ثانيةً، ليس كبار السن وحدَهم يحنّون إلى الماضي الجميل ببعض وجوهه. فهذه الذكريات كتابة ٌتوازي الكتابة التاريخية الموثّقة بالأسماء والأحداث، وقد تتميّز عنها بكونها تجارب شخصية مباشرة، وليس نقلاً عن فلان أو فلان. فمن نشأ في مدينة الموصل في ثلاثينات القرن الماضي فصاعدا قد يرى هذه الأحداث والصور ماثلة أمامه وكأنها من بنات اليوم.
أوّل ما يتبادر إلى الذهن عن موصل الأمس هي صورة التعايش السليم بين الغالبية المسلمة والأقليّة المسيحية التي تقدر بحوالي 30 في المئة من السكان. فقد كان المسيحيون أول من سكن منطقة مدينة الموصل قادمين من بلاد الشام، من عرب فلسطين، وأقاموا قراهم على مرتفعات الجهة الشرقية من نهر دجلة. أما العرب المسلمون فقد نقلهم الخليفة عمر بن الخطاب (رض) من شمال الجزيرة العربية، عندما فتح بلاد الجزيرة وأعالي نهري دجلة والفرات، لكي يدعم المنطقة بالعرب المسلمين وأغلبهم من قبائل شمّر والخزرج، وقد استقر هؤلاء إلى غرب النهر على مشارف الصحراء. ومع الزمن بدأ المسيحيون من سكنة المرتفعات شرق النهر بالنزول إلى الغرب من النهر فأقاموا لهم بيوتاَ وكنائس إلى جانب بيوت ومساجد العرب المسلمين. وأنا شخصيا دخلتُ المدرسة الابتدائية عام 1936 في بناية مسجد قديم، يلاصق كنيسة السريان الأرثوذوكس. وفي مدرسة المثنّى المتوسّطة كان التلاميذ من المسلمين والمسيحيين وبعض اليهود، وعددا من التلاميذ الأكراد والتركمان الذين أرسلهم القادرون من أهلهم إلى مدينة الموصل من أربيل والسليمانية وكركوك، حيث لم يكن في بعض تلك المدن مدارس متوسطة. وهكذا نشأ ذلك الجيل لا يعرف التفرقة بين الأديان والقوميّات إلى أن استشرى وباء الحزبية الكريهة والطائفية الموبوءة.
والموصل أم الربيعين، لأن الربيع فيها أزهارٌ ونرجس وورود من كل نوع، وسهولٌ وجبالٌ تزدحم فيها النباتات الطبيعية والخضار، وأغلبها صالح للأكل. وفصل الخريف في الموصل هو الربيع الثاني الذي يزدحم بالنباتات الطبيعية والأزهار، التي تختلف عن خيرات الربيع الأول. ولهذا كان الربيعان في الموصل من ما يشجِّع الناس على القيام برحلات ونزهات إلى أطراف المدينة حيث يقع دير مار كوركيس أو مار ميخائيل أو قضيب البان، ويتبارى الشعراء في وصف تلك النزهات. وكان أحد معلمينا في المتوسطة أحد فرسان الشعر في وصف تلك النزهات، ومنها قوله:
إن رُمتَ أن تلقى السرورَ مُجسَّماً / فاجلس قريباً من قضيب البانِ
وتجنّبِ الديرَ القصيَّ فإنه / قد خُصَّ في ذا اليوم للنسوانِ
ومن أجمل أمثلة التعايش السلمي والتكاتف بين المسلمين والمسيحيين صورةٌ لا تغيب عن ذاكرتي قطعا. كنتُ في طريقي إلى المدرسة صباحاً وفي عودتي بعد الظهر أسلك الطريق الأطول من أمام جامع النبي جرجيس، فأتوقّف أمام الجامع وأتأمّل الرخامة العريضة التي تعلو الباب وقد نُقِر عليها بخط الثلث الجميل بضعة أبيات أوّلها:
زُر حَضرةً مُلِئت نوراً وتقديسا/ واقصُد نبيَّ الهُدى والفضلِ جَرجيسا.
وكنا في أوائل شبابنا نصلّي كل يوم في أحد الجوامع الكثيرة في مدينة الموصل، ومنها جامع النبي جرجيس، وكنا نحضر فيه المواعظ عصراً في رمضان. ولكن هذا الجامع كان يستوقفني في طريقي إلى المدرسة لأنه مقابل باب الجامع على الرصيف الآخر يوجد محلاّن كبيران لعمل شواهد القبور، يشتغل فيهما بطرس ويلدا، مسيحيان من إحدى القرى حول الموصل، ربما ألقوش أو بعشيقة. كان الاثنان يخطان الآيات القرآنية بقلم قصب بدائي وطاسة حبر أسود من صنعهما. وكنتُ أتوقّف طويلاً مُعجباً بقدرة هذين القرويَين المسيحييَن بالخط الجميل ثم النقر حوالي الكلام لتبرز العبارات المكتوبة بالحبر الأسود على الرخام الأبيض. لم يخطر ببال أي مسلم اعتراضٌ على قيام مسيحي بتزويد المقابر الإسلامية بشواهد قبور عليها آيات وعبارات إسلامية، والموصل كانت مدينة إسلامية من دون أي أثر للتعصب ضد غير المسلمين. ولكن ذلك الجامع الجميل قد دمّره إجرام داعش ولا ندري أي سبب لذلك، مع أنهم يدّعون الإسلام والدفاع عن مقدّساته.
وثمة قصة عجيبة ما زال الموصليّون يذكرونها في مجالسهم الخاصة. فقد لاحظ بعض الناس وجود تصدّع في أعلى مئذنة الجامع الكبير، وهو الجامع النوري العريق الذي يفتخر به الموصليون. فكيف الوصول إلى أعلى المئذنة لترميم التصدّع؟ قالوا ما لنا إلاّ «عبّودي الطمبوغجي» المسيحي أشهر «أسطى بناء» في الموصل. فذهبوا إليه وجاء على الفور وتفحّص الخلل وعاد في الغد ومعه بضعة عمال أشدّاء وحبال غليظة جداً وبعض لوازم البناء. وما لبث أن صعد إلى أعلى المئذنة مع الحبال التي ألقى ببعضها إلى مساعديه، واشتغل ساعةً أو بعض ساعة وأصلح الخلل ثم نزل إلى الأسفل بمساعدة حبل بقي معه، وسط التهليل والتكبير. فجاءه المسؤول عن خدمة الجامع وسأله كم يطلب لقاء أتعابه؟ فسأل: هذا البيت لمن يعود؟ وقالوا إنه بيت الله. فقال إذن: الله هو الذي سيعطيني أجري، ثم انصرف بين تهليل الناس وتكبيرهم.
ومن الذكريات أمورٌ مسكوتٌ عنها لأنها مُحرجة في بلد مسلم شديد التديّن. ففي شهر رمضان يكون الإفطار العلني مَجلبةً لانتقاد شديد ولوم. حتى أن بعض غير المسلمين كانوا يمتنعون عن الطعام والشراب وحتى التدخين علناً، من باب المجاملة للأغلبية المسلمة في مدينة الموصل. ومن جهة ثانية كان المفروض بالمطاعم أن لا تفتح في النهار في شهر رمضان، بل تفتح مساءً عند الإفطار، وتستمر حتى ساعة السحور فجراً. ولكن هناك بعض المطاعم تفتح الباب نصف فتحة وتغطّي المدخل بقماشة بيضاء كبيرة مكتوب عليها: «الدخول من الباب الخلفي!» وكانت هذه تُعد نكتةً سَمجة، والأقبح منها أن بعض دكاكين الخمور تعمل نفس الشيء بتغطية باب الدكان وتنشر القماشة إيّاها. وكان هذا النفاق سبباً في مهاجمة تلك المحلات من جانب بعض الأطفال وبعض الشباب مما يسبّب الكثير من الاضطراب ويستدعي تدخل الشرطة.
ولكن هناك ظاهرةٌ محترمة في مناسبة يوم عاشوراء، ذكرى استشهاد الحسين عليه السلام. فالموصل سنّية المذهب تعطّل الأعمال في يوم عاشوراء، وتسمع قراءة القرآن في كل مكان والترحّم على سيد الشهداء وأصحابه. وفي الساحة الكبرى وسط سوق السراي، أكبر الأسواق في الموصل، تجد الجدران وأبواب المحلات التجارية مغطاة بالقماش الأخضر، علامة السادة، مع عشرات بل مئات المقاعد الطويلة التي تمتلئ بالناس القادمين للترحّم علي الشهيد وصحبه، وقراءة الفاتحة كلما توقّف قارئ القرآن ليعطي مجالاً لمغادرة بعض القادمين ليحلّ آخرون مكانهم. ويستمر ذلك حتى حلول صلاة المغرب.
ومن ذكريات الموصل التي تبقى عالقةً في أذهان الأطفال استعدادات البيوت لمختلف مواسم السنة من شتاء وصيف وخريف. فهناك تحضير «خبز الرقاق» ليكون مؤونة الشتاء مخزونا في»دَن الخشب». وتقوم بهذه العملية مجموعة من القرويات المسيحيات، كل واحدة مختصة إما بالعجن أو بتحضير الرقاقة باستعمال «الشوبك» ثم «النشّابة» لتصير قرصاً دائرياً رقيقاً تلتقطه الخبّازة بخفّة راقصة باليه وتُدخله في التنّور ليخرج بعد عدة ثواني مُحمّص الأطراف، ويستقر في طبق كبير من القصب، بانتظار أن يمتلئ برقاقات أخرى ليجد طريقه إلى الدَنّ الخشب ليكون جاهزاً لفطور أيام الشتاء الباردة.
وهناك موسم تحضير «الكيل» وهو عمل «نسوان البيت». ففي بداية الصيف تبدأ مياه النهر بالانخفاض ويبدأ في بعض أطرافه ظهور طبقات من الطين الرمادي الفاتح ينتظرها بعض الكَسَبة حتى تجففها شموس الصيف، فيجمعون منها ما يستطيعون ويدورون على البيوت لبيعها للنساء اللواتي يجتمعن لإذابتها بالماء ثم «دعبلتها» بشكل كُراة ورفعها إلى السطح لكي تنشف بشمس الصيف. ثم يؤخذ «راس» أو اثنين من ذلك الطين النقي إلى الحمّام العام لتعالج به النساء شعر الرأس بدعوى أنه «يفيد جلدة الراس والشعر». وهذا الإجراء الطبي مقصورٌ على النساء دون الرجال. ولله في خلقه شؤون.