لندن ـ «القدس العربي»: وصل الرئيس الأمريكي جو بايدن في زيارة هامة إلى منطقة الشرق الأوسط وهو يرفع شعار توفير الأمن للدول الصديقة والحليفة وعلى رأسها إسرائيل والتهديد بمنع إيران من الحصول على السلاح النووي وإن اقتضى الحال بالقوة. غير أن هذه التصريحات تبقى مجرد كلمات بدون مضمون فعلي على ضوء التطورات العسكرية أساسا التي تشهدها المنطقة وعلى ضوء مستقبل مصالح واشنطن العالمية.
وتعهد الرئيس بايدن من القدس الأربعاء من الأسبوع الجاري بأمن إسرائيل، وهو ليس بالمعطى الجديد بل مجرد تجديد لتعهد يكرره كل رئيس يصل إلى البيت الأبيض. في الوقت ذاته، يبقى القول بمنع إيران من القنبلة النووية وإن اقتضى الأمر بالقوة مجرد تكرار لمواقف أعلنها رؤساء أمريكيون سابقون ولم يقدموا على إجراءات عسكرية في ظل تقدم المشروع النووي الإيراني واكتفوا بعقوبات اقتصادية وسياسية.
غير أن هذه الزيارة تدفع إلى التساؤل: هل تستطيع الولايات المتحدة منع إيران من السلاح النووي؟ ثم، ماذا ستقدم للأنظمة العربية الموالية كاستراتيجية لتأمين أمنها أمام تنامي القوة الإيرانية؟ ويردد عدد من رؤساء الولايات المتحدة شن حرب على إيران بسبب القنبلة النووية، ويبررون ذلك بحماية إسرائيل، غير أن هذا التهديد يعكس في العمق حماية الولايات المتحدة لأمنها القومي نظرا لمركزية الشرق الأوسط في سياسة واشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. ولم يعد هاجس واشنطن بأمن الشرق الأوسط كبيرا كما كان في الماضي، وذلك لثلاثة أسباب، تغيير في الأجندة الجيوسياسية بانتقال مركز العالم خلال القرن الواحد والعشرين إلى المحيط الهادي وجزء من الهندي، ثم صعوبة التحكم في قواعد اللعبة بسبب وجود منافسين جدد، وأخيرا، قدرة حليفتها إسرائيل على رد أي هجوم تتعرض له.
ومنذ قرابة عقدين من الزمن، يجري الحديث عن حرب أمريكية أو غربية ضد إيران بسبب برنامجها النووي، ومرت كل هذه السنوات بدون حدوث الحرب، وتحولت إلى ما يشبه فرضية الحرب التي لم تقع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي إبان الحرب الباردة، وتفكك الاتحاد السوفييتي ولم تحدث تلك الحرب. والواقع أن هذه الحرب ليست ضمن أولويات الأجندة العسكرية للبنتاغون إلا في حالة الاستثناء القصوى جدا. إذ قررت هذه المؤسسة العسكرية تفادي الحرب ضد إيران سنة 2006. وجاء القرار بعد دراسات كثيرة تبرز استحالة القضاء على البرنامج النووي الإيراني، ثم صعوبة تحقيق فوز عسكري كاسح ضد إيران إلا بمشاركة عدد من الدول وقد تمتد الحرب سنوات على شاكلة الحرب العالمية الثانية.
وكانت إدارة جورج بوش الإبن عازمة على شن الحرب ما بين سنتي 2004-2006 غير أن ما يفوق عشرة أجهزة استخباراتية أعلنت وقتها أن إيران لا تطور القنبلة النووية. وكان الهدف هو تجنب الحرب لانعكاساتها الخطيرة على مستقبل الولايات المتحدة. ووصف جون بولتون في كتابه «الاستسلام ليس حلا»: وكانت سنة 2006 أن تقارير الهيئات الاستخباراتية التي أجمعت على نتيجة واحدة بمثابة انقلاب ضد الرئيس بوش الإبن. لماذا الحرب ضد إيران صعبة بل ومستحيلة من الناحية العسكرية؟
في المقام الأول، لا يمكن للولايات المتحدة استعمال السلاح النووي ضد إيران لأنه سيكون وبالا على مجموع الشرق الأوسط وسيمتد تأثيره إلى مناطق أخرى، واستعمال السلاح النووي التكتيكي ضد المنشآت النووية الإيرانية لن ينهي البرنامج النووي الإيراني.
