سوسيا- “القدس العربي”:
سوسيا قرية صغيرة جنوب مدينة الخليل، يقيم أهلها في المغاور وبيوت الزنك والخيم، وتتعرّض للهدم المتتالي منذ 1948 على يد الاحتلال، لكنها كبيرة بإرادتها وصمودها، وهي مرآة تعكس قضية فلسطين. سوسيا واحدة من 12 قرية وخربة في منطقة “مسافر يطا”، تقع على تلة مرتفعة داخل الضفة الغربية ضمن المنطقة “ج” التي تسيطر عليها إسرائيل إدارياً وأمنياً. وفي الجهة المقابلة، وعلى أراضي القرية، التي تم الاستيلاء عليها من قبل الاحتلال بحجة قيامها على موقع أثري، لكن سرعان ما سلمّها للمستوطنين قبل عدة عقود، بنيت مستوطنة إسرائيلية ورثت الأرض والبئر والاسم أيضاً. يقيم في القرية نحو 350 فلسطينياً، منهم 120 طفلاً، معظمهم وصلوا إليها بعد تهجيرهم من قراهم الأصلية وأصبحوا لاجئين عام 1948.
منذ العام 2000 ووفود متضامنين أجانب يزورن المنطقة، وفي الآونة الأخيرة يصلنا متكافلون من فلسطينيي الداخل، آخر الوفود وصل أمس بمبادرة مركز “إعلام”، بمشاركة صحفيين وناشطات في مجال المجتمع المدني من الجليل والمثلث والساحل. وتولى تقديم الشروحات مدير عام منظمة “يكسرون الصمت”، أفنير غفارياهو، وهو ضابط سابق في جيش الاحتلال، انتقل بعد الخدمة العسكرية للعمل المنهجي ضد الاحتلال بدوافع أخلاقية وسياسية ترى أن استمرار الاحتلال سيعود كيداً مرتداً على إسرائيل، علاوة على كونه غير إنساني ويضع الفلسطينيين داخل قفص. مستغلاً كونه صاحب تجربة سابقة كشف جفارياهو عن كل الحيل والإجراءت التي يستخدمها جيش الاحتلال لطرد الفلسطينيين من منطقة مسافر يطا، والعمل على تعميق التهويد والاستيطان فيها بطرق غير شرعية، ووحشية أحياناً. جفارياهو، ورداً على سؤال المشاركين، قال: “لست مرتاحا بالكامل أن أكون مرشداً هنا لمجموعة فلسطينية حول ممارسات الاحتلال في “مسافر يطا”، ولكن ربما هناك امتيازات لكوني رجلاً أبيض وإسرائيلياً، ونحن ننقل للعالم فظائع الاحتلال.
واستهلّ غفارياهو شروحاته بالقول: “نحن موجودون في جنوب الخليل، ومقابل منطقة النقب المحتلة عام 1948، وتحديداً نقيم في قرية سوسيا، وهي جزء من منطقة مسافر يطا، التي يعتبرها الاحتلال منطقة عسكرية (تعرف إسرائيلياً بمنطقة 918)، ويحاول تهجير أهالي 12 قرية أو خربة فلسطينية منها. منبها أنه منذ 23 عاماً والأهالي في قرية سوسيا يتعرّضون لضغوط متفاقمة لترحيلهم مجدداً، ويشير إلى أن المحكمة الإسرائيلية العليا قررت قبل ثلاثة أسابيع السماح للجيش القيام بتدريبات عسكرية داخل هذه المنطقة. وفي أواخر مارس/آذار الماضي، كانت الجهات الإسرائيلية الرسمية طلبت من المحكمة العليا، السماح لها بهدم القرية الفلسطينية وترحيل سكانها إلى بلدة جديدة قرب مدينة يطا، والذريعة افتقار القرية للبنية التحتية. وأضافت أن طلب دولة الاحتلال جاء في الرد على التماس سكان القرية ضد قرار عسكري سابق بهدم قريتهم، حيث ادعى الجيش بوجوب إخلاء السكان بسبب النقص في البنى التحتية، مع أنه يمنع عنهم هذه البنية. موضحة أن السكان رفعوا التماسا مع منظمة حاخامات من أجل حقوق الإنسان قبل نحو سنة، في المقابل عملت جمعية رغافيم الاستيطانية لتنفيذ أوامر الهدم.

أم نصر من سوسيا
ويوضح نصر نواجعة، ابن سوسيا، وباحث مع جمعية “بتسيلم”، أن سوسيا واحدة من هذه القرى الفلسطينية المهددة بالترحيل مجددا من قبل الاحتلال، بعض سكانها جاؤوا أصلا من قرية “القريتين” من جهة عراد داخل أراضي 48، وبعد النكبة انقسمت ديارهم لقسمين جراء الاحتلال الأول: 80% من أراضينا على الخط الأخضر و20% من أراضينا في منطقة سوسيا. ويوضح نواجعة لـ “القدس العربي” أنه قبل النكبة كان عائلته تعيش “رحلتي الشتاء والصيف”، حيث كانوا يقيمون خلال الصيف في منطقة سوسيا المرتفعة، ونستفيد من كروم التين واللوز والعنب والزيتون، وفي الشتاء ينزلون لقرية القريتين على بعد خمسة كيلومترات، وفيها زرعوا أراضيهم البقوليات كالقمح والشعير.
في احتلال 1948 قتل الإسرائيليون بعض رعاة قرية القريتين، وشردوا أهاليها ثم رجعوا وأقاموا فيها حتى 1953، حيث قامت إسرائيل والأردن بتعديل الحدود على حساب أهالي سوسيا، كون القريتين منطقة حدودية، فهجروهم نحو أراضيهم داخل قرية سوسيا، فأقاموا فيها حتى بدأ الاحتلال في 1979 يسعى لتهجيرهم مجددا. ويستذكر نصر نواجعة بدايات التهجير الثاني: “في البداية زارتنا مجموعات يهودية وكنا نظن ببساطتنا ونيتنا الطيبة أنهم سواح فأكرمناهم بالمأكل والشراب وبعد شهرين عادوا مع مسلحين وأبلغونا بضرورة مغادرة المكان وإخلاء الكهوف والخيم والبيوت الطينية التي أقمنا فيها، بحجة أنها منطقة أثرية، وفوجئنا أن من زارنا هم من سلطة الآثار الإسرائيلية. ويتابع: “بدأ مشوار الضغوط يتفاقم حتى 1985، فتوجهنا للسفارة الأمريكية لمنع التهجير، لكن الأميركيين خذلونا، وقامت السلطات الإسرائيلية في 1986 بتهجيرنا إلى جنين ونابلس، وبعضنا انتقل لأراض زراعية مجاورة لـ قريتنا سوسيا، وهي مسجلة بالطابو، وأقمنا فيها وأنشأنا سوسيا الجديدة، لكننا لم نسلَم من مضايقاتهم فقد بتنا بين فكي كماشة، والاحتلال سمح للمستوطنين بعد شهر من تهجيرنا بالسكن في سوسيا القديمة، وكأنها لم تعد منطقة أثرية. واليوم يكرّرون محاولاتهم تهجيرنا مجددا، فيحاولون منعنا من بلوغ آبار الجمع ومنذ 1993 حتى 2001 هدموا بيوت سوسيا سبع مرات، وصادروا الأراضي ويحرموننا من الآبار يوميا”.

ومنذ أقيمت مستوطنة سوسيا، ما زال ملف البناء والهدم في القرية الواقعة ضمن منطقة (ج) بالضفة الغربية، قيد التداول في محاكم الاحتلال، فمن جهة يطلب السكان بإلغاء أوامر الهدم والاعتراف بقريتهم، وفي المقابل يرفض الاحتلال اعتماد مخطط للقرية ويصر على الهدم. عندما حاولنا استغلال القانون التركي والبريطاني والإسرائيلي، لكن للأسف فإن جهاز القضاء الإسرائيلي منحاز بالكامل مع الجيش ومع المستوطنين ومع ما يعرف بـ الإدارة المدنية”، وهي عمليا إدارة عسكرية.
متمسكاً بعكازه، ومعتمراً قبعة العمل، يروي الشيخ محمد أحمد نصر نواجعة (أبو جهاد) من قرية سوسيا، من مواليد قرية القريتين في منطقة مسافر يطا، ملحمة البقاء لقرى مسافر يطا، ويقول إنه ولد عام 1946، ويتابع ساخرا: “أنا أكبر من إسرائيل بعامين، وهي تحرمنا حتى من الحق الأساسي بالحياة وبالمأوى ونحن في أرضنا المسجلة بدائرة الطابو. كنا نقيم داخل بلدة سوسيا وتعرضنا لنكبة بعدما هجرنا الاحتلال بحجة الآثار قبل نحو ثلاثة عقود، فانتقلنا للإقامة في أراضينا الخاصة بنا، وهي أراض زراعية، ونعمل اليوم أيضاً كفلاحين ورعاة، فحفرنا الآثار والكهوف للسكن فيها. لكن الاحتلال هدم البيوت والكهوف على رؤوسنا، وينغصّ علينا عيشتنا، ولم تسلم المغر والآبار والحظائر من إسرائيل. أمضينا العمر في معاناة ومواجهات مع الجيش ومع المستوطنين الذين قتلوا منا أربعة أشخاص في السنوات الأخيرة، وصادروا الكثير من أراضينا وهجرونا من قريتنا. كنت أملك قطيعاً يعد 100 خاروف، واليوم لا أملك عشرة منها.

“نحن صامدون هنا، وسنموت هنا في ترابنا، ولن ننتقل لأي جهة، ونتابع مخطط هندسي قدمناه من عشر سنوات. رفضنا فكرة الترحيل الإسرائيلية. الحل الحقيقي في الصمود والرباط والمثابرة ومن يموت يموت، فكافّتنا متساوون، ولسنا أفضل من أهالي جنين، وكل الشعب الفلسطيني هو مشروع استشهاد.لا خيار أمامنا إلا البقاء هنا، وعندي ثقة بعون الله أن أبنائي وأحفادي السبعين باقون هنا، وسيبقون في مسافر يطا. سرّ البقاء هو عند ربنا، ولا خيار إلا الصمود، فهذه أرضنا، ويا حياة أو موت. سنبقى هنا. عندنا مدرسة ابتدائية، يذهب أولادنا إليها سيراً على الأقدام، ويتعرّض لهم المستوطنون يوميا. أحيانا تقدم لنا السلطة الفلسطينية مساعدات معنوية ودبلوماسية، وهناك متطوعون أجانب وإسرائيليون أيضاً، وفي الآونة الأخيرة تزورنا وفود من فلسطينيي الداخل، ومثل هذه الوفود تمنحنا القوة وأسباب البقاء.
وهذا ما تؤكده بأكثر حدة قريبته الحاجة زهرية نواجعة (أم نصر) المولودة في عام النكبة في “القريتين”. وعن محطات المسيرة، قالت: “ثم انتقلنا لسوسيا القديمة مع عائلتي حتى تمّ تهجيرها من قبل سلطات الاحتلال. تزوجت في سوسيا القديمة وأنجبت ثلاثة أولاد: نصر، إيمان ومحمود، وكانت الداية تأتي وتساعدنا. عشنا داخل بيوت متواضعة وننقل الحطب والميّ على رؤوسنا أو البهائم لكننا كنا مبسوطين وراضين حتى داهمتنا قوات الاحتلال وطردتنا، وسيّجت حول القرية بدعوى أنها موقع أثري. لكننا عدنا وبنينا بيوتنا مجددا، وطردونا مجددا، وهددونا بالتهجير خلف الحدود. قاموا بتسييج سوسيا القديمة، وبقيت كل معداتنا وأدواتنا فأقمنا هنا في أراضينا وحرموننا من العودة لديارنا. كان المستوطنون يهاجموننا ويضروبننا ويحاولون إشعال النار بممتلكاتنا لكننا تصدينا لهم بأيادينا. كنا نحفر بالأرض تحت الأسلاك، ونعود لأراضينا في سوسيا حيث مزارعنا وأشجارنا وأدواتنا. كان عندنا بئر مياه لسقي حيواناتنا، هاجمني جندي وهددني بإطلاق الرصاص، لكنني لم أخشاه وضربته بعصا. أجدادنا طردوا من القريتين، ولن نسمح لهم بتكرار النكبة معنا. رغم أن العالم يتفرّج علينا، وحسبنا الله ببريطانيا التي جلبت علينا هؤلاء الظالمين، ولهم الله يتولى بهم في يوم كما تولوا فينا”.

أبو جهاد من سوسيا
“نحن باقون وصامدون هنا بدم أولادنا ممن يستشهدون. أعود وأكرر بالوحدة، وقد سألني رئيس الحكومة الفلسطينية، ووزراء فيها؛ ماذا تريدون وماذا ينقصكم؟ فقلت لهم: لا أريد منكم شيئا، وأرفض كيس طحينكم فأنا أخبز الرغيف ونأكل. ما نريده منكم الوحدة. “بدنا وحدة وطنية بدنا وحدة وطنية”. نحن أيضا نتحمّل مسؤولية. قلت لسلام فياض والسلطة الفلسطينية: “احنا مش مزبوطين حتى استفرد اليهود فينا. امشوا على قلب واحد. لو كنا يد واحدة لما فعلت إسرائيل بنا ما فعلته، لكننا مشتتون”.
“طبعا سيبقون. أنا باقية هون، وسأموت هنا، وأولادي وأحفادي يتصدّون للاعتداءات عليهم كل أسبوع، فهم يهاجموننا ويطلقون النار علينا وعلى مواشينا. أبناء الشهداء يسيرون على هذه الطريق. لو نموت سنبقى في ديارنا ولن نسلّمهم وطننا. أقول لبايدن: يدعونا اليهود كل يوم للرحيل للأردن لكننا أصحاب البلاد وفيها نعيش وفيها نموت، وهي موتة واحدة سواء موت طبيعي من رب العالمين أو قتل على يد المستوطنين والجيش، بينما هم مهاجرون تمت لملمتهم من كل أنحاء الدنيا، وما معهم أي حق حقيقي يستندون عليه ونحن معهم والزمن طويل، والصبر مفتاح الفرج”.
وفي هذا المضمار، يذكر الصحافي عوض الرجوب أنه وفق اتفاقية “أوسلو” الثانية الموقعة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل في 1995، تم تقسيم الضفة الغربية إلى 3 مناطق “أ” و”ب” و”ج”، وتمثل الأخيرة 61 %من مساحة الضفة. ويضيف”يستأنس السكان بوجود شعار الاتحاد الأوروبي على بعض المنشآت المتواضعة مثل المجلس المحلي، والعيادة، والطاقة الشمسية، وصهريج المياه، ويعتقدون أن هذا الشعار يبعد عنها شبح الهدم الإسرائيلي. وبحسب تقرير سابق لمكتب الشؤون الإنسانية الأممي في الأراضي المحتلة، فقد تم تخصيص أغلب المنطقة (ج) للمستوطنات أو الجيش الإسرائيلي، على حساب التجمعات الفلسطينية، ما يعرقل تطوير السكن الملائم، والبنية التحتية وسبل العيش في تلك التجمعات المقدر عدد سكانها بنحو 400 ألف نسمة، وفق آخر إحصاء فلسطيني عام 2017.