لم تكن الطريق معبدة أمام السويد في سعيها نحو الانضمام إلى حلف الشمال الأطلسي «الناتو» في ظل المخاوف والتحديات التي دفعت بدولة عرف عنها الحياد على مر التاريخ الحديث ولم تنجرف إلى أي حروب منذ مئتي عام، وتعد من البلدان التي اشتهرت بمراعاة مبادئ حقوق الإنسان وتأوي الآلاف من المضطهدين والمهاجرين الفارين إليها من أتون الحروب وقمع الأنظمة الاستبدادية في بلدانهم. غير انها اليوم وبحسب توصيفات المحللين قد تخلت عن حيادها وعن البعض من مبادئها الإنسانية راضخة لمطالب طالما رفضتها سابقاً، شريطة قبولها عضواً في نادي الناتو، خاصة بعد طلبها رسميا وجارتها فنلندا من الحلف في ايار/مايو الماضي قبول انضمامهما رغم التهديدات الروسية لهما على ذلك، غير ان الرياح الاسكندنافية لم تجر كما تشتهي أشرعة ستوكهولم وهلسنكي حينما باغتهم الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بقائمة من المطالب شرطاً لموافقته على انضمامهما للحلف الذي يحوي ثلاثين دولة يحق لإحداها عرقلة دخول أي عضو جديد إليه.
تعقدت الأمور بعد ذلك ودخل الأطراف معاً في سجالات وحوارات ورحلات مكوكية دفعت بكبار المسؤولين في السويد وفنلندا إلى السعي لإرضاء أنقرة في ظل التهديد الروسي القائم والمتصاعد على لسان موسكو من عواقب انتقامية وخيمة إذا ما أقدمت العاصمتان الاسكندنافيتان المجاورتان لروسيا على الانضمام للحلف، ما يعني فتح أراضيهما ومياههما لقوات الناتو التي ستحكم تطويقها للأراضي الروسية آنذاك.
الانتقادات تصاعدت من الداخل والخارج للدولتين في حال إقرارهما القبول بشروط أنقرة خاصة ممن يؤيدون الفصائل الكردية في سوريا، بل تقضي المطالب أيضا تسليم السويد قائمة من المطلوبين لتركيا بينهم شخصيات كردية بارزة.
وبين خيارين أحلاهما مر، تهديدات روسية مستمرة رافقتها خروقات لطائراتها لأجواء السويد، ومطالب تركية شرطا للقبول في حلف ربما سيوفر الأمن والحماية، رضخت العاصمتان للقبول بمطالب اردوغان وهرعتا إلى مدريد للتوقيع على مذكرة التفاهم الثلاثية بينهما وبين أنقرة أواخر شهر حزيران/يونيو الماضي بدعم ومباركة دول الحلف في مقدمتها الولايات المتحدة.
وحسب صحيفة «افتونبلاديت» السويدية فإن الاتفاق الثلاثي تضمن بين بنوده التعاون الكامل مع تركيا في مكافحة حزب العمال الكردستاني والفصائل الداعمة له، وعدم دعم منظمات حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكرديتين في سوريا، وحركة فتح الله غولن، والتضامن مع أنقرة في مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره.
كما تضمّنت المذكرة توسيع التعاون العسكري مع تركيا، بعد رفع الحظر في مجال الصناعات الدفاعية عن تركيا وإنشاء آلية تعاون منظمة لتبادل المعلومات الاستخبارية في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، واتخاذ تدابير ملموسة لتسليم المجرمين والإرهابيين. وتتعهد ستوكهولم بحسب المذكرة بمنع الدعاية الإرهابية ضد تركيا، وإنشاء آلية دائمة لضمان الامتثال للاتفاق.
الرئاسة التركية أعلنت بعيد التوقيع على المذكرة عن انتصار سياسي جديد يحسب لاردوغان يمكن أنقرة من تمرير مطالبها عبر هذه المذكرة حتى إلى الدول الأخرى في الناتو، ما أغضب ذلك الأكراد في السويد بالدرجة الأولى ممن يعتقدون انهم أصبحوا ضحية الاتفاقية، فخرج المئات من أنصار حزب العمال الكردستاني والمنظمات والجماعات الداعمة له في مسيرة احتجاجية جابت شوارع العاصمة السويدية ستوكهولم وطافت مباني الحكومة ومقارها، رافعة أعلام الحزب وصور زعيمه المسجون في جزيرة آمرلي التركية عبدالله اوجلان، قادت المسيرة النائبة الكردية في البرلمان السويدي أمينة كاكا بافيه التي تصدت للاتفاقية معتبرة اياها تنازلا سويديا عن أبسط مقومات حقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية التي تعرف بها البلاد التي تحمل بافيه جنسيتها اليوم وهي على رأس المطلوبين لأنقرة.
