سلسلة الأزمات التي تتعرض لها النقابات المهنية الأردنية بدأت تدخل مؤخرا وحصريا بعد أزمتي نقابة المعلمين والمهندسين دائرة الاستعصاء لا بل المخاطر، لأن نقيب المهندسين الفاعل جدا في المشهد النقابي والوطني أحمد سمارة الزعبي على قناعة بأن الجميع يخسر إذا ما استمرت إهانة النقابات المهنية الأردنية والعمل النقابي.
لا يعفي الزعبي النقابيين أنفسهم من المسؤولية المباشرة عن حالة التشظي والإنفلات والإحتقان لا بل والصدام الأجنداتي السياسي أحيانا، مقترحا بان ذلك من الطبيعي ان ينتهي بعودة صيغة ملء الفراغ والتسلل حتى البيروقراطي والرسمي للتدخل في جسم كبير ووطني ينبغي ان لا تتدخل به السلطات وان كان التدخل يحصل طبعا أحيانا.
مؤخرا خاض النقيب الزعبي للمرة الثانية انتخابات النقابة الأم والأولى في البلاد وبدون «منافسة حقيقية» كما يقر بعد مقاطعة الإسلاميين للفعاليات الاقتراعية وعلى أساس ان ترك النقابة في مرحلة حرجة وهي تعاني مرحليا ليس خيارا إطلاقا لشريحة واسعة من المخلصين.
تشخيص واقع العمل النقابي
طوال الوقت يبدو النقيب الزعبي متوازنا ومتزنا وهو يحاول تشخيص الواقع أكثر فيما يتعلق بملف النقابات المهنية وردا على سؤال مباشر لـ«القدس العربي» يستعرض الخلفيات التاريخية ويوافق على الاستنتاج بان أزمة النقابات المهنية في الأردن مرحليا أبعد وأعمق من الأزمة التي توجد في عمقها الآن نقابة المهندسين، أو من التعاطي غير المنتج مع بقاء أزمة نقابة المعلمين.
لكن الأزمة التي تعيشها نقابة المهندسين الآن تبقى من العناصر الرئيسية في مشهد الاستعصاء النقابي الوطني العام.
○ نعود قليلا بمعيتكم للبحث أكثر في كيفية ولادة الأزمة والخلاف والتجاذب السياسي أصلا قبل عدة سنوات؟
•ليس سرا وسطنا نحن النقابيين ان بعض المشاهد في المستوى القومي والإقليمي أسست لفصام سياسي وأحيانا أيديولوجي لا يمكن إنكاره في معادلة العمل النقابي الأردني عموما، لان هذا العمل في الواقع إفراز لكل التجاذبات التي وجد الأردن عموما نفسه وسطها جراء أحداث لا علاقة للشعب الأردني ومؤسساته المدنية فيها. وبالتالي نعم تأثر الجسم النقابي بأزمات قومية وإقليمية عدة مرات.
ونعم انتقلت خلافات سياسية لا علاقة لنا بها إلى النقابات المهنية الأردنية.
ونعم حصلت تجاذبات أثرت على مسيرة العمل النقابي ليس على الصعيد السياسي فقط، ولكن على صعيد تنافسات الانتخابات والقوى وبروز رغبات في اختطاف ميكروفون النقابات هنا أو هناك بين الحين والآخر، وهي أمور يعرف الجميع بانها تضعف النقابات المهنية، وبصورة مرجحة تدفع الحكومات والسلطات لمحاولات التدخل وتحرف بوصلة النقابيين أحيانا لصالح الموقف السياسي وأحيانا على حساب الشأن المهني نفسه. وما يمكنني قوله هو ان الإنكار هنا غير مفيد فذلك حصل وهو يحصل بين الحين والآخر.
○هل نستذكر معا بعض المحطات التي يمكن القول إنها ساهمت بتأزيم أو تفخيخ الجسم النقابي؟
•قد لا نتحدث عن تفخيخ، لكن دعونا نتفق سياسيا على الأقل على ان بعض المشاهد تبقى عالقة في ذهن النقابي والشارع وتنتج عنها تساؤلات وأسئلة الإجابة عليها صعبة ومعقدة. فمثلا شاهد الجميع مجموعات تمثل الإسلام السياسي نجلها ونحترمها ونعمل معها أو ضدها في إطار التنافس الحر والشريف منذ عقود في عمق العمل النقابي، تجلس أحيانا في أزمة العراق مثلا إلى جانب الأمريكي بريمر.
مثل هذا المشهد في ملف مثل العراق صعب ومعقد وليس من السهل ان لا يؤسس لتجاذبات في عمق الرأي العام الأردني. فنحن نتحدث هنا عن العراق الكبير العظيم وعن المؤامرة التي استهدفته ومزقته خلافا لأننا نتحدث أيضا عن بلد مجاور يقيم في وجدان الأردنيين ولأسباب متعددة معروفة وعن جرح عميق بسبب النزيف العراقي أصيب به التيار القومي والعروبي. والذي يمثل البوصلة الشعبية الأردنية في الكثير من المساحات لا بل في قلب الوجدان الأردني وبالتأكيد هنا نتحدث عن تيار عروبي قومي كان رافعة كبيرة طوال عقود من روافع العمل النقابي الأردني.
المؤامرة التي «فصمتنا»
○يبدو لنا ان شيئا مماثلا حصل في سوريا مثلا؟
•لا خلاف بان الجسم النقابي الأردني ومنذ عام 2011 تقريبا واجه انفصاما عاموديا بسبب المسألة السورية، حيث تجاذبات ومواجهات سياسية وإعلامية أرهقت وأتعبت المؤسسة النقابية الأردنية لا بل نتجت عنها بالتوازي تجاذبات من كل الأصناف وتنافسات خارج البيت المهني وأحيانا الأجندة الوطنية.
نعم المشهد السوري الحق أذى كبيرا خلال السنوات العشر الماضية بالعمل النقابي الأردني وبجسم النقابات المهنية كبيوت خبرة وطنية لها موقف سياسي من كل قضايا الأمة بصرف النظر عن تلاوين التمثيل السياسي في النقابات، لكن لها بالمقابل طوال الوقت بصمة ودور في بناء المسيرة الأردنية والمهنية ونحن نتحدث هنا عن بيوت خبرة وطنية كانت رافدة للدولة والناس وهي جزء من منظومة الضمانات الاجتماعية بمعناها الاقتصادي والاجتماعي وصدارة لها علاقة في أصل وجوهر الشراكة في القطاعين العام والخاص.
طبعا وصراحة كل ذلك تأثر بالموقف السياسي والانفصال الذي وصل إلى حد الانفصام تجاه المسألة السورية. فالتيار العروبي القومي صدم بالمؤامرة ضد الشعب والدولة في سوريا.
والتيار الإسلامي في التفاصيل وللأسف تخلى آنذاك عن دوره كمحايد في العمق السوري الداخلي يمكن ان يصبح وسيطا لاحقا واشتبك بمواجهة كانت أولا دموية، وثانيا مؤذية جدا للأمة العربية وللقومية العربية. فنحن أولا عن آخر في الأردن والجسم النقابي فيه عروبيون وقوميون في المقام الأول.
كيف يتعايش الفرقاء؟
يتحدث سمارة الزعبي عن حالة تعايش وتنافس طوال عقود بين تيارين رئيسيين في العمل النقابي الأردني وبدون تفاصيل، الأول يمثل الخط القومي العروبي وبعض تنظيماته وتعبيراته الحزبية التي تتجاوز في تفكيرها الهويات الفرعية، والثاني الخط الإسلامي الذي بقي طوال الوقت عنصرا فاعلا في النسيج الاجتماعي والنقابي لا يمكن إنكاره وان كان منظما.
حركة فتح بتعبيرها النقابي في المجتمع الأردني بقيت موجودة، والأحزاب السياسية اليسارية والشيوعية في عمق المشهد النقابي بقيت متاحة، وجماعة الإخوان المسلمين طبعا موجودة، والتنافس الانتخابي آمن ومعتدل ومنصف ومنتج للمهنة ويستفيد منه الوطن، والاحتكام للصندوق يقين وقناعة وسلطة مجالس النقابات بلونين في السياق المشار إليه.
لكن الأمور هادئة والنقابات مؤسسات خبرة كبيرة طوال الوقت والجميع يحترم النتائج وثقافة الإقصاء والإستقواء غير موجودة وسلطة المجالس يتم تداولها والقوائم بلونيها الأبيض والأخضر تتنافس على هذه الأسس المهنية والوطنية، وهو تنافس يرى سمارة الزعبي انه لم يمنع يوما النقابات المهنية الأردنية من قول كلمتها والتمسك بمواقفها السياسية الصلبة تجاه الملفات والقضايا الأساسية وكانت المناخات تعايشية مع هذا الواقع، والاحترام متبادل وكبير ولا مكان للهويات الصغيرة الفرعية ولا حتى للهويات المباشرة للأحزاب والتيارات السياسية.
○هل استفاد الجميع من هذا الوضع؟
•نعم استفاد الوطن قبل ظهور أزمات الفصام التي تحدثنا عنها وقبل تغير بعض المعطيات وبروز بعض التشدد وبعض التعصب في التجاذب الأجنداتي ما جعل النقابات المهنة في مقدمة الأهداف المطلوبة أحيانا أما لقوى الواقع الاجتماعي الاقتصادي، أو حتى للأجنحة التي تؤمن باسم السلطة والحكومات بضرورة السيطرة على النقابات المهنية فقط دون حوارها والتفاعل معها وبالتالي استمر هذا النمط والمتغير السلبي حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من وضع مؤسف لكنه وباعتقادي الشخصي ليس بالضرورة وضع دائم، فعلى الجسم النقابي ان يعود للمربع الأصلي ويستعيد زمام المبادرة.
○هل أنت واثق بتوفير امكانية لاستعادة زمام المبادرة؟
•أعتقد من حيث الشكل والمضمون بان مقاربة أي إجابة على مثل هذا السؤال غير منصفة، لأننا في النقابات المهنية في الواقع لا نملك ترف طرح أسئلة من هذا النوع، فالمؤسسات النقابية بيوت خبرة وطنية وهي رديف للدولة وللمجتمع ولها دور وواجب أساسي في المسارات الوطنية. صحيح ان هذا الدور تراجع بحكم الكثير من الاعتبارات لكن الصحيح أيضا انه ينبغي ان يستمر.
وقد شرحنا بعض أسباب الاستعصاء في الإجابة على تساؤلاتكم السابقة، لكن الصحيح أيضا بان أبناء النقابات المهنية ليسوا ضعفاء وليسوا بصدد الاستسلام للوقائع الراهنة بالرغم من كثرة الطرق على مفاصل الاستهداف ومن الكثير من التفاصيل.
وببساطة شديدة نحن نأمل بان نتجاوز مثل هذه الأسئلة وإذا أردتم إجابة مباشرة وصريحة: نعم أقولها وبكل وضوح نحن قادرون على استعادة زمام المبادرة إذا ما حسنت النوايا. ونتحدث هنا عن نوايا الجميع سواء في السلطة ومراكز القرار والاتجاهات الرسمية العامة ونوايا أبناء النقابات المهنية الذين ينبغي عليهم العمل مطولا للحفاظ على تراثهم وتاريخهم ودور مؤسساتهم الطليعي في المجتمع.
وبصراحة أيضا نتحدث هنا عن خدمات مهنية ونقابية لمئات الآلاف من أبناء الهيئات العامة في مجمع النقابات المهنية والنقابات الأخرى ولا نتحدث فقط عن أدوار بالمعنى السياسي أو مواقف.
وبالتالي نعم نستطيع امتلاك زمام المبادرة والعودة إلى مربع الشراكة الإيجابية والاشتباك الإيجابي وإعادة ما فقدناه من هيبة المؤسسة النقابية بصرف النظر عن الأسباب وما كان يحصل في الماضي.
○ألا يمكن اعتبار مثل هذا الخطاب رومانسيا وشاعريا قليلا وأبعد عن الواقع؟
○يمكن اعتبار هذا الخطاب أو غيره ما قلتموه وما لم تقولونه، لكن الإجابة مجددا لا نملك ترف طرح أسئلة «عدمية».
نتحدث هنا عن تراث وعن عقود من العمل المتراكم وعن مؤسسات نقابية لديها جمهور وقواعد وتقوم بواجبات في المسار الوطني ووجودها ليس محلا للسؤال والاستفسار أصلا. وكذلك دورها ولا بد من استعادة دورها. وبالتالي ما نحاول فعله اليوم هو الانتقال من مستوى طرح الأسئلة والبقاء في منطقة الاسترسال بتساؤلات عدمية أحيانا أو تبدو كذلك، وبأسرع طريقة ممكنة إلى دائرة الفعل المنتج.
بمعنى تكريس الحوار مرة أخرى سواء بين أبناء النقابات المهنية أنفسهم وتياراتهم وتمثيلاتهم واتجاهاتهم والعودة إلى الرشد أيضا في الحوار مع الحكومة والسلطة ومناقشة كل القضايا مع الجميع على أساس حسن النوايا والتخلص من افرازات وترسبات التجاذبات والمصالح الانتخابية.
وذلك ما نحاول فعله في نقابة المهندسين اليوم وما نتحدث عنه مع زملائنا في بقية النقابات المهنية على أمل ليس فقط استعادة دور مفقود لكن المساهمة في الاشتباك الإيجابي أولا والأهم المساهمة في حوار وطني راشد عقلاني أفقي ومقاربة منتجة تلهم الجميع ببدء مناقشة المشكلات الحقيقية، والعودة للتحديات لأغراض معالجتها وليس لأغراض تشخيصها والتحدث عنها فقط، وهذا ما نحاول فعله اليوم وهو بالتأكيد ما ينبغي فعله بكل الأحوال لأننا نتحدث عن جسم نقابي بتراث وتاريخ كان دوما بمستوى التأثير.
ولأننا أيضا نتحدث وبصراحة عن ضرورة انتهاء مرحلة التجاذب والخلاف والتناقض والإزدواجية وأيضا عن ضرورة انتهاء كل عمليات تجويف الوعي أو تجريف المؤسسات النقابية وعملها من حيث واجباتها ودورها لأن ذلك أقرب إلى العدمية والعبث وغير منتج ولا يفيد أحدا إطلاقا.
وفي الختام يقترح سمارة الزعبي بان العمل على المستوى الوطني سياسيا ودبلوماسيا ومهنيا ونقابيا بين كل المؤسسات مفيد لجميع الأطراف. وبالتالي في مسألة الإقليم يرى عموما في تلميحاته بان لقطاعات الإنشاءات والمقاولات والقطاعات الهندسية الأردنية مصالح حيوية جدا في معادلتي الاقتصاد في كل من العراق وسوريا.
وبالتالي عودة الأردن لعلاقات دافئة بمحيطه العربي مفيد بالمستوى الاستثماري والمستوى العقاري والمستوى الهندسي، ومن هنا لا بد من التكامل في الخطوات واتخاذ تدابير وترتيبات بين جميع الأطراف.