الجزائر ـ «القدس العربي»: خلال يومي 13 و14 تموز/يوليو الجاري، غابت جريدة «الوطن» الفرنكوفونية العريقة في الجزائر عن مكانها في رفوف الأكشاك التي اعتادت تصدرها. لم يكن السبب حدثا عابرا بل أزمة عميقة أدخلت الجريدة مرحلة الاحتضار بعد معاناة مالية استمرت سنتين. أزمة لا تخص «الوطن» لوحدها، فعدد كبير من الجرائد مهدد بالإفلاس بسبب اضطراب سوق الإشهار الذي تتحكم فيه عوامل اقتصادية وسياسية، وضعت الإعلام المقروء عموما، بشقيه المطبوع والإلكتروني، في حالة من عدم الاستقرار وأمام مستقبل مجهول.
قد تحتاج جريدة «الوطن» إلى ما يشبه المعجزة للنجاة من أزمتها الحالية، فهي تعاني من تجميد حساباتها البنكية بعد نزاع مع الضرائب وعليها مستحقات ضخمة يجب سدادها. كما أن استمرارها في الطبع في ظل أزمة الورق حاليا وارتفاع سعره بنحو الضعف في السوق الدولية، سيكون ضربا من المجازفة، كونها لا تستطيع رفع سعر بيع الجريدة (40 دينارا) أكثر مما هو عليه الآن، بعد أن سبق لها الاستنجاد بقرائها. كل هذه الأسباب تجعل معادلة الربحية، بالاعتماد فقط على المبيعات مستحيلة التحقق. أما إدارة الجريدة، فلا تتورع عن توجيه أصابع الاتهام إلى السلطات التي تقول إنها تحرمها من الحصول على الإشهار العمومي، رغم أنها الأكثر سحبا في السوق كما يذكر مسؤولوها. وقد بدأت متاعب الجريدة، عقب نشر مقال يتحدث عن ممتلكات أبناء رئيس أركان الجيش الراحل الفريق أحمد قايد صالح، وهو ما جرها للمتابعة القضائية، تبعه فسخ عقد الإشهار العمومي الذي كان يربطها بالوكالة الوطنية للنشر والإشهار المخولة بتوزيع إشهار المؤسسات العمومية على الصحف، وفق ما كتبت في افتتاحيتها. وأمام هذا الوضع، لم يجد صحافيو وعمال «الوطن» الذين لم يتقاضوا أجورهم منذ 5 أشهر، من وسيلة لإسماع صوتهم، سوى الدخول في إضراب ليومين كبداية لاستلام مستحقاتهم والتهديد بجعل الإضراب مفتوحا في حال لم يتحقق هذا المطلب. وفي بيان لهم، تأسف العمال الذين تحملوا الوزر الأكبر من أجل استمرار صدور الجريدة، على عدم دخول الإدارة في حوار جاد معهم حول حقيقة الوضع. وما يقوله الصحافيون هنا، يعبر عن شعور دارج بين أبناء المهنة، بأنهم واقعون تحت فكي رحى السلطة من جهة التي ترسم سقف الحرية وملاك الجرائد الذين يهضمون حقوقهم الاجتماعية، بعد أن تحول بعضهم مع الزمن إلى أصحاب ريوع لا يعبأون كثيرا بمصير الجرائد التي أسسوها.
وفي حال لم تنجُ «الوطن» ستكون الخسارة فادحة على الصحافة المكتوبة، باندثار جريدتين كبيرتين، في ظرف وجيز، توجدان في السوق منذ 30 سنة. فقبل أشهر قليلة، أعلنت جريدة «ليبرتي» انطفاءها بقرار من صاحبها رجل الأعمال يسعد ربراب، صاحب أكبر مجمع خاص في البلاد. وقرر هذا الملياردير المثير للجدل، إنهاء حياة الجريدة، بداعي أنها تتسبب له في مشاكل مع السلطات وهو ما يؤثر على أعماله. وأبرز أنه لا يريد أن يترك لورثته بعد قراره التقاعد هذا العبء الثقيل. وقوبل هذا القرار برفض واسع من صحافيي الجريدة وسياسيين وشخصيات اعتبروا الجريدة إرثا لقرائها ينبغي الحفاظ عليه، لكن تصميم المالك حال دون إيجاد أي مخرج آخر سوى الغلق. ورغم اختلاف أسباب الأزمة بين «الوطن» و«ليبرتي» إلا أنهما يشتركان معا في أزمة الصحافة الورقية التي أصبح مصيرها مرتبطا إما بإشهار السلطة أو رأس مال جبان مستعد للتضحية بها في أول منعرج. وخارج ذلك، لا يمكن لها بناء استقلالية مالية من المبيعات المتراجعة أو سوق الإشهار الخاص الذي تأثر بشدة بالأزمة الاقتصادية ووجد له بدائل ترويجية أقل تكلفة على مواقع التواصل.
أسباب أزمة الصحف الورقية
ولئن كان الانتباه مركزا نحو جريدتي «الوطن» و«ليبرتي» لشهرتهما، فإن الوضع ليس أفضل على الإطلاق في عدة جرائد أخرى، سحبها أقل في السوق. وكانت النقابة الوطنية لناشري الإعلام قد نبهت في بيان أخير لها إلى «وصول عشرات المؤسسات الإعلامية إلى حافة الإفلاس، في ظل التوزيع غير العادل للإشهار المؤسساتي العمومي، خارج كل المعايير المهنية والتجارية المتعارف عليها». وأشارت إلى أن «الغموض في تسيير الإشهار العمومي وتوزيعه بطريقة غير عادلة، مستمر رغم التغييرات التي مست المؤسسات المختصة، المسيرة أو المشرفة على إدارة الملف، ما يطرح الكثير من التساؤلات».
ويرى رياض هويلي رئيس نقابة ناشري الإعلام، أن الأزمة التي يمر بها القطاع متعددة الأبعاد ولا يمكن حصرها في نقطة واحدة. ويقول لـ«القدس العربي»: «المشكلة الأولى حاليا، هي انحسار دائرة المقروئية، بالنسبة للصحف الورقية (الصحافة التقليدية) ما أثر سلبا على الناشر والصحافي وباقي سلسلة الإنتاج في الصحيفة. وهذا التأثير السلبي، يظهر اقتصاديا وتجاريا، ويبرز معنويا بالنسبة للناشر الصحافي والصحافي الممارس، لأن تراجع المقروئية، يعني تراجع التأثير، ومنه اضمحلال ما نسميه توجه الصحيفة وضعف صناعتها لرأي عام».
ويضيف هويلي لذلك، أسبابا تتعلق بتكلفة صناعة الجريدة التي تضاعفت بكثير مع ارتفاع سعر الورق وباقي المواد التي تدخل في صناعة الصحيفة، إذ أفقد هذا الارتفاع، حسبه، الجدوى الاقتصادية والنجاعة التجارية للجريدة باعتبارها مؤسسة اقتصادية، مع ثبات باقي التكاليف والرسوم. ويصل المتحدث في سرده للإشكالات، إلى «غياب مناخ سياسي حقيقي، قائم على حرية النقاش والمبادرة، أثر سلبا على عمل الناشر والصحافي» كما أن «انعدام دورة اقتصادية فعلية، جعل سوق الإشهار والتمويل الذاتي شبه منعدم، ما جعل كل المؤسسات الإعلامية تجتهد للحصول على الإشهار العمومي من أجل البقاء». فضلا عن كل ذلك، يرصد هويلي، بروز ظاهرة «الصحافي العابر» أي الباحث على منصب عمل لا غير، إذ لا تعنيه الصحافة كرسالة ولا كفكرة ولا كموقف.
ودفع وضع الصحف الصعب، بعض النقابات إلى الاستنجاد بالحكومة من أجل النظر في أوضاع الصحافيين. وذكر المجلس الوطني للصحافيين الجزائريين في هذا الخصوص أن «العاملين في قطاع الإعلام تضرروا بشكل كبير من الوضع الاقتصادي الصعب خلال فترة الإغلاق بسبب انتشار جائحة كورونا وتأثيرها على المؤسسات الإعلامية الخاصة، ولم يتلقوا أي مساعدات خلال هذه الفترة على غرار بعض القطاعات المهنية الأخرى، إضافة إلى مواجهة موجة الغلاء التي يعاني منها كل الجزائريين». ودعا في بيان له، الجهات الوصية إلى فتح أبواب الحوار مع نقابات الصحافيين وقطاع الإعلام بصفة عامة بهدف المضي قدما نحو آفاق أحسن في مجال الإعلام.
ويقول كمال عمارني رئيس النقابة الوطنية للصحافيين، لـ«القدس العربي» إن معاناة الصحف والصحافيين، تعود بالأساس لغياب قانون ينظم عملية الإشهار. ويشير النقابي إلى أن الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة أوقف قانون الإشهار سنة 2000 وهو في البرلمان بصدد المناقشة، ومنذ ذلك الوقت لم يظهر قانون ينظم الإشهار الذي يبقى توزيعه خاضعا لاعتبارات أخرى خارج انتشار الجريدة وسحبها وتأثيرها في الرأي العام.
وأبرز عمارني أن من أسباب الأزمة العميقة، تضخم عدد الصحف الوطنية التي وصل عددها إلى 160 جريدة في مقابل موارد محدودة من الإشهار العمومي. ومن غير المعقول وفق المتحدث، أن يوجد هذا العدد الضخم من الصحف الوطنية التي يفترض أن توظف عددا معتبرا من الصحافيين والمراسلين لكن في غياب أي شروط أصبحت تظهر صحف وطنية توظف عددا لا يتجاوز أحيانا 5 صحافيين، ولا تقدم أي قيمة مضافة للقارئ عدا ما تكرره من برقيات وكالات الأنباء. وخلق ذلك وفق عمارني نوعا من الاستغلال للصحافيين الذين يضطرون للحصول على الخبرة للعمل في جرائد تمنحهم رواتب زهيدة ومنها من لا يصرح بهم حتى للضمان الاجتماعي.
التحول نحو الصحافة الإلكترونية
وأمام مصير يبدو محتوما للصحافة الورقية، بدأت العديد من الجرائد تفكر بجد في التحول تماما نحو العالم الرقمي، حيث لا طباعة ولا تكاليف تسويق ولا زمان أو مكان يحد نشر الخبر. وقامت منذ مدة جريدة «الخبر» وهي من أبرز صحف الجزائر، بتجريب المحتوى المدفوع على موقعها الإلكتروني، حيث يخير القراء بين اشتراكات متنوعة للاطلاع على النسخة الورقية أو المقالات المميزة. كذلك، اختار موقع «توالى» هذا النمط الاقتصادي لضمان استقلاليته، لكنه واجه في بداية ذلك تعقيدات تتعلق بعدم تطور وسائل الدفع الإلكترونية على الرغم من انتشار بطاقات الدفع على نطاق واسع. وبدأت في الفترة عدة مواقع تبحث عن مساهمين وممولين، بعد أن كونت رصيدا من المتابعة، كحل لاستمرارها في النشاط أمام جفاف الموارد.
ويقول محمد رابح مدير موقع «سبق برس» أحد أبرز المواقع الصاعدة في الجزائر، لـ«القدس العربي» إنه على الرغم من أن المستقبل سيكون للصحافة الإلكترونية، إلا أنها ما زالت تعيش اليوم عدة تحديات لا مفر من مواجهتها.
