زيارة بايدن: السعودية هي الهدف الحقيقي وإسرائيل إحدى الطرق إليها وفلسطين عليها الانتظار إلى ما شاء الله

وديع عواودة
حجم الخط
1

الناصرة ـ «القدس العربي»: تنتهي اليوم الأحد زيارة بايدن العاشرة للمنطقة، الأولى كرئيس للولايات الكتحدة ويبدو أنها الأخيرة وسط تساؤلات عن نتائجها في أبعادها ومراميهما المختلفة. تشمل هذه التساؤلات البعد المتعلق بإسرائيل أيضا فرغم إغداقه المديح العالي عليها وتأكيده تعهد بلاده لأمنها ومستقبلها فإنه رفض الخيار العسكري ضد إيران الذي يشتهيه الإسرائيليون. وهكذا بقي الجانبان الإسرائيلي والأمريكي منقسمين حيال إيران ومشروعها النووي والعودة المحتملة للاتفاق معها حوله تماما كما كان في فترة بنيامين نتنياهو ما دفع رئيس حكومة الاحتلال ياسر لبيد للقول مخاطبا بايدن إن الدبلوماسية لن توقف الإيرانيين وإن الحل الوحيد هو طرح خيار عسكري حقيقي على الطاولة. رغم الاختلاف في الموقف هنا وافق الجانب الأمريكي مع إسرائيل في «بيان القدس» على الحاجة لتعزيز قوة ردعها وزيادة قدراتها للدفاع عن نفسها بنفسها مقابل إيران وبالتعاون مع دول المنطقة. الحكومة والمعارضة في إسرائيل متفقتان حول رؤية التهديد الإيراني لكنهما يختلفان في طريقة التعامل مع الإدارة الأمريكية بهذا الخصوص. نتنياهو ولبيد يشددان على الخطر الإيراني ويعتبرانه الأكثر تهديدا لإسرائيل رغم أن بعض المراقبين المحليين يرون أن الاحتلال يفرط في تصوير التهديد الوجودي الإيراني لغايات متنوعة منها صرف النظر عن القضية الفلسطينية. وفي الشأن الفلسطيني وجدت إسرائيل نفسها رابحة من هذه الزيارة بعدما أكد عمليا انحيازه الكامل للاحتلال وتنكر بايدن لكل وعوده والتزاماته حيال الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وتسويته وحقوق الشعب الفلسطيني التي وعد بالانتصار لها خاصة قبيل انتخابه رئيسا قبل نحو العام ونصف العام. أغلبية إسرائيلية واسعة عبرت بطريقة أو أخرى بالحديث وبالصمت عن رضاها من تجاهل الولايات المتحدة ورئيسها خلال زيارته للقضية الفلسطينية وتحويلها لمسألة إنسانية ومساعدات لمستشفيات ومؤسسات إغاثة مما دفع ممرضة فلسطينية-أمريكية لمقاطعته خلال زيارته مستشفى أوغستا فكتوريا في الشطر الشرقي من القدس وتقول إن الفلسطينيين يريدون حرية وكرامة لا مساعدات مالية. هنا أيضا كما في الشأن الإيراني هناك شكوك إسرائيلية حول «أمر مبكياتك وأمر مضحكاتك» لكنها محصورة لدى قلة قليلة من الإسرائيليين تتنبه إلى أن تغييب القضية الفلسطينية لصالح الانشغال بإيران وبالتطبيع مع دول عربية خاصة السعودية لا يخدم إسرائيل أيضا على المدى البعيد لأنه يورطها في دولة ثنائية القومية نتيجة الضم وتكريس الاحتلال وبالتالي القضاء على المشروع الصهيوني كما قال رئيس المخابرات العامة «الشاباك» الأسبق داني ياتوم في مقال مشترك مع آخرين من قادة أمنيين إسرائيليين سابقين.

الفلسطينيون دائماً في آخر الصف

كما عبرّت صحيفة «هآرتس» في افتتاحيتها صباح الجمعة عن خطورة هذا التغييب وعن اختلال الميزان بين أقوال وأفعال بايدن في أكثر من واحد من محاور هذه الزيارة وأهدافها بالقول إن الفلسطينيين، مثلهم مثل الإسرائيليين، لا يتوقعون سماع رؤيا سياسية لها علاقة، ولو بصورة غير مباشرة، بالنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، الذي يسمى في الأعوام الأخيرة «القضية الفلسطينية» كأنه لا يوجد هنا نزاع بين طرفين، بل هي مشكلة طرف واحد فقط. وتقول إنه هذه المرة مجدداً سيتعين على الفلسطينيين وضع أحلامهم بالدولة المستقلة وأملهم الضعيف باستئناف المفاوضات الدبلوماسية على الرف، والاكتفاء ببضع بادرات حسن نية، أغلبيتها اقتصادية. وتابعت «صحيح أن بايدن أعرب، ظاهرياً، عن التزامه العميق بحل الدولتين، وادّعى أن حل الدولتين لا يزال هو السبيل الأفضل لضمان الحرية والازدهار والديمقراطية للإسرائيليين والفلسطينيين. لكن في رام الله وفي إسرائيل سمعوا جيداً التحفظات التي تلت ذلك عندما أضاف الرئيس الأمريكي أنه لا يرى حلاً في المدى القريب بكلمات أُخرى، نعم لحل الدولتين، لكن فقط في المستقبل. السلام، لكن ليس الآن».
وتؤكد «هآرتس» في نقدها المستبطن والظاهر لتغييب الموضوع الفلسطيني أن الذرائع كثيرة، مثل الجمود في الوضع السياسي في إسرائيل، معسكر السلام الضعيف ويائير لبيد مجرد رئيس حكومة تصريف أعمال في ائتلاف تغييري ملتزم المحافظة على الوضع القائم. وتقول إنه لا يقتصر الأمر على ذلك، إذ تدور الآن حرب في أوروبا، والعالم لم يتعافَ بعد من كورونا، وترامب لا يزال وراء بايدن الذي وضعه الداخلي ليس بسيطاً. وتخلص للقول «لكن رغم ذلك، فإن الظروف الاستثنائية تخلق تحالفات جديدة في العالم العربي لكن الفلسطينيين دائماً يُدفعون إلى آخر الصف. وثمن هذه الأخطاء المؤسفة سيدفعها الفلسطينيون والإسرائيليون أيضاً».
«طالما أن الولايات المتحدة موجودة فإن إسرائيل لن تكون لوحدها» هكذا قال بايدن معبرا عن العلاقات «غير القابلة للانكسار» بين بلاده وإسرائيل التي منحته أعلى وسام من قبل رئيسها يتسحاق هرتسوغ في واحدة من الاحتفاليات «المطنطنة» التي أقيمت على شرفه. لكن القلة الإسرائيلية المذكورة تعرب عن ريبتها إزاء الغزل المفرط بإسرائيل على لسان بايدن.

