واشنطن ـ «القدس العربي»: الزيارة القصيرة للرئيس الأمريكي جو بايدن للشرق الأوسط كانت تهدف ظاهرياً إلى طمأنة الحكومات الإقليمية إلى أن الإدارة المنغمسة في معالجة القضايا الداخلية وتحديات السياسة الخارجية التي تفرضها الصين وروسيا، لا تزال قلقة بشأن المنطقة، وفقاً للعديد من المحللين الأمريكيين، الذين أشاروا إلى أن السعودية تريد ضمانات أمنية محددة في حين تريد القيادة الفلسطينية القليل من الاهتمام، ولكن بايدن كان تركيزه بالدرجة الأولى على دمج كيان الاحتلال الإسرائيلي بشكل أعمق في المنطقة بطرق ووسائل تكاد تصل إلى مرحلة الضغوط.
وبالنسبة للعديد من المحللين الأمريكيين، فإن بايدن لا يريد فقط من العرب تقديم المزيد من التنازلات إلى إسرائيل، بل يريد أيضاً، حث دول الخليج على زيادة إنتاج النفط للتخفيف من أزمة الطاقة العالمية وتخفيض أسعار البنزين للمستهلك الأمريكي قبل فترة انتخابات التجديد النصفي.
واستنتج محللون أن زيارة بايدن هي محاولة قصيرة الأمد لإدارة الأزمات وليست تحولاً أوسع في تفكير الإدارة حول منطقة مضطربة، وقالوا إنه ليس من الواضح ما الذي يأمله بايدن من الزيارة المثيرة للجدل، ولكنها بالتأكيد كانت من المؤشرات القوية على استمرار الإدارات الأمريكية المتعاقبة في الدفاع عن مصالح إسرائيل والتسليم بقاعدة أن «الواقع الجيوسياسي والاقتصادي» يتغلب على خطوات تعزيز حقوق الإنسان.
وقد ساعدت رحلة بايدن إسرائيل بطرق مختلفة، ولم يكن هذا الهدف مخفياً عن أحد، إذ صرح المتحدث باسم البيت الأبيض بشكل لا لبس فيه بأن «الرئيس سيعزز التزام الولايات المتحدة الصارم بأمن إسرائيل وازدهارها» كما صرح وزير الخارجية الإسرائيلي، يائير لابيد، بأن حقيقة أن الرئيس الأمريكي سوف يطير مباشرة من هنا إلى السعودية يدل على الأرجح على وجود صلة نادرة بين الزيارة والقدرة على تحسين العلاقات.
رحلة بايدن والخسائر الفلسطينية
ولم تكن القيادة الفلسطينية مفرطة في التفاؤل بشأن رحلة بايدن، فهي تعرف جيداً أن اجتماع الرئيس الأمريكي مع الرئيس عباس لـ 45 دقيقة هو عرض جانبي للجولة الرئيسية، وهي تعرف، أيضاً، أن بايدن لن يقدم حلاً ملموساً للتخفيف من سوء معاملة الفلسطينيين، وهو استنتاج أشار إليه العديد من المحللين الأمريكيين، الذين أكدوا أن الجميع يعلم تماماً بأن الهدف من زيارة بايدن هو تعزيز أمن إسرائيل وتقوية نفوذها الإقليمي إضافة إلى عزل الفلسطينيين وأنه يتعامل مع بيت لحم وكأنه يزور «محطة سياحية».
وعملياً، لم يتم فتح القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية، ولم يتم فتح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، ولا تزال الولايات المتحدة تصنف منظمة التحرير على أنها إرهابية، ولا تزال إدارة بايدن ترفض تقديم الدعم المالي المباشر للسلطة الفلسطينية، وقال بايدن مراراً إنه صهيوني ويدعم إسرائيل كدولة يهودية والقدس عاصمة لكيان الاحتلال، وليس هناك أي تحرك أمريكي لدفع عملية السلام، لذلك من العبث القول إن هناك أي مكسب فلسطيني من زيارة بايدن.
وفي الواقع، لم يكن هناك أي تحرك مهم ملموس خلال رئاسة بايدن بشأن حقوق الفلسطينيين، ومن الواضح أن إدارته لا تعطي أي أولوية للفلسطينيين، وكانت الإجراءات المحدودة التي اتخذتها الولايات المتحدة حتى الآن موجهة في الغالب نحو إعادة العلاقات بين السلطة وواشنطن.
وعلى النقيض من ذلك، وقع بايدن ورئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لابيد إعلاناً مشتركاً يستهدف حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات. وأكد بايدن في البيان على أن الولايات المتحدة وإسرائيل تواصلان العمل معاً لمحاربة ما وصفه بجميع «الجهود الرامية إلى مقاطعة إسرائيل أو نزع الشرعية منها أو إنكار حقها في الدفاع عن النفس أو استبعادها بشكل غير عادل من أي منتدى، بما في ذلك الأمم المتحدة أو المحكمة الجنائية الدولية». وعلى الفور، أصدرت اللجنة الوطنية الفلسطينية للمقاطعة بياناً يدين الإعلان الأمريكي- الإسرائيلي، ووصفته بأنه مشبع بالكراهية.
وقالت اللجنة إن الهجوم الدعائي الذي شنته حكومات الولايات المتحدة وإسرائيل على حركة المقاطعة ليس سوى محاولة يائسة أخيرة لحماية نظام الفصل العنصري الإسرائيلي من الدعوات المتزايدة للمساءلة الجادة وفقاً للقانون الدولي.