وأبرز رابح أن الصحافة الإلكترونية بقيت محل فراغ قانوني استمر من سنة 2012 تاريخ صدور قانون الإعلام والذي ورد فيه باب أشار للصحافة الإلكترونية لكنه أبقى تنظيمها مرتبطا بقانون لم يصدر حتى سنة 2020. ورغم ذلك بقيت مجموعة من الثغرات بحاجة إلى معالجة بقانون إعلام جديد وهذا ما كشفت عنه الحكومة في اجتماع مجلس الوزراء مؤخرا. ويعتقد المتحدث أن صدور هذا القانون سيجعل الصحافة الإلكترونية ترتكز على أساس قانوني يتيح ممارسة المهنة وفق ضوابط محددة.
ويوجد تحد آخر وفق رابح، يتعلق بجودة الإنترنت، فممارسو الإعلام الإلكتروني يعانون من ضعف تدفق الإنترنت، وهو ما يؤثر على جودة المحتوى، لذلك يؤكد على وجوب تطوير خدمات الإنترنت وإيجاد عروض خاصة لمؤسسات الإعلام الرقمي. ومن بين الإشكالات الأخرى، يشير مدير «سبق برس» إلى مسألة الدفع الإلكتروني التي تتيح تطوير محتوى مدفوع يؤمن مداخيل للموقع. ورغم إيجاد حل لهذه القضية بواسطة بطاقات الدفع المحلية، لا تزال حسبه البطاقات الدولية غير معتمدة، ما يحرم قراء الموقع في الخارج من الاشتراك.
ويقول رابح عن معضلة التمويل، بأنها التحدي الأكبر، حيث لم يكن متاحا في السابق، فرصة التنافس على الإشهار العمومي، أما الآن فقد حلت المسألة جزئيا في انتظار التوقيع على العقود مع المؤسسة الوطنية للنشر والإشهار. وتبقى مسألة تكوين الصحافيين والتقنيين على الإعلام الإكتروني، من أبرز المسائل التي يجب أن ترافق عملية التحول خاصة بالنسبة للصحف التي تعودت العمل بالنمط القديم.
وعود السلطات بالإصلاح
ووسط حالة القلق التي تسود القطاع، تعكف الحكومة على تحضير قانونين لتنظيم قطاع الصحافة والإعلام السمعي البصري. وقال وزير الاتصال محمد بوسليماني، في إجابته على أسئلة نواب المجلس الشعبي الوطني، قبل فترة أن المشروعين التمهيديين المتعلقين بالإعلام والسمعي البصري، يهدفان إلى توفير بيئة مهنية «محفزة» لمنتسبي القطاع والاستجابة لتطلعات المواطن وحقه في المعلومة. ويتضمن القانون العضوي المتعلق بالإعلام، وفق الوزير الوافد حديثا إلى الحكومة، أحكاما من شأنها «ضمان حرية التعبير للصحافي في إطار احترام الدستور والقوانين السارية المفعول» كما يشمل على جملة من النقاط التي تحدد العلاقة بين المستخدم والصحافي لحماية حقوقه المهنية والاجتماعية.
ووعد الوزير بعد الانتهاء من القانونين، بإعداد قانون للإشهار (الإعلانات) يحدد «باحترافية ووضوح شروط وإجراءات الاستفادة من الإشهار العمومي» وسيتم فيه «مراعاة المعايير العلمية والاقتصادية ذات الصلة على غرار الانتشار، الرواج، النجاعة والتنافسية» للتصدي «للسلوكات غير المهنية التي ساهم الفراغ القانوني المسجل في انتشارها». وفي نيسان/أبريل الماضي، وجّه الرئيس عبد المجيد تبون، بتنظيم القطاع من خلال سنّ قانونين منفصلين، يتعلق الأول بالصحافة المكتوبة والإلكترونية، والثاني بالسمعي البصري. كما أمر بتعريف الصحافي المحترف بدقة في كل التخصصات الإعلامية، وكذا المهن الملحقة بالقطاع، وفتح المجال أمام المهنيين بإشراكهم في النظرة التجديدية، وإرساء قطيعة مع مقاييس المشهد الإعلامي السابق.
لكن هذه القوانين الموعودة طال انتظارها بشكل جعل الكثير من الفاعلين في قطاع الإعلام والسياسيين ينتقدون الاستمرار في تكريس الفوضى الحالية.
وذكر أحمد صادوق رئيس المجموعة البرلمانية لحركة مجتمع السلم، أنه «على الرغم من أن الدساتير الأخيرة أكدت على حرية الإعلام والصحافة والإشارة إلى تأطير ذلك من خلال قوانين ناظمة، إلا أن الملاحظ هو التأخر والتماطل في إصدار هذه القوانين خاصة ما تعلق بقانون السمعي البصري وقانون الإعلام بدون أن نعرف خلفية هذا التأخر والتماطل، علما أنه تمت مناقشة قانون السمعي البصري منذ مدة في مجلس الوزراء».
وأبرز صادوق المحسوب حزبه على المعارضة، أن قطاع الإعلام يحتاج إلى جهد كبير على مختلف المستويات خاصة في الجانب التشريعي، حيث يجب أن يكون التوجه نحو دعم جهود التعددية الإعلامية وتحرير مجال السمعي البصري وأخلقة الممارسة الصحافية والإعلامية مقابل تعزيز انفتاح مؤسسات الدولة والهيئات العمومية على وسائل الإعلام من أجل الوصول إلى مصادر المعلومة.
والمطلوب وفق النائب، أن نصل إلى حركية إعلامية حقيقية وتنافسية تناقش الملفات التي تلامس اهتمامات الناس وترفع مستوى الوعي وتحرر الصحافيين من الرقابة الذاتية التي يمارسونها خوفا أو طمعا بحيث نصل إلى مستوى لا يحتكم فيه الإعلامي والصحافي إلا للضمير المهني وأخلاقيات المهنة.
جدل الحرية وحماية الصحافي
تختلف النظرة تماما بين المنظمات الدولية والسلطات الجزائرية حول واقع حرية الصحافة في البلاد. وفي آخر تصنيف لمنظمة مراسلون بلا حدود في 3 أيار/مايو الماضي، حلت الجزائر في المرتبة 134 عالميا من أصل 180 دولة شملها التصنيف. وأشار التقرير إلى أن حرية الصحافة في الجزائر تواجه العديد من الخطوط الحمراء حيث أن مجرد الإشارة إلى الفساد أو قمع المظاهرات من شأنه أن يكلف الصحافيين التهديدات والاعتقالات.
ويقول ممثل منظمة مراسلون بلا حدود في شمال أفريقيا الصحافي خالد درارني، لـ«القدس العربي» إن المناخ الذي يعمل فيه الصحافيون حاليا في الجزائر سيء ودليل على ذلك اختفاء جريدة «ليبرتي» ثلاثين سنة بعد تأسيسها، والمشاكل الاقتصادية والمالية التي تتخبط فيها صحيفة «الوطن» زد على ذلك الوضع الهش للمواقع الإلكترونية.
واعتبر درارني أن كل هذه العوامل السيئة تؤثر سلبا على وضعية الصحافيين وعلى حريتهم، وهي وضعية مقلقة جدا تؤكد مرة أخرى، حسبه، «أن مصير الصحافة أصبح مجهولا في ظل غياب تام لإرادة سياسية واضحة من أجل تكريس حرية الإعلام في الجزائر».
وتابع يقول: «رغم أن الدستور الجزائري يحمي في النص حقوق الصحافي في ممارسة عمله، ويحميه أيضا من كل حكم سالب للحرية، إلا أن الوضع مختلف تماما في الواقع، فعشرات الصحافيين سجنوا وتمت إدانتهم بموجب قانون العقوبات لتجنب مواجهة الانتقادات الدولية المتعلقة بسجن الصحافيين. هذه الوضعية تكررت مع العديد من الصحافيين الجزائريين الذين كان ذنبهم الوحيد هو تغطية مظاهرات أو إعادة نشر بيانات لأحزاب المعارضة».
لكن خلافا لهذه النظرة، هناك من يعتقد أن مسألة الحرية نسبية وليست بالسوء الذي تطرحه المنظمات الدولية. ويقول كمال عمارني في هذا الصدد إن المنظمات غير الحكومية فقدت مصداقيتها حول الجزائر منذ فترة الإرهاب (سنوات التسعينات) حين كان الصحافي الجزائري يواجه الموت من أجل إيصال المعلومة.
أما رياض هويلي، فيقول بخصوص تعامل السلطة مع الإعلام، إنه «لا توجد إكراهات مباشرة أو ضغوط محددة، إنما الأمر يتعلق بالوضع السياسي والاجتماعي برمته أو لنقل بيئة الممارسة المهنية غير متوفرة».
ويرى محمد رابح المسألة من زاوية أخرى، فالإكثار حسبه من الحديث عن الحرية والابتعاد عن أساس الاستقلالية الذي هو التمتع بوضع مالي مستقر، يدخل في إطار الشطحات التي تمارسها مؤسسات لا تملك التمويل الشفاف.
جذور الأزمة
يؤكد البروفيسور رضوان بوجمعة أستاذ العلوم والاتصال بجامعة الجزائر، أنه لا يمكن فهم الأزمة الحالية بدون العودة إلى نشأة المنظومة الإعلامية التي كانت مبنية منذ البداية لأسباب تاريخية موضوعية على براديغم الدعاية.
وأوضح بوجمعة لـ«القدس العربي» أن «هذا البراديغم بقي لصيقا بالمنظومة الإعلامية الجزائرية إلى اليوم، فرغم كل التحولات لم تخرج الممارسة الإعلامية عن هذا البراديغم وهي خاصية وجب التوقف عندها».
الأمر الثاني، حسب البروفيسور، أن هذه المنظومة الإعلامية مبنية على الريع من ناحية النموذج الاقتصادي، وهذا الذي لم يتغير كذلك منذ الاستقلال إلى اليوم، فرغم أن قانون الإعلام الصادر عام 1990 رفع احتكار الدولة لملكية وسائل الإعلام، إلا أن الطابع الريعي لهذا النموذج الاقتصادي بقي هو السائد.
ويعتقد بوجمعة أن «هذا النموذج الاقتصادي يعيش نهايته مع بداية الأزمة الكبيرة للصحافة الورقية، ومع استراتيجية إغراق السوق الإعلامية بعشرات العناوين الصحافية ابتداء من 2009 في إطار الاستفادة من الريع الاشهاري العمومي والخاص».
ومن مظاهر الأزمة، يضيف،عدم وجود استثمار خاص في القطاع، واستمرار احتكار الإشهار في إطار استراتيجيات التسيير الإداري لمنظومة الإعلام. أما النموذج الاقتصادي بالنسبة للصحافة الإلكترونية معقد أكثر، لأن مرسوم تنظيم الصحافة الإلكترونية لا يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات هذا المجال والتطور التكنولوجي المصاحب لذلك.
وينتهي البروفيسور، إلى أن المنظومة الإعلامية في أزمة عميقة، وهي بحاجة إلى قطيعة مع براديغم الدعاية، لأنه يضر بمصداقية المؤسسات الإعلامية ويعمق من أزمة الثقة مع الجمهور، ناهيك عن أنه غير فعال بل مضر جدا، ولا يمكنه أن يصنع رأي عام، بل قد يسلم الرأي العام الوطني بشكل مجاني لمنظومات إعلامية أجنبية لتقوم بتأليبه.
كما أن النموذج الاقتصادي، حسبه، في أزمة لأن «الطبيعة الريعية لهذه المنظومة، فشلت في بناء مؤسسات إعلامية وفق قواعد المهنة ومنطق السوق وفلسفة الخدمة العمومية، فكل الأجهزة الإعلامية حاليا هشة اقتصاديا، الكثير منها نجح في إنتاج طبقة غنية من مديري هذه الأجهزة، مع تعميق وضع الصحافيين والصحافيات في العوز والهشاشة الاجتماعية».