغلق الباب بهدوء وعاد من حيث اتي. صرخ عفيف البزري (ما بيجوز، ما بيجوز كيف وزير الخارجية لا يشارك في المفاوضات) لأن وزير الخارجية في سورية ليس طرطورا كما هو الحال عند عبد الناصر.وحتي وحدة اليمن لم تكن فورية. مرت اكثر من عشرين سنة قبل قيام الوحدة بين اليمن الجنوبي واليمن الشمالي رغم ان الثقافة واحدة والشعب واحد والقومية واحدة والرغبة موجودة للوحدة لدي الشعبين. وهذه الوحدة لا تزال باقية بقوة الدبابات وليس برغبة شعبية بسبب الممارسات وبسبب طريقة الحكم. المانيا قُسّمت واُحتلت تماما مثلما قُسّم اليمن واُحتل شطره الجنوبي. لماذا لا توجد دبابات في المانيا الشرقية تحمي الوحدة الالمانية مثل الدبابات الموجودة في شطر اليمن الجنوبي التي تحمي الوحدة اليمنية؟ لكن قضية الوحدة العربية بقيت قضية عاطفية هاجت وماجت ثم خابت. تحرير فلسطينولم تكن قضية الوحدة العربية القضية الوحيدة التي جذبت حازم جواد وغيره الي عبد الناصر. فقد صدق وربما لا يزال يصدق هو وغيره بأن عبد الناصر كان يريد تحرير فلسطين علي الرغم من ان عبد الناصر قال لمجموعة من الطلبة الفلسطينيين في عام 1961 بأنه لا يمتلك خطة لتحرير فلسطين وكرر نفس هذا الكلام امام تنظيمه الطلائعي السري في صيف 1966. وأكد ثلاثة من رؤساء اركان الجيش المصري (محمد فوزي، سعد الدين الشاذلي وعبد الغني الجمصي) عدم وجود خطة عسكرية لتحرير فلسطين. بل علي العكس تثبت الوثائق والمذكرات بأنه كانت لعبد الناصر اتصالات سرية مع اسرائيل منذ عام 1953 حتي وفاته. وقبل اكثر من خمس سنوات قمت بنشر هذه الاتصالات فقامت قيامة الناصريين والبعثيين علي والصقت بي شتي التهم. وبعد عام ونصف من هذا نشر احمد حمروش وهو من ضباط عبد الناصر الاحرار نفس ما كتبته وما ذكرته بل كان احد الذين اجروا اتصالات سرية مع اسرائيل بطلب من عبد الناصر نفسه وقدم كل هذا برهانا علي رغبة عبد الناصر في السلام مع اسرائيل!!!ورغم الخطابات الرنانة ضد الولايات المتحدة الامريكية فقد اصبح واضحا ان لعبد الناصر اتصالات ســـرية مع رجال المخابرات الامريكية بدأت قبل ثورة 23 تموز (يوليو) واستمرت بعدها وتوقفت بعض الاحيان وعادت بعد هزيمة حزيران (يونيو) كما عبر عنها امين هويدي بعودة الاتصالات عن طريق القنوات السرية. وهذه الامور اصبحت من ادبيات ومذكرات رجال ثورة مصر. لكن العاطفة تعمي العيون وتبلد العقول.ولكي نكون منصفين نقول انه كانت للبعثي السوري امين الحافظ خطة لتحرير فلسطين عرضها علي مؤتمر القمة العربي لعام 1965. كانت فحوي خطة هذا النقيب العسكري الذي كان يترفع ثلاث مرات عند كل انقلاب عسكري يشارك فيه كما هو الحال مع بقية رفاقه البعثيين، كانت فحوي خطته ان تقوم الدول العربية بإرسال نصف مليون جندي بصورة سرية الي الضفة الغربية وعند توفر الظروف الملائمة تقوم هذه القوة بالهجوم علي اسرائيل وتحرير فلسطين. لم يفكر هذا الضابط السوري الصغير بكيفية اخفاء نصف مليون جندي وكيفية اسكانهم او توفير الطعام لهم او تدربيهم او اخفاء اسلحتهم او استمرار تدريبهم وكيف يتم ابعادهم عن عوائلهم لفترة غير محدودة وكيف يتم نقل وخزن عتادهم. المأساة ان هناك شخصاً عسكرياً بمثل هذه العقلية يطرح خطة بمثل هذه السذاجة وأن هناك قمة عربية تناقشها! لكن في سوق المزايدات السياسية العربية يتباهي أمين الحافظ بأنه عرض خطة لتحرير فلسطين.