لندن – «القدس العربي»: أنهت السلطات المصرية تقريباً قضية صحافيي قناة «الجزيرة» بعد أكثر من 400 يوم على اعتقالهم، وبعد ضجة عالمية كبيرة أثيرت بسبب احتجازهم والحكم الصادر بحقهم، إلا أن الجو العام السائد في أوساط الإعلاميين المصريين لا يزال سلبياً مع استمرار الكثير من القيود على العمل الإعلامي وشيوع القناعة في أوساط الصحافيين المصريين بأن القاهرة تريد تهدئة الانتقادات فقط، ولا تريد أن توفر مناخاً حقيقياً من الحريات.
وبينما ألغى القضاء المصري أحكام السجن الصادرة بحق الصحافيين الثلاثة، فلا يزال عشرات الصحافيين والعاملين في المجال الإعلامي معتقلون في السجون المصرية بسبب عملهم أو مواقفهم السياسية، أو بسبب شكوك حول انتمائهم لجماعة الإخوان المسلمين أو تعاطفهم معها.
وبعث «المرصد العربي لحرية الإعلام والتعبير» قائمة إلى «القدس العربي» تضم الصحافيين المعتقلين في السجون المصرية الذين تمكن من إحصائهم، مشيراً إلى أن إعلاميين آخرين ربما يكونون وراء القضبان في مصر ولم يتم إدراجهم على القائمة، ما يعني أن أعداد الصحافيين المعتقلين في القاهرة ربما يكون أكبر من المعلن.
وتضم قائمة المرصد نحو 100 صحافي معتقلين في السجون المصرية، من بينهم عدد كبير «ما زالوا رهن الحبس الاحتياطي ولم يتم عرضهم على أي محكمة حتى الآن رغم مضي مدد طويلة على اعتقالهم»، كما أشار المرصد أن من بينهم 13 صحافياً تتم محاكمتهم بسبب تغطيتهم لاعتصام ميدان «رابعة» الذي تم فضه بالقوة، في القضية المعروفة باسم «قضية المركز الإعلامي لرابعة»، وهم صحافيون كانوا في الاعتصام بغرض التغطية الإعلامية ولم يكونوا جزءاً من الاحتجاج.
و»المرصد العربي لحرية الإعلام والتعبير» هو منظمة حقوقية مستقلة تعمل من خارج الأراضي المصرية، لكن القائمين عليه هم عدد من الصحافيين المصريين المعارضين لنظام الحكم الجديد في القاهرة.
وأعرب مدير المرصد الصحافي المصري قطب العربي عن ارتياحه لقرار إخلاء سبيل عدد من الصحافيين والإعلاميين من بينهم صحافيو قناة الجزيرة، إضافة إلى صحافيين آخرين هم أحمد عز الدين مدير تحرير جريدة «الشعب» السابق، وايمن صقر من جريدة «المصريون» وأحمد المنشاوي من جريدة «إيجبشيان غازيت» وعلياء عوض من «شبكة رصد».
وقال العربي إن «قرار إخلاء سبيل الصحافيين يظل منقوصاً لا يكتمل إلا بتبرئتهم بشكل كامل من تهم ظالمة طالتهم، بينما كانوا يمارسون عملهم المهني أو تم القبض عليهم من منازلهم على خلفية ممارستهم لعملهم المهني أيضاً».
وأكد أن «السجون المصرية لا تزال تضم حوالي مئة صحافي وإعلامي حتى الآن، عدد منهم يحاكم أمام بعض المحاكم مثل قضية المركز الإعلامي في رابعة والتي تضم 13 صحافياً وإعلامياً، وبعضهم يحاكم بتهمة التخابر، وكثير منهم لا يزال رهن الحبس الاحتياطي دون إحالته إلى القضاء أو توجيه تهم محددة له».
وأعرب عن قلقه بعد إحالة عبد الرحمن شاهين الصحافي في جريدة «الحرية والعدالة» ومراسل قناة «الجزيرة» في السويس إلى محكمة عسكرية في ظروف غامضة حيث أطلقت اسرته نداء استغاثة عاجل لمعرفة مكان احتجازه الجديد وطبيعة التهم المنسوبة إليه وتمكين محاميه واسرته من مقابلته.
«كريستيان ساينس مونيتور»:
الصحافة مكممة
ولاحقاً للتطورات التي شهدتها قضية صحافيي «الجزيرة» في مصر نشرت صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» تقريراً قالت فيه إن «صحافيي الجزيرة أحرار لكن الصحافة المصرية ما زالت مُكممة».
وأضافت: «أطلق سراح صحافيي الجزيرة لكن الصحافة ما زالت مكممة، والرقابة الذاتية متفشية، فضلا عن إغلاق الكثير من محطات التلفزيون»، لافتة إلى أن منظمة «مراسلون بلا حدود» أكدت أن مصر تأتي في المرتبة 158 من بين 180 دولة في حرية الصحافة.
وتابعت أن صحافيي «الجزيرة» كانوا 3 من ضمن آلاف السجناء الذين يقبعون خلف أسوار السجون المصرية، مشيرة إلى أنه في بداية عام 2013 تراوح عدد السجناء بين 60 ألف إلى 66 ألف سجين، ووفقا لأرقام وزارة الداخلية تم اعتقال 16 ألف مصري في غضون 9 أشهر بعد الإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي.
وذكرت الصحيفة، أن العديد من الأصوات المعارضة التي ازدهرت أثناء ثورة كانون الثاني (يناير) 2011، تركت مصر ورحلت، منهم الإعلامي باسم يوسف، صاحب البرنامج الشهير «البرنامج» والذي اضطر لمغادرة مصر بعدما تم إيقاف بث برنامجه، والفنان «جنزير» صاحب الصور المميزة عن ثورة يناير والذي اضطر هو الآخر للسفر إلى نيويورك.
وأكدت الصحيفة الأجنبية أن السجون المصرية ما زالت تعج بالسجناء السياسيين، لافتة إلى الحكم على 9 من النشطاء السياسيين مؤخراً بالسجن منهم المحامية والناشطة السياسية ماهينور المصري.
الأجواء السلبية مستمرة
ويقول الكثير من الإعلاميين إن الأجواء السلبية ما زالت تهيمن على الصحف ومحطات التلفزيون في مصر رغم إطلاق سراح عدد من الإعلاميين، ورغم مرور أكثر من عام ونصف على انتخاب المشير عبد الفتاح السيسي رئيساً للجمهورية، كما أن الأجهزة الأمنية تتدخل في أعمال كثير من وسائل الإعلام وتقوم بتوجيهها لخدمة أجندات سياسية معينة.
ويستشهد صحافيون، ومن بينهم العربي ذاته، على التسريبات الأخيرة التي خرجت من مكتب السيسي والتي كشفت حجم الهيمنة الحكومية على وسائل الإعلام، حيث تبين أن اللواء عباس كامل مدير مكتب السيسي الذي رافقه من وزارة الدفاع إلى الرئاسة يتواصل بصورة دورية مع عدد كبير من الإعلاميين في مختلف الصحف والقنوات التلفزيونية ويملي عليهم الكثير من الأوامر والتعليمات، وهو ما يؤكد قطب العربي أنه يمثل «انتهاكاً صارخاً للحريات الإعلامية وخديعة بالغة للمتلقي النهائي، وهو الجمهور الذي له الحق في أن يعرف الحقيقة كما هي، وليس كما يريد صانع القرار».
وكانت قناة «مكملين» الفضائية قد بثت عدداً من التسجيلات المسربة من مكتب السيسي خلال الأسابيع الماضية، ومن بينها مكالمة هاتفية بين اللواء عباس كامل، وبين الناطق السابق باسم الجيش أحمد علي حيث يطلب كامل التواصل مع الإعلاميين المقربين من السلطة العسكرية والبدء بحملة إعلامية لتجميل صورة السيسي شعبياً، على أن التسريب يعود إلى فترة ما قبل الانتخابات الرئاسية، أي أن الحملة لم تكن سوى حملة انتخابية لحساب المرشح السيسي.
ولاحقاً للتسريب قال رئيس حزب «غد الثورة» أيمن نور إنه يتضمن دليلاً على ارتكاب السيسي جريمتين، الأولى هي التزوير في أوراق رسمية، حيث أن عنوان السيسي المقدم في أوراق ترشيحه تبين أنه غير صحيح، أما الجريمة الثانية فهي استخدام مكتب حكومي، وهو مكتب وزير الدفاع، في الحملة الانتخابية وتوجيه الصحافيين والإعلاميين لخدمة أحد المرشحين عبر شاشات التلفاز والمؤسسات التي يعملون فيها.