الرؤية الكردية للمشهد
في السويد
في لقاء خاص لـ«القدس العربي» مع الكاتب والمحلل السياسي الكردي كوردو باكسي الذي يعيش في ستوكهولم بشأن الأحداث الجارية على الأرض هناك ما بعد الاتفاقية مع أنقرة، يقول باكسي: نعم نخشى ان يكون الكرد ضحية لهذه الاتفاقية، من خلال موافقة الحكومة السويدية على مطالب أنقرة تسليم العشرات من المطلوبين لها ضمن القائمة التي اتسعت إلى نحو سبعين مطلوبا، ولكن نرى ان على الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم في السويد ان يدرك جيدا ان هذا الأمر لن يخدمه في الانتخابات المقبلة في شهر ايلول/سبتمبر المقبل، حيث ان الأكراد في السويد سوف لن يصوتوا لهذا الحزب مجددا. نعم هناك مخاوف كبيرة تعتري الأكراد في السويد من بنود هذه الاتفاقية التي ستطول في تنفيذها لشهور عدة إلى ان ينتهي المطاف بقبول السويد وفنلندا داخل حلف الناتو ضمن آلية معتمدة للحلف يشترط موافقة الأعضاء الثلاثين لقبول انضمام عضو جديد وهذا يحتاج إلى وقت. وبناء على ذلك كله فإن الكرد في السويد يرفضون هذه الاتفاقية مع تركيا لأسباب عديدة منها ان هناك أعدادا منهم قد وصلوا إلى السويد كلاجئين سياسيين ولم يحصلوا بعد على حق المواطنة، وان في الاتفاقية ثلاثة بنود غير جيدة بالنسبة لهؤلاء، البند الأول هو التعاون على مكافحة الإرهاب والجماعات الإرهابية بين الدول الثلاث الموقعة على الاتفاقية السويد وفنلندا وتركيا، والاشكالية هنا تكمن في توصيف مسمى الإرهاب، فكل جهة لها توصيف معين له، وان التوصيف التركي له غير واضح المعالم إلى الآن، أو ربما يحمل في طياته مفهوما واسعا من المرجح ومن خلال هذه الاتفاقية تمريره إلى الدول الموقعة على الاتفاقية بل تمريره من خلال الاتفاقية نحو الدول البقية في الناتو وبذلك تفرض تركيا مفهومها للإرهاب على الجميع، وهذا ما يجعل الأكراد يقلقون جدا من الأمر سيما في ظل وجود شروط تركية بتسليم مطلوبين لها في السويد وفنلندا، وهذا هو البند الثاني المخيف في الاتفاقية، والبند الثالث يتعلق بحرية التعبير والصحافة في الدول الموقعة على الاتفاقية حيث يتخوف البعض من ان تفرض تركيا على هذه الدول إيقاف نشاط أو فرض قيود على المعارضين لها والمنتقدين لسياسات الرئيس اردوغان من خلال الصحافة أو وسائل التواصل الأخرى كما هو الحال في داخل تركيا.
السويد لن تسلم
أحدا يحمل جنسيتها
وفي معرض تعليقاتها على الاتفاقية أوضحت الحكومة السويدية وعلى لسان أكثر من مسؤول لها بدءا من رئيسة الوزراء ماجدلينا اندرشون التي وصفت الاتفاقية بالإنجاز الكبير وأنها تمكنت من النوم جيدا في ليلتها وأنها تتفهم المخاوف التركية على أمنها القومي، غير انها لن تسلم أي مواطن يحمل الجنسية السويدية إلى أنقرة، والذين لا يحملون الجنسية السويدية فإن القضاء سيبت في أمرهم. غير انها وفي تصريح لصحيفة «اس في دي» السويدية قالت إن السويد تقف خلف الاتفاقية مئة في المئة. وأضافت انه بالطبع سيتم تنفيذ ما تنص عليه الاتفاقية، وقد سبق وأن تقدمت تركيا بطلبات تسليم ونحنا تعاملنا معها، وأحيانا قمنا بترحيل البعض، وفي كثير من الأحيان لم يتم ذلك.
الضرورات تبيح المحظورات
لعل هذه القاعدة تنطبق حرفيا على الوضع السويدي بعد مئتي عام من السلام وحالة الحياد في هذا البلد الذي وتحت وطأة تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا وتهديدات موسكو لستوكهولم وهلسنكي من عواقب انضمامهما إلى الناتو دفعت الاثنتين معا نحو السعي وراء الحلف الذي وعد العديد من قادة بلدانه الأعضاء تأمين الحماية للعاصمتين حال طلبهما الانضمام، الأمر الذي شجعهما على ذلك وان كان على حساب كسر حالة الحياد كما يشير بذلك النائب في البرلمان السويدي عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم جمال الحاج، مضيفا لـ«القدس العربي» ان «الحزب الاشتراكي الديمقراطي هو الحاكم في السويد وهناك قرارات تاريخية للحزب برفض عضوية الناتو، ولكن بعد الاجتياح الروسي لأوكرانيا تغيرت الأوضاع الأمنية بشكل كبير، ما دعا بالحزب إلى البحث عن سياسة أمنية جديدة أيضاً، رغم ان السويد تبنت سياسة الحياد الدائم غير انها كانت منحازة أيضا لأصدقائها وللمظلومين في العالم».
وفيما يخص جدية التهديدات الروسية للسويد فيقول جمال الحاج «من الصعب التكهن بجدية التهديدات الروسية للسويد، ولكن ما يجعل الأمر تهديدا للأمن القومي السويدي هو الفترة التي تقضي بين طلب الانضمام للناتو إلى ان يتم قبول الطلب وانضمامها رسميا للحلف. واليوم تعيش السويد وفنلندا هذه الفترة الحرجة التي إذا ما تعرضتا لأي هجوم روسي أو احتلال لأراضيهما فإن حلف الناتو لن يستطيع الدفاع عنهما بحسب قوانينه التي تقضي بعدم التدخل للدفاع عن أية دولة خارج الحلف وتكون في حالة حرب أو تكون أرضها محتلة».
مخاض ما بعد الحياد
وبين طلب الانضمام إلى الحلف وقبولها من الحلف، تعيش السويد حالة من المخاض العسير بين زمنين لا سابقة لها من قبل بهما. يخال البعض ان بقاءها على الحياد كان ضرورة ملحة للوضع المتأزم في المنطقة والعالم المتخندق اليوم خلف الأحلاف الغربية والشرقية، يقول الدكتور ثائر اسماعيل المستشار الأقدم في مركز «اولف بالما» والخبير الدولي في قضايا النزاعات والسلام «البديل الأساسي عن انضمام السويد إلى حلف الناتو كان الاستمرار على الموقف الأمني السياسي الاستراتيجي للسويد سابقاً (أي حالة الحياد التي كانت عليها السويد طيلة السنوات الماضية) فإن روسيا بالتأكيد لها مصلحة استراتيجية أمنية في بقاء السويد بعيدا عن الأحلاف العسكرية، ومن هذا المنطلق فإن العقود الأخيرة وربما حتى من بداية نشوء الاتحاد السوفييتي لحد هذه اللحظة لم تجر أحداث أمنية استراتيجية تؤشر على وجود تهديد حقيقي من روسيا على السويد، حتى تحليلات قادة الناتو والاتحاد الأوروبي لا تشير إلى ذلك».
السويد إلى أين؟
لاشك في ان الأشهر القليلة الماضية كانت الأصعب في تاريخ السويد بما حملت من تشتت في المواقف والآراء على مستوى القيادة والقاعدة، وأفرزت جملة من المواقف التاريخية قد تغير مسار عقود من السلام والحياد وضمان حقوق الإنسان والمستضعفين في العالم، لتقف السويد اليوم على مفترق طريق صعب للغاية كما يراها الكثير من المتابعين وحتى مواطنيها (الأصليين والمهاجرين على حد سواء) وان ما تحمله الأيام المقبلة لا أحد يمكنه التكهن به، غير ان تداعياتها ربما تترجم على الأرض في نتائج الانتخابات المقبلة المزمع إجراؤها بعد شهرين أي في ايلول/سبتمبر المقبل.