واستغلت إسرائيل بدورها مسرحية الانتخابات والصراعات السياسية الزائفة منذ عقود لتقييد خيارات بايدن، إذ مارست إسرائيل مرة أخرى نفس اللعبة المتمثلة بتعطيل الإدارات الأمريكية عن اتخاذ أي خطوة لصالح الفلسطينيين بحجة «المسار السياسي غير الواضح» في إسرائيل. ومن الواضح أن إسرائيل هي التي ستضغط على بايدن لتقديم المزيد من التنازلات، وسيتخلى الجميع عن الفلسطينيين مرة أخرى.
التقدميون ورحلة بايدن
وتجاهل الرئيس الأمريكي جو بايدن انتقادات التيار التقدمي في الحزب الديمقراطي تجاه إسرائيل، وقال إنهم على خطاً، وذلك رداً على سؤال بشأن أعضاء الحزب الذين وصفوا إسرائيل بأنها دولة فصل عنصري ودعوا إلى إنهاء المساعدة غير المشروطة لها. وقال بايدن خلال زيارته لإسرائيل: «هناك القليل منهم، أعتقد أنهم مخطئون، إسرائيل دولة ديمقراطية، إسرائيل حليفنا، إسرائيل صديقة، وأعتقد أنني لا أقدم أي اعتذار».
وأكد بايدن بأنه لا يرى أي احتمال لابتعاد الحزب الديمقراطي أو حتى جزء كبير من الحزب الجمهوري عن إسرائيل.
ووفقاً للعديد من المحللين الأمريكيين، فإن هذه التصريحات المنحازة ستعمل بالتأكيد على توسيع الفجوة بين بايدن والتيار التقدمي في الحزب الديمقراطي، إذ وبخ العديد من التقدميين السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل، وخاصة فيما يتعلق بمعاملة الفلسطينيين، ووصل الانتقاد ذروته خلال الهجوم العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة في العام الماضي، وقادت اوكاسيو كورتيز جهوداً لمنع بيع أسلحة بقيمة 735 مليون دولار إسرائيل.
أهداف بايدن
وحسب العديد من المسؤولين في البيت الأبيض، فقد استهدفت رحلة بايدن للشرق الأوسط ثلاثة أهداف متداخلة هي حث دول الخليج على زيادة إنتاج النفط للمساعدة في تحقيق بعض الأهداف، بما في ذلك منع روسيا من الاستفادة من صادرات النفط وتخفيض أسعار البنزين في السوق الأمريكية والعمل بشكل صريح على تشجيع التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل، وقد كان هناك تركيز خاص على اتخاذ خطوات مبدئية نحو تحسين العلاقات بين السعودية وإسرائيل وجعل التعاون الضمني المزعوم أكثر رسمية، كما حاول بايدن بوضوح في تهيئة المنطقة لواقع ما بعد اتفاق إيران.
حرية الصحافة
وأظهر بايدن خلال رحلته إلى الشرق الأوسط أنه لا يأبه بتشجيع الهجمات على حرية الصحافة والصحافيين، حيث تجاهل في زيارته لإسرائيل قضية اغتيال الصحافية شيرين أبو عاقلة على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وتوضح هذه الرحلة أنه في حين أن المسؤولين في إدارة بايدن غالباً ما يتشدقون بدعم حرية الصحافة، إلا أنهم يسمحون للحكومات بالتخلص من جرائم قتل الصحافيين البارزة إذا ساعدت هذه الحكومات الولايات المتحدة في الحفاظ على نفوذها الإقليمي.
التهديد الإيراني
وبالنسبة لموضوع التهديد الإيراني، قال محللون إن بعض الدول العربية تبدو أكثر خوفاً من أنشطة إيران في سوريا ولبنان واليمن من خوفها من امتلاك إيران أسلحة نووية، وأشاروا إلى أن العرب يريدون من الولايات المتحدة بأن لا تسمح بتوفير «وسادة اقتصادية» لطهران من خلال رفع العقوبات. وهذه التخوفات بالتحديد هي التي فتحت شهية إدارة بايدن للضغط على بعض الدول العربية للتعاون مع إسرائيل، كما تم استخدام هذه المخاوف كوسيلة ضغط لدفع الحكومات الإقليمية إلى التزام أمني للعمل بشكل مشترك.
وكرر بايدن أثناء الرحلة مطالبه بأن يشمل الإطار الأمني السعودية ودول الخليج وإسرائيل، بدعم من القوات العسكرية الأمريكية، ولا سيما الأسطول الخامس والقيادة المركزية الأمريكية في المنطقة.
الوجه الحقيقي لبايدن
على النقيض من الرحلات السابقة لرؤساء الولايات المتحدة، لم يتظاهر بايدن بأنه جاء للمنطقة بسبب هدف استراتيجي وأخلاقي كاذب مثل جورج دبليو بوش أو لإعادة «الثقة مع الملايين» مثل باراك أوباما أو لحشد المنطقة ضد الجماعات الدينية كما فعل ترامب، بل قال بكل صراحة إن طموحاته في الشرق الأوسط تتلخص في حماية إسرائيل وإمدادات الطاقة، وهذا يعني أن الولايات المتحدة لم تعد مستعدة حتى للتظاهر بأنها مهتمة بشكل جدي بتحقيق السلام الكبير في المنطقة.
وبحسب العديد من خبراء واشنطن، فإن رحلة بايدن تبدو وكأنها، محاولة للخروج من الشرق الأوسط، حيث تسعى واشنطن للتركيز على مواجهة روسيا والصين.
واتفق العديد من المحللين الأمريكيين على أن بايدن في زيارته للشرق الأوسط قد نكث بجميع وعوده قبل توليه المنصب وخاصة فيما يتعلق بإعادة الاتفاق النووي الإيراني وحقوق الإنسان وحرية الصحافة إضافة إلى تعهداته للفلسطينيين بفتح القنصلية في القدس الشرقية وإحراز تقدم في عملية السلام.