في المقام الثاني، استعمال السلاح النووي يعني ردا إيرانيا قاسيا ضد إسرائيل بما يهدد بقاءها ككيان في المنطقة وستنتقم طهران من الدول المجاورة.
في المقام الثالث، لن تحقق الولايات المتحدة نصرا في حرب كلاسيكية بسبب افتقارها لأسلحة متطورة لشن حرب عن بعد جدا مثل الصواريخ فرط صوتية ولا يمكنها تنفيذ عملية إنزال وتقدم في الأراضي الإيرانية على شاكلة ما فعلت مع العراق سنة 2003 بسبب قوة الجيش الإيراني وتوفره على أسلحة مواجهة قادرة على الصمود وإلحاق هزائم بالطرف الآخر، ثم صعوبة اللوجستيك عكس الحرب الروسية الحالية ضد أوكرانيا لجوار البلدين. في الوقت ذاته، القوة الصاروخية الإيرانية ستجعل اقتراب حاملات الطائرات من الخليج العربي مغامرة. وخلال التوتر الذي ساد في تشرين الثاني/نوفمبر 2019 عندما أسقطت إيران طائرة استطلاع أمريكية، عمل البنتاغون على إبعاد حاملة الطائرات ابراهام لنكولن من مياه الخليج تجنبا للصواريخ الإيرانية في حالة اندلاع الحرب.
في المقام الرابع، لن تغامر الولايات المتحدة بحرب مكلفة جدا في منطقة لم تعد استراتيجيا لأمنها ومصالحها القومية بعدما انتقل ثقل العالم إلى المحيط الهادي، ذلك أن الحرب ضد إيران ستعني مباشرة تسريع وتيرة ريادة الصين للعالم.
ومن ضمن الملاحظات الرئيسية أن الحديث عن حرب ضد إيران منذ 2008 هو حديث السياسيين وليس العسكريين الأمريكيين الذين لا يخوضون هذا النقاش، إدراكا منهم باستحالة وقوعها إلا في حالة الاستثناء القصوى.
وفي ظل استحالة الحرب، وبعدما بدأت دول الخليج ترى في إيران الخطر بدل إسرائيل، ماذا يمكن لواشنطن تقديمه لضمان الأمن القومي لهذه الدول وعلى رأسها العربية السعودية؟
الدول الخليجية تعتبر إيران الخطر الأكبر، غير أن شريكها الأمني الرئيسي وهو الولايات المتحدة يمتنع حتى الآن عن المصادقة على صفقات عسكرية تعزز بها قوة الردع. فقد امتنعت عن بيع السعودية نظام ثاد المضاد للصواريخ، ورفضت تزويدها بطائرات مسيرة متطورة، وامتنعت عن بيع الإمارات طائرات ف 35 واضطرت الأخيرة إلى عقد صفقة ضخمة مع فرنسا لشراء الرافال. في الوقت ذاته، سحبت الولايات المتحدة الكثير من قواتها من الخليج العربي وسحبت أنظمة الدفاع الجوي باتريوت من العربية السعودية.
وعليه، تبقى المفارقة الكبرى، كيف ستساهم الولايات المتحدة في تأمين الأمن القومي لدول الخليج في وقت تمتنع فيه عن إتمام صفقات أسلحة، وفي وقت ترى في الحرب ضد إيران غير مجدية؟
في غضون ذلك، يبقى الرأي السائد وسط خبراء الجيش الأمريكي وجزء من الدولة العميقة، كما حصلت باكستان على السلاح النووي ولم يتغير أي شيء، إيران نووية لم تغير الشرق الأوسط بالسلاح النووي بل بالأسلحة الكلاسيكية الحديثة مثل الصواريخ والطائرات المسيرة، وهو ما يقلق البنتاغون وإسرائيل.