بايدن يريد نفطاً أرخص

البروفيسور إيلي بوديه، أكاديمي وباحث في الجامعة العبرية والبروفيسور أون فينكلر، أكاديمي وباحث في جامعة حيفا أكدا في مقال مشترك في هذا المضمار نشره موقع القناة العبرية 12 أن بايدن يريد نفطاً أرخص وأن إسرائيل جزء من خطته للخروج من الأزمة المتفاقمة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا. ويقولان إن زيارة بايدن إلى إسرائيل والسعودية لفتت نظر وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى التقارب المتوقع بين الدولتين ولكن هذه النظرة، همّشت السبب الأساسي الكامن وراء زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى الدولتين. ويؤكدان أنه بالأساس، الهدف الأساسي من الزيارة هو أسعار النفط، والوضع الاقتصادي العالمي.
ويتابعان «يعلم الكثيرون اليوم بأن الاستمرار في حرق الوقود الأحفوري (نفط وغاز وفحم) بالوتيرة الحالية، سيؤدي إلى فوضى مناخية؛ وقبل وقت ليس ببعيد، في نهاية تشرين الأول/أكتوبر 2021، خلال قمة المناخ في غلاسكو، صرّح رئيس الولايات المتحدة بأن: أزمة المناخ تهدم حياة الناس يومياً، وتكلّف مليارات الدولارات. ولذلك، صرّح بأنه يجب تقليص انبعاث الكربون الناتج من حرق الوقود الأحفوري فوراً.
بعد ذلك، جاء الاجتياح الروسي لأوكرانيا نهاية شباط/فبراير 2022 ووضع الغرب، وتحديداً الولايات المتحدة وحلفاءها في الناتو، أمام خيارين كلاهما سيئ: تدخُّل فعلي في الأزمة، وهو ما سيؤدي إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين الناتو وروسيا؛ والثاني – فرض عقوبات على روسيا بهدف إلحاق الضرر بها اقتصادياً بصورة كبيرة تدفعها إلى الانسحاب من أوكرانيا».
ويوضحان أن العقوبات المفروضة على روسيا أدت إلى ارتفاع أسعار البضائع بصورة طبيعية، لكن بصورة خاصة ارتفعت أسعار الطاقة والحبوب. ومرة أخرى تبين أن توقعات الجهات الدولية الكبيرة بشأن انهيار الاقتصاد الروسي بسبب الأزمة غير واقعية: كل ما حدث هو أن دول الاتحاد الأوروبي تدفع اليوم لروسيا سعراً أعلى للبضاعة ذاتها. سعر الروبل مقابل الدولار اليوم هو 65 روبلاً للدولار، مقارنة بـ108 روبلات للدولار في بداية آذار/مارس، مباشرة بعد الاجتياح. ويضيفان «العقوبات على روسيا أثمرت، لكن الثمار سقطت في الجيب الخطأ، الجيب الروسي. الجواب الوحيد عن هذه المفارقة الغريبة – التي تقول إنه كلما طالت الحرب في أوكرانيا، كلما نما الاقتصاد الروسي، في ظل تضخّم مالي يزداد في العالم، لم نشهد له مثيلا منذ السبعينيات – موجود في منطقة الشرق الأوسط، وقبل كل شيء في السعودية والإمارات». من هنا يرى بوديه وفينكلر أن بايدن يطمح في هذه الزيارة إلى «كسر» تفاهمات «أوبك+» فتقوم السعودية والإمارات بزيادة إنتاج النفط بأكبر قدر ممكن. الحديث هنا يدور عن الدولتين الوحيدتين في «أوبك» اللتين تملكان احتياط إنتاج كبيراً جداً: تستطيع السعودية زيادة الإنتاج من 10.45مليون برميل في اليوم، إلى حد أقصى هو 12 مليون برميل في اليوم؛ أما الإمارات فتستطيع زيادة إنتاجها من 3 ملايين برميل في اليوم إلى 3.5 مليون برميل، وهناك مَن يدّعي أن لديها القدرة على إنتاج 4 ملايين. وبرأيهما عملياً، مفتاح تخفيض أسعار النفط في العالم موجود لدى محمد بن سلمان ومحمد بن زايد بينما لا مصلحة لدى السعوديين والإماراتيين في القيام بذلك. ويتساءلان:
«لماذا عليهم المخاطرة بمواجهة مع روسيا في وقت ينمو اقتصادهم ويتقاضون أسعار نفط عالية؟ إذا استمرت الحرب في أوكرانيا طويلاً فإن الناتج القومي السعودي في سنة 2022 سيتجاوز سقف التريليون دولار. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الاقتصاد الإماراتي الذي ينمو بسرعة كبيرة جداً خلال النصف الأخير من العام، في أعقاب الدخل الكبير الناتج من تصدير النفط، إلى جانب الخروج من أزمة وباء كورونا وعودة قطاع السياحة».