طالب عبد الكريم قاسم بالهجوم المفاجئ علي اسرائيل. فعندما طلبت الجمهورية العربية المتحدة في بداية عام 1959 ارسال فرقة عسكرية عراقية الي سورية تحت حجة التخوف من هجوم اسرائيلي. قال عبد الكريم قاسم لرئيس الوفد العسكري المصري هل عندكم في القاهرة الاستعداد للتوقيع علي عمل معين ضد اسرائيل؟ او صلاحية للتوقيع علي هذا العمل . اعتذر رئيس الوفد المصري قائلا بأنه لا يملك صلاحية النقاش في هذه الامور. فرد عبد الكريم قاسم: في الاسبوع القادم وفي مثل هذا الوقت نجتمع هنا مع صلاحية لديكم للتوقيع علي عمل معين ضد اسرائيل . وبعد اسبوع عاد الوفد العسكري المصري فقال لهم عبد الكريم قاسم: اسرائيل (دوّخت) العرب وهي سرطان في جسد الامة العربية وفي كل معاركنا معهم لا تتجاوز حدود المعارك عن استيلائهم علي قرية عربية او احتلالنا لتلة عربية وهذه امور غير مجدية ازاء الخطر الاكبر الذي يهدد الامة العربية. هل لديكم الاستعداد ومن هذه اللحظة بوضع خطة هجومية لاكتساح اسرائيل وليكن بعد ذلك ما يكون؟ . فأجاب رئيس الوفد المصري: الموقف الدولي لا يساعد . فرد عبد الكريم قاسم يا اخي الموقف الدولي لا تتوقعه ان يكون يوما الي جانب العرب ولا تتوقع ان تكون امريكا مع العرب او حتي بريطانيا ولا الغرب كله. إنني اضمن لك دول عدم الانحياز واضمن الاتحاد السوفييتي والصين (وخلّي نتوكل علي الله) ونمسح اسرائيل من الوجود . فرفض الوفد المصري وقال رئيس الوفد لم نأت الي بغداد لهذا الغرض. نحن جئنا من اجل وصول فرقة مدرعة عراقية الي سورية . وعندما تعب قاسم من مماطلة الوفد المصري خرج من الاجتماع غاضبا وهو يقول للزعيم (العميد) الركن محي الدين عبد الحميد قائد الفرقة الرابعة خلّي فرقتك جاهزة للحركة الي سورية خلال 6 ساعات وتنذر قطعاتك فورا . ومن اعضاء الوفد العراقي نذكر رئيس الاركان احمد صالح العبدي والزعيم الركن ضياء الدين محمود والزعيم الركن محيي الدين عبد الحميد والرئيس (النقيب) حافظ علوان بصفته مرافق الزعيم. ربما اختفت الحشود الاسرائيلية بعد ان انفضحت اللعبة الناصرية ولم تعد هناك حاجة للفرقة الرابعة. كانت هناك معلومات اكيدة لدي عبد الكريم قاسم ان عبد الناصر كان ينوي استخدام هذه الفرقة للتحريض ضد نظامه. هكذا كانت تستخدم قضية فلسطين للتآمر علي الانظمة العربية. كان لعبد الكريم قاسم رؤية حول تحرير فلسطين. في نهاية عام 1959 اعلن عبد الكريم قاسم عن تشكيل فوج التحرير الفلسطيني الاول وفتح المعاهد العسكرية العراقية لتدريب الفلسطينيين. كما دعا في نفس الوقت الي قيام الدولة الفلسطينية علي الضفة الغربية وغزة كي يتم منها تحرير بقية فلسطين. عبد الكريم قاسم لم يطلب ويأخذ اجرة تأجير ساعة من اذاعة صوت العرب لمنظمة التحرير الفلسطينية بربع مليون دولار سنويا كما فعل عبد الناصر. ولم يطلب منها بالدولار ثمن الاسلحة التي يعطيها لهم كما فعل عبد الناصر. قدم عبد الكريم قاسم المعونة العلنية والسرية للفلسطينيين. ووكالة الانباء العراقية لم تصف تحت أي عهد الفدائيين بـ الارهابيين كما فعلت وكالة انباء الشرق الاوسط في عهد عبد الناصر وبررته كي لا تخسر عقودها مع وكالات الانباء الاجنبية.في آب 1958 اناط عبد الكريم قاسم مهمتين سريّتين بعبدالجبار عبد الكريم (احد ضباطه في فلسطين). الاولي كانت لتدريب الفدائيين الفلسطينين وكان يشرف علي العمليات داخل فلسطين رؤوف الشنطي وأمين النفوري في سورية. والمهمة الثانية كانت لتدريب بعض الكويتيين للقيام عند الحاجة بمساندة الجيش العراقي في عملية الكويت. اذكرها لاهميتها التاريخية واهمية توقيتها ولندحض ما قاله البعض بأن عبد الكريم قاسم اثار موضوع الكويت ليبعد النظر عن مشاكله مع الاكراد عام 1961. وللامانة اذكر بأن عبد السلام عارف كان يبلغ تعليمات عبد الكريم قاسم لعبد الجبار عبد الكريم. ومعرفة عبد السلام عارف بها قد تفسر برقية اخيه الرئيس الاسبق عبد الرحمن عارف الي صدام حسين عند غزو الكويت والتي قال فيها لقد حققت حلما قديما .هكذا كانت رؤية عبد الكريم قاسم عن تحرير فلسطين وسواء كانت هذه الرؤية سليمة او واقعية فإنها علي الاقل كانت تعني تدريب الفلسطينيين وتزويدهم بالسلاح والمال لتحرير وطنهم ومن دون القاء خطابات رنانة فارغة.الفعل أم رد الفعل؟يحاول اعداء (ومنهم حازم جواد) عبد الكريم قاسم ذر الرماد في العيون عند كتابة مذكراتهم عندما يضعون ردود افعال عبد الكريم قاسم في محل افعالهم. لذلك يصورونه وكأن لديه معرفة مسبقة بكل ما يحدث من مؤامرات واجهزة لتحليل المعلومات تتنبأ بكل دقة وبكل تصرف ما يحدث في الشارع السياسي بل وكأنه يحرك ويتلاعب بالمتآمرين ضده بينما في الواقع ان كل ما كان يقوم به عبد الكريم قاسم هو رد فعل تجاه تلك الاحداث.هاجم حازم جواد عبد الكريم قاسم واتهمه بالتقلب والانتهازية ومهادنة الطبقات الرجعية بل استنجد حازم جواد بهرطقة زكي خيري عندما ينقل عنه بأن عبد الكريم قاسم ضرب الحزب الشيوعي بنصيحة من السفير الامريكي. ان هراء القادة الشيوعيين لا يختلف عن هراء البعثيين او القوميين او الاسلاميين. هل هناك وثيقة امريكية واحدة تؤيد ان السفير الامريكي اقترح علي عبد الكريم قاسم ضرب الشيوعيين؟ وهل كان عبد الكريم قاسم من النوع الذي يستمع الي نصائح السفير الامريكي؟ ألم يدع البعثيون والقوميون أنفسهم بـ عدم رجاحة سلوك عبد الكريم قاسم عندما كان يعطي موعدا في السابعة صباحا للسفير الامريكي او البريطاني اذا اراد أي منهمـــا مقابلته؟ ليقرأ حازم جواد تصريحات انقلابيي 8 شباط (فبراير) عن طريقة معاملة عبد الكريم قاسم للسفير الامريكي قبل ان ينقل لنا هراء زكي خيري.زكي خيري لا يعالج سلوكية الحزب الشيوعي ودمويته واخطاءه الفادحة ولا يرغب في ان يتحمل مسؤوليتها لذلك يلجأ الي قصص من صنع الخيال. وزكي خيري لا يفهم الضغوط التي كانت تمارس من قبل الضباط والسياسيين علي عبد الكريم قاسم لضرب الحزب الشيوعي. وبمناسبة الحديث عن الوثائق الامريكية فأنا امتلك الوثائق التي تدين كل المحاولات الانقلابية ضد عبد الكريم قاسم بما فيها محاولة الاغتيال التي شارك فيها صدام حسين.إن اتهام عبد الكريم قاسم بضرب الأحزاب ببعضها لإطالة نظام حكمه مرفوض ولسبب بسيط. لأن هذا يعني ان عبد الكريم قاسم كان يمتلك خطة مسبقة وعلماً مسبقاً بالأحداث. لأن هذا يعني ان عبد الكريم قاسم كان يحرض البعثيين وعبد السلام عارف علي المطالبة بالوحدة الفورية. لأن هذا يعني بأن عبد الكريم قاسم كان وراء محاولة عبد السلام عارف الانقلابية في أيلول (سبتمبر) 1958. لأن هذا يعني بأن عبد الكريم قاسم كان وراء محاولة احمد حسن البكر الانقلابية في تشرين الاول (اكتوبر) 1958. لأن هذا يعني بأن عبد الكريم قاسم كان وراء محاولة صالح مهدي عماش لاغتياله في تشرين الثاني (نوفمبر) 1958. لأن هذا يعني بأن عبد الكريم قاسم كان وراء محاولة رشيد عالي الانقلابية في كانون الاول (ديسمبر) 1958. لأن هذا يعني بأن عبد الكريم قاسم كان وراء محاولة الشواف الانقلابية في آذار (مارس) 1959. لأن هذا يعني بأن عبد الكريم قاسم كان وراء هتافات حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيم في أيار (مايو) 1959. لأن هذا يعني بأن عبد الكريم قاسم كان وراء محاولة الشيوعيين الانقلابية في حزيران (يونيو) 1959. لأن هذا يعني ان عبد الكريم قاسم كان وراء قيام الشيوعيين الأكراد بجرائم كركوك البشعة. لان هذا يعني انه كان وراء تحريض شاه ايران والمخابرات الامريكية للقيادة الكردية بالعصيان. لأن هذا يعني انه كان وراء ألاعيب شركات النفط ضد العراق وضد حكومته. لأن هذا يعني انه كان وراء محاولة اغتياله الدموية في تشرين الاول (اكتوبر) 1959.ولا بد ان نسأل عباقرة الأحزاب السياسية كيف تمكن ضابط بسيط و عديم الثقافة والخبرة السياسية ان يلعب بكم شاطي باطي كما يقول المثل العراقي؟ وبهذه السهولة؟ هل هذا الاتهام بحق عبد الكريم قاسم إساءة له أم يوضح لنا مقدار ثقافة وخبرة وقدرة معارضيه ؟ان اتهــام عبد الكريم قاسم بـ ضرب الأحزاب ببعضـــها كما أوضحنا يهزم ذات من يستخدمه (Self Defeating) ومرفوض لأنه ليس بيت القصيد. مرفوض لأنه يركز علي ردود الأفعال ويحمّل مسؤولية ردود الأفعال . والصحيح هو مناقشة الأفــعال . والصحيح هو مناقشة مسؤولية الأفعال . ما هو الفعل؟ ومن قام به؟ عدا ذلك سندخل في متاهات التعمية علي الأحداث. وسنصبح شركاء في جريمة تزييف التاريخ. لم يكن عبد الكريم قاسم ينتهي من مواجهة التطرف البعثي ـ القومي حتي واجه التطرف الشيوعي ولم يكن ينتهي من مواجهة هذا التطرف حتي انفجر التطرف الكردي.ہ أكاديمي عراقي في جامعة تواندا في هولندا7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية