يلتفتُ الباحث د.أحمد إسماعيل منذ افتتاحيّة كتابه نحو الإنسانيّ، إذْ يدرك أنَّ النصَّ الذي يريدُ مقاربته، تمَّ تشريحَه مرّات عدة قديماً وحديثاً، وربّما صارت قدرات المؤلفين على تأويله جهداً مكرَّراً، لذلك يؤكد أنَّ طريقة مقاربته هي التي تبْعِد عمله عن التكرار، محاولاً الإفادة من منهج البنيوية في مقاربة النص.
يرى مؤلّف الكتاب أنّ نص «كليلة ودمنة» يستمدّ جانبه الإنسانيّ من ثلاثة محاور هي: كونه منتجاً في عدد من الثقافات، وهروبَ بنيته الحكائيّة من الارتباط بزمن محدد، ولأنه يشكل لبنة في تاريخ الانتقال من الشفويّ إلى الكتابي، وهي مرحلة تركتْ بصماتها على الثقافة الإنسانية عامة.
ملء الفراغات
يتنبَّه مؤلف الكتاب إلى القراءات السابقة التي حاولت مقاربة الكتاب، ويرى أنَّها تدخل في أحد حقليْن رئيسيّين: الانشغال بالأصل؛ عبر تقديم قراءات تاريخية مقارنة تبحث في الجذر، وتجْهد نفسها في نسبته إلى ثقافة ما (الهندية والعربية والفارسية)، حيث يَسوق كلُّ باحث الكثير من الحجج لينحو نحو رأي معين. والحقل الثاني حقلُ الاجتهاد في نسبته إلى قصص الحيوانات ودلالاتها الرمزية، أيْ الانشغال بالدلالة في مستوييْها المباشر والرمزي، ولكي تقنع هذه القراءة متلقِّيها تستحضر الحُجج المتتالية لربطه بظروف تاريخيّة واجتماعية وسياسية محددة.
يُلزم الكاتب نفسه بالبحث عن فراغ آخر في تاريخ الكتاب ونصّه ليملأه، فينصرف نحو مقاربة «كليلة ودمنة» من جهة سرديّة بصفته نصاً له جماليّاته وبُناه التشويقية والدلالية والتركيبية والأسلوبيّة، فهو نصّ أدبيّ قد يضيء معرفة تاريخه أو تاريخ مؤلفه شيئاً من جوانبه، لكنَّه من جهة أخرى هو شريط لغوي متلبّس بمهارة الكاتب الباحث عن شعريّة سرده، ويريد توصيل مُراده بطرائق فنية تجعله مختلفاً عن النص الإخباريّ المباشر. وأمامَ هذه الوعود البحثيّة يتساءل القارئ: إلى أيّ مدى يستطيع الباحث الالتزام بهذه المنهجية؟
الحكاية الأم والحكايات الفرعية
ينتمي نصُّ كليلة ودمنة بمفهوم تزفيتان تودوروف إلى النص التفريعيّ أو الإسنادي، حيث ترتبط النصوص الفرعيّة بالنص الأم، أو الحكاية الإطار كما يسمّيها المؤلف، وهاهنا قد يكون للحكايات الفرعية أهداف توصيليّة تفصيلية تتغاير عن وظيفة الحكاية الأم، لكنها على مستوى الرؤية لاتبتعد عن الرؤيا الكليّة الناظمة للكتاب.
يرى إسماعيل أنَّ كتاب كليلة ودمنة، أو كما يؤثر أن يسمِّيه بيان بَيْدبا، ينقسم إلى ثلاثة أُطر سرديّة هي :»خطاب دبشليم الملك»، و»خطاب بيدبا الحكيم المتمثل عبر: الإدراك والمشورة والمبادرة والجدل»، ثم «التماثل المتكافئ المتبدّي في تحول الصراع». حيث إن الإيمان بالعقل والحوار يحوّل أيَّ مشكلة إلى مجموعة نقاط تقبل الحل، بعد إيجاد آليات يتفق عليها الطرفان، وتكون جسراً لإنقاذ المختلفيْن من شرور القطيعة، شرطَ وجود التضحية والحكمة والخبرة.
ويدرك المؤلف أنَّ الأطراف المكوّنة للصراع ليست متكافئة، لكنها حصلتْ على هذا التكافؤ بالوعي، فالحكيم يُدرك أنَّ ماحصل عليه من علم يُغنيه عمَّا عند الحاكم، ويدركُ الحاكم الخبير، من جهة أخرى، أنَّ ماعنده من مال وسلطة لا يغنيانه عن العلم، لذلك يجد الطرفان نقاطاً محدَّدة تشكل جسراً للوصول إلى المشتركات، عبر خطاب حِجاجي انشغل في الحديث عنه نفرٌ من الباحثين العرب في السنوات الأخيرة. ويريد هذا الخطاب الوصول عبر المُحاجَجة التخييليّة إلى الإقناع، بحيث يصبح من الصعب على القارئ أن يمايز بين خطاب تخييلي وخطاب واقعي، بل يكاد يصل إلى الاقتناع بواقعية الخطاب الحِجاجي التخيلي وبالتالي يحقق أهدافه. فتتناسل الأقوال المأثورة وتقدَّم الحكمة مفصَّلة ومضمَّنة، عبر صيغ السؤال والجواب والإعادة.
حُدود التفريع وقواعدُ ضبطه
يقارب الباحث هذا القسم من موضوعه بالوقوف على عدد من المباحث، إذْ يعرض قواعد الحكايات الإسناديّة، ويوازن بين الدور المنوط بالحكاية الأم والحكايات الإسنادية، ويستفيض في الحديث عن التقابلات الواردة في النص، «الفعل وردّ الفعل»، «الفوق والتحت»، و»الصورة البلاغية» متمثلة في السرد الإخباري والخطاب الحجاجي والسرد الإنشائي، ويلفت النظر إلى الكثير من الجهود التي أنجزها باحثون عرب ومستشرقون لمقاربة الكتاب، مقدّماً قراءة سريعة في جهودهم.
يفرّق الكاتب بين نمطيْن من الحكايات: الحكايات الواقعية والحكايات الخرافية، ويتحدّث عن بلاغة الممكن في النمط الواقعي وحدود الإيجاب، ويشير في النمط الخرافي إلى بلاغة المفارق، وثنائية التقابل في النمط متوقفاً عند حكاية «الغراب وابن آوى والذئب والجمل» بصفتها نوعاً من الحكايات الدّالة على ثنائيتيْ الظاهر والباطن، وكيف أنّ البِطانة غالباً ماتكون قارئة محترفة للحاكم، تجمّل له مايتردّد فيه، لكنها في الوقت نفسه، لا يمكنها أن تُحْدِثَ اختراقات قيميّة إنْ كان الحاكم يمتلك منظومة قيميّة تمنعه من الإساءة للآخر، بيدَ أنها تنبّه إلى أنَّ العمل السياسيّ في تكوينه وعبر تجاربه، غالباً مايتبدَّى عبر لعبتيْ البيع والشراء، متلبّساً بلبوس كونها فنّ الممكن.
رسائل من الراوي إلى المروي له
يخصّصُ الكاتب عدداً كبيراً من الصفحات لمناقشة دور كلّ من الراوي والمروي له، موضِّحاً أنَّ الكتاب في تكوينه الأساسي يقومُ على هذه الثنائيّة، ذلك أنَّ الهدف منه ليس حكاية تُحْكى، بل إيجاد جسر من الحوار بين طرفيْن، كان يُمكن للمروي له أنْ يُقصي الراوي بيدبا، وقد حاول دبشليم، لكنَّه تراجع في اللحظة المناسبة، حين جعلَ العقل ميدان ردّة فعله، والنطق والاستماع هما اللّذان يشكّلان ملعب السرد، فلا سردَ دون مستمع، ولا مسرود دون سارد وفق رؤية الكتاب. ليس من مجال لفكّ الاشتباك بين أقدار الشخصيات ومنطوقها، بل هي لاتخرج عن إطارها المرسوم لها، ولا تريد التغلّب على وضعها بصفتها شخصيّات تنتمي إلى عوالم مختلفة، لكنَّها يمكن أنْ تحقّق ذواتها من خلال الفكر الذي تحمله، يقع بعضُها ضحيّة طيبته، وتصديقه، وتمارس الشخصيات جميعها نوعاً من «الكذب» المتَّفق عليه للوصول إلى غاياتها ومراماتها.
ترهين الزمن
تكشف قراءة المفارقة الزمنية بين كل من: «زمن القصة وزمن الكتابة» أن الزمن الكتابي يبدأ من حيث انتهى زمن القصة، وتهيمن فيه صورة استرجاعية للزمن. وهذه المفارقة نتاجُ علاقة تركيبيّة يُقدمها المؤلف في قراءته للمادة الحكائية، بغية تكسير خطية الزمن فيها وخلخلته، وإبراز رؤيته للمادة القصصية وتحميلها الأبعاد الدلالية التي يريد التصريح بها. ويؤكد المؤلف أنه ربما لو تمّ التعامل مع حكايات «كليلة ودمنة» بصفتها ماضياً منتهياً لانتهت إشكاليّة الكتاب، وتحوَّل إلى كتاب ينتمي إلى العادي الذي يُنشر كلَّ يوم، فقوّة الكتاب الرئيسيّة يستمدّها من راهنيّته، إذ يقود متلقّيه إلى ربطه بالواقع، ولم يغب ذلك عن ابن المقفع فقد ذكر أنَّ كتابه ينقسم إلى أربعة أقسام: «أحدها ماقُصد من وضْعه على ألسن البهائم غير الناطقة ليسارع إلى قراءته واقتنائه أهلُ الهزل من الشبّان فيستميل قلوبهم. والثاني: إظهار خيالات الحيوانات بصنوف الألوان ليكون أُنساً لقلب الملوك، ويكون حرصهم أشدّ للنزهة في تلك الصور. والثالث: أن يكون على هذه الصفة فيتخذه الملوك والسوقة فيكثر بذلك انتسابه ولايبطل فيخلق على مرور الأيام، ولينتفع بذلك المصوّر والناسخ أبداً. والغرض الرابع، هو الأقصى، مخصوصٌ بالفيلسوف خاصة».
من الترجمة إلى التناص
يرى المتحمسون للتناص أنَّ طبيعة العلاقة بين النص والمُنتج والبنيات النصية المتعالية هي التي تحدّد طبيعة الإبداع من حيث قدرته على تميّزه عن البنية النصية السابقة عليه، فإمَّا أن يجسّد استمراراً اجتراريّاً لها فيعيد إنتاجها، أو أنه يُضيف إليها، فينتج نصَّاً جديداً يغذّي البنية النصية السابقة ويحوّلها، وقد تبدَّتْ هذه المتفاعلات في نص ابن المقفع عبر المتفاعلات التاريخية والدينية والأدبية، وكشف التناص الذاتيّ، الذي أحدثه ابن المقفع مع نصوص أخرى له، على مستوى الرؤية، أنَّه كاتبٌ سياسيّ بالدرجة الأولى، حثَّ على إصلاح العلاقة بين الشعب والحاكم، أدان الاستبداد منبّهاً الحاكم إلى أنَّ هناك إمكانية لمدّ جسور الحوار بين طرفيْن شكلت العلاقة بينهما، عبر التاريخ، مادّة حكائية وتحليلية شغلتْ الكثير من اهتمام البشرية.
يريد ابن المقفع تأكيد أنَّ الوجعَ الإنسانيّ، المتمثّل بالتوق نحو العدالة والترحيب بالحرية واحدٌ متعدّد عند مختلف الأمم والأزمنة. فالرؤية المهيمنة في النص تنشطر إلى: رؤية نقديّة تجاه استبداد السلطان والفئة المثقفة وعجزها عن القيام بواجبها تجاه مجتمعها؛ خوفاً من البطش. ورؤية إصلاحيّة تحمل يقيناً بقدرة العقل، والحوار على تحويل العلاقات غير المتكافئة إلى علاقة متوازية بين القطبيْن، لتسود بدلاً من علاقة الاستبداد، لكن كلّ هذا مرتهنٌ برغبة الطرفيْن وإخلاص النية. ولعل هذه الفكرة هي ممّا يجعل قراءة ابن المقفع في هذا الوقت أكثر جدوى، في ضوء مراماته الإنسانية والإشكالية والتأويلية.
د.يوسف إسماعيل: «مشروعية السرد في بيان بيدبا». الدار العربية للعلوم، بيروت 2103، 216 صفحة.
د.أحمد الحسين