ترميم العلاقات مع السعودية

ويتقف الباحثان مع باحثين إسرائيليين آخرين بالتأكيد على أن السعودية هي مركز زيارة بايدن هذه وأنها تهدف إذاً إلى ترميم العلاقات مع الرياض، ومع محمد بن سلمان تحديداً، بعد الضرر الذي لحق بالعلاقات في أعقاب اغتيال الصحافي جمال خاشقجي، والذي يُنسب إلى ولي العهد السعودي. وعملياً، الزيارة تهدف إلى إقناع السعوديين بالعودة إلى لعب دور «الكبير الناضج» في سوق النفط، حتى ولو جاء هذا على حساب تقليل دخل السعودية، من أجل تحقيق مصالح الغرب، وخصوصاً الولايات المتحدة.
ويضيفان: «إذاً، ماذا يملك بايدن لتقديمه إلى السعودية والإمارات؟ فالولايات المتحدة توقفت منذ زمن عن الدفاع بذاتها عن حلفائها. ولا يتوقع أحد أن تتدخل الولايات المتحدة عسكرياً في الموضوع الإيراني، وبصورة خاصة بعد ردها الضعيف على اجتياح أوكرانيا. ورغم ذلك، فإن الولايات المتحدة تستطيع اقتراح تحالُف دفاعي إقليمي ضد إيران وأذرعها فهي ستزود بالسلاح، وإسرائيل – صاحبة الجيش الأقوى والأكثر خبرة في المنطقة – تدرّب وترّسخ التحالف فعلياً. وفي الواقع قام ترامب بنقل إسرائيل في سنة 2020 من القيادة الأمريكية في أوروبا إلى القيادة المركزية. وفي هذا الوضع، ستحصل دول الخليج على دفاع فعال في المواجهة مع إيران وملحقاتها، وبصورة خاصة إزاء الحوثيين في اليمن». وحول الربح الإسرائيلي من الزيارة فيقولان إنها لن تتحول فقط إلى دولة شرعية ومعترف بها في المنطقة، بل إلى دولة مركزية وضرورية لصمود الأنظمة الخليجية في مواجهة التهديد الإيراني. التغيير المناخي، حالياً، يستطيع الانتظار».

التطبيع المنتظر

غير أن السعودية التي ستبدو بصورة المنتصرة من هذه الزيارة ليست مجبرة على تطبيع معلن كبير مع الاحتلال في هذه المرحلة بسبب الحاجة الأمريكية الأكبر بالتودد لها وبسبب كونها صاحبة فكرة المبادرة العربية للسلام وترى نفسها دولة عربية إسلامية محورية. السعودية ستبدو بهذه الصورة خاصة وأن بايدين يضطر لزيارتها وغض النظر عن كل ما تحدث حوله من انتهاكات حقوق الإنسان فيها بعكس وعوده وحزبه الديمقراطي. لذا فهي بحثت عن حلول وسطية منها فتح مجالها الجوي لكل الطائرات بما فيها الإسرائيلية تحت غطاء اتفاق شيكاغو للطيران ولاحقا ستفتح الباب أمام رحلات جوية مباشرة بين تل أبيب وجدة بهدف نقل حجاج ومعتمرين من فلسطينيي الداخل ممن يحملون جوازات إسرائيلية وبطبيعة الحال لا يملكون غيرها وهذا ما يعتبره مراقبون تطبيعا من النلافذة بدلا من الباب الرئيسي.
وكما كان متوقعا وكما نشرت «القدس العربي» في 16 حزيران/يونيو الماضي فقد أعلن بيان صادر عن سلطة الطيران المدني في المملكة السعودية أن المملكة قررت فتح مجالها الجوي أمام طائرات جميع الشركات، بما في ذلك الشركات الإسرائيلية. ولم يُشر البيان، الذي صدر باللغتين العربية والإنكليزية، إلى اسم إسرائيل، ولكن مجرد أن ورد فيه أن كل شركة تستوفي الشروط يمكنها التحليق فوق السعودية يعني أنه يشمل الشركات الإسرائيلية أيضاً. ويعني القرار، الذي نُشر عشية زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى الرياض، تقصير مدة الرحلات بين إسرائيل والشرق الأقصى وتخفيض تكلفتها. وأشاد مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان بهذه الخطوة السعودية، وقال إنها تمهد الطريق إلى شرق أوسط أكثر استقراراً وأمناً، وأكد أن هذا مهم للغاية لأمن الولايات المتحدة وإسرائيل وازدهارهما.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية