الخرطوم ـ «القدس العربي»: بعد قرارات القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان الأخيرة، وإعلانه الانسحاب من المحادثات المباشرة، قالت دول الترويكا (النرويج والمملكة المتحدة والولايات المتحدة) والاتحاد الأوروبي، الخميس، إنها تدرك نية الجيش المعلنة بالانسحاب من العملية السياسية، بعد اتفاق الأحزاب المدنية على تشكيل حكومة انتقالية، مطالبة إياه بتطبيق هذه الالتزامات.
وحثت الفاعلين السياسيين الملتزمين بالانتقال الديمقراطي على المشاركة السريعة في حوار يشمل الجميع لتشكيل حكومة انتقالية مدنية ورئيس لهذه الحكومة والاتفاق على جدول زمني واضح لإجراء انتخابات حرة ونزيهة.
وقال البيان: «بعد مرور ثمانية أشهر من استيلاء الجيش على الحكم، ووفقا لإعلان البرهان بأن الجيش سوف يتوقف عن المشاركة في المحادثات السياسية، إننا ندرك نية الجيش المعلنة، لدى الاتفاق بين الأحزاب المدنية على تشكيل حكومة انتقالية، بالانسحاب من الساحة السياسية».
وأضاف: «يلزم على الجيش والقوات الأمنية تطبيق التزامهم هذا، وكذلك ينبغي عليهم إنهاء العنف ضد المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن أعمال القتل غير القانوني، وغير ذلك من الانتهاكات والإساءات المرتبطة بحقوق الإنسان».
حكومة مدنية
وأكد على ضرورة أن «تكون الحكومة الانتقالية المقبلة مدنية، وأن تحظى بقاعدة عريضة في جميع أنحاء البلاد» داعيا إلى «تكوين آلية لتسوية الخلافات للمساعدة في تفادي وقوع أي أزمات سياسية مستقبلا. وتابع: «أنه يلزم وجود وضوح تام بشأن الإشراف على دور ومسؤوليات الجيش» مؤكدا أن «هذه المسائل لا يمكن أن يحددها الجيش من طرف واحد، وأنها تتطلب الحوار والشفافية للمساعدة في تفادي وقوع خلافات مستقبلا».
وجدد الاتحاد الأوروبي والترويكا دعمهما لمبادرة الآلية الثلاثية المشتركة المكونة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية لتيسير حوار شامل للجميع.
وأضاف البيان: «بعد مرور ثلاث سنوات على مساعي السودانيين من أجل الانتقال الديمقراطي، يؤسفنا جدا استمرار الخسائر بالأرواح، والتراجع في التقدم المهم الذي تحقق على الصعيدين الاقتصادي والسياسي» مؤكدأ دعمهما لتمسّك الشعب السوداني بمستقبل أكثر سلاماً وعدلاً، وتقديرهما للتضحيات التي قدمها من فقدوا أرواحهم دعماً للديمقراطية.
وأشار إلى تطلع الترويكا والاتحاد الأوروبي إلى دعم حكومة انتقالية مدنية تحظى بتأييد شعبي، وتمثل الآمال والتطلعات للشعب السوداني.
وعلى الرغم من تأكيد الترويكا والاتحاد الأوروبي على الالتزام بدعم مطالب السودانيين بالانتقال المدني الديمقراطي، رأى مراقبون أن البيان يؤيد إجراءات البرهان الأخيرة.
فقد قالت أستاذة العلاقات الدولية في جامعة الخرطوم، تماضر الطيب لـ«القدس العربي»: «يبدو من خلال بيان الترويكا والاتحاد الأوروبي، أنها فسرت قرارات البرهان كخروج من العمل السياسي، وأنه ترك الفرصة للمدنيين لتكوين حكومة انتقالية، الأمر الذي لا يتوافق مع حقيقة الوضع الراهن في البلاد».
وأضافت: «أنه من غير المرجح أن تكون الترويكا والاتحاد الأوروبي، غير مدركين لحقيقة الأوضاع في السودان، في ظل متابعتهم اللصيقة للتداعيات التي حدثت منذ انقلاب الجيش على الحكومة الانتقالية في 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ولكن يبدو أنها تتعجل تكوين حكومة تدفع البلاد نحو الاستقرار في ظل الأوضاع المتوترة إقليميا ودوليا، فضلا عن تخوفها من أثر الخروج الكامل للجيش».
ولفتت إلى أن «البرهان من خلال قراراته الأخيرة، يسعى لزيادة نفوذ الجيش في السلطة» مشيرة إلى «إقالة المدنيين في المجلس السيادي والصلاحيات التي يتطلع الجيش لامتلاكها عبر مجلس الأمن والدفاع والذي قال البرهان إنه سيتكون من القوات المسلحة والدعم السريع».
ورأت تماضر أن الترويكا والاتحاد الأوروبي «يستعجلون تكوين حكومة مدنية أكثر من دفعها من أجل الانتقال الديمقراطي في السودان» مشيرة إلى أن أي «جهود من المجتمع الدولي لا تتوافق مع مطالب الشعب السوداني وتدفع بالقوة اللازمة لإخراج الجيش من العملية السياسية في السودان، ستفشل في نهاية المطاف، كما حدث في المحادثات المباشرة التي تيسرها الآلية الثلاثية المشتركة لبعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وإيغاد». ولفتت إلى أن «البحث عن حلول سريعة للأوضاع في السودان، عبر أي شكل من أشكال التسوية التي ستوجد للعسكر بطبيعة الحال شكلا من أشكال الشراكة مع المدنيين، ستقدم حلا مؤقتا للأزمة السودانية وليس الحل الجذري المطلوب» مرجحة «عدم نجاحها في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تحاصر البلاد».
أما الخبير الدبلوماسي، الرشيد أبو شامة، فقد اعتبر أن موقف الترويكا والاتحاد الأوروبي «محاولة لدفع الجيش نحو تسوية تضمن خروجه من العملية السياسية» مشيرا إلى أن الجيش «لا يبدي أي نوايا للخروج من العملية السياسية، ولكنه يعيد تموضعه بشكل يضمن له سلطات أوسع ضمن إطار حكومة مدنية يسعى من خلالها لإرضاء المجتمع الدولي».
وقال لـ«القدس العربي»: إن «الجيش لم يقل أنه سيخرج من العمل السياسي، وإنما خرج من المحادثات المباشرة التي تيسرها الآلية الثلاثية، أي أنه جردها من قيمتها» مشيرا إلى أن «الأزمة الحالية في البلاد بين من قام بالانقلاب من عسكر، وبين المعارضة المناهضة للانقلاب، أي أن حلها يستلزم حوارا بين الجانبين».
ولفت إلى أن أي «حوار بين الأطراف المدنية ستقاطعه المعارضة المكونة من لجان المقاومة وقوى الحرية والتغيير وتجمع المهنيين وبقية الأجسام المناهضة للانقلاب، لجهة أنه لن يفضي لإنهاء الانقلاب» مشيرا إلى أن ذلك «سيفضي في النهاية إلى تكوين حكومة من الموالين للعسكر ونظام الرئيس المخلوع عمر البشير».
وتابع: «وفقا للمعطيات الراهنة، ستنتج عن الحوار المدني – المدني، حكومة مدنية موالية للعسكر، الأمر الذي يعني صلاحيات ونفوذا أكبر لقادة الانقلاب، في إطار شرعية مدنية، والذي يتوافق تماما مع مساعي العسكر، أي أن الأوضاع تمضي تماما في الاتجاه الذي يريده البرهان، مشيرا إلى أن «تكوين حكومة وفق ذلك التصور، لن يقود إلى استقرار البلاد، وإنما سيفاقم الأوضاع».
ورأى أن «الآلية الثلاثية التي تؤكد الترويكا والاتحاد الأوروبي دعم العملية السياسية التي تيسرها، لن تستطيع بوضعها الحالي، قيادة المحادثات، لجهة مواقف الاتحاد الأفريقي غير الواضحة، ورئاسة البرهان للإيغاد، والذي يعني بالضرورة أنه يسيطر على القرارات والمواقف التي تصدر عنه».
ولفت إلى أن «الموقف الوحيد الذي يبدو أنه يقف على رؤية واضحة للأزمة الراهنة في البلاد، عقب انقلاب الجيش على الحكومة الانتقالية، هو موقف بعثة يونيتامس التي أكدت أن المحادثات المباشرة بعد خروج المجلس العسكري لا جدوى منها».
وشدد على «ضرورة تبني المجتمع الدولي موقفا أكثر وضوحا من الأزمة الراهنة في البلاد» مؤكدا أن أي «موقف يعتبر قرارات البرهان الأخيرة خروجا من السياسة، هو مجاف للواقع».
وأشار إلى إبعاد البرهان المدنيين من المجلس السيادي وتعيينه عددا من العسكريين كسفراء في وزارة الخارجية السودانية وتحركاته الأفريقية الأخيرة، التي تؤكد أنه «يسعى لنفوذ وسلطة أكبر للعسكر ضمن إطار مدني» مؤكدا أن «ذلك لن يفضي إلى أي انتقال ديمقراطي في البلاد».
قرارات البرهان
يشار إلى أن البرهان أعلن الإثنين قبل الماضي، خروج العسكر من المحادثات المباشرة التي تيسرها الآلية الثلاثية، مطالبا المدنيين بالحوار والتوافق على حكومة مدنية.
كما قرر حل المجلس السيادي، بعد تكوين الحكومة المدنية، على أن يتشكل مجلس للأمن والدفاع من القوات المسلحة والدعم السريع، يعنى بمهام الأمن والدفاع ومهام أخرى يناقشها مع الحكومة التنفيذية.
وبعدها بساعات، أعفى البرهان المدنيين في المجلس السيادي، ولاحقا قام بتعيين خمسة من العسكريين كسفراء في وزارة الخارجية.
ووفقا لقرارات البرهان، أعلنت «يونيتامس» إلغاء المحادثات لجهة انسحاب الجيش، بينما تحفظ الاتحاد الأفريقي والإيغاد عن إبداء أي موقف.
واعتبرت «الحرية والتغيير» قرارات البرهان محاولة للالتفاف من قبل الجيش، وتمسكت لجان المقاومة وتجمع المهنيين السودانيين برفض الحوار والتفاوض مع قادة الانقلاب ومنحهم أي شكل من أشكال الشرعية.
وفي خضم ذلك، يتواصل الحراك الشعبي الرافض للانقلاب في مدن السودان المختلفة، والذي راح ضحيته منذ الانقلاب نحو 113 قتيلا، معظمهم بالرصاص، خلال قمع الأجهزة الأمنية للتظاهرات، فضلا عن إصابة ما يزيد عن 6000 آخرين، وفق إحصاءات لجنة الأطباء السودانيين المركزية ومنظمة «حاضرين» الناشطة في علاج مصابي الثورة السودانية. وينتظر أن يشارك الآلاف من السودانيين في تظاهرات دعت لها لجان المقاومة للمطالبة بإسقاط الانقلاب وتسليم السلطة للمدنيين، الأحد